|
بن ماري صاحب المقامات المسيحية
من ابناء القرن الثاني عشر الميلادي
الباحث سالم تولا
تسابق نصارى العراق وبلاد الشام منذ ُ القدم في درس اللغة العربية وأتصال آدابها وعلومها . فظهر من ذاك التسابق جمهورٌ من المؤلفين العلماء والاعلام , تنافسوا في صناعة الأنشاء وتفننوا في أساليبه البديعة . فحبروا الرسائل ووضعوا الاسفار ونظمّوا الأشعار, وأتوا بالمعاني البليغة والاستعارات اللطيفة والكتابات الرائعة والتشبيهات المبتكرة , مما أقرّ بفضلها القاصي والداني . واستشهد ببلاغتها الخاص والعام . وأشهرُ من نبه من نصارى العراق أيام الخلافة العباسية هو . يحي بن ماري النصراني . لقد جاء ذكرهذا النبيه عند أبن القفطي حيث قال : هو أبو العباس يحي بن سعيد بن ماري النصراني المعروف بالمسيحي . كان عالما بالطب والادب . يطيب بمدينة البصرة في زماننا , أدركناه من روى عنه , وممن أدركناهُ أبو حامد محمد بن مجمد بن حامد بن آلة الأصفهاني العماد رحمه الله , ويستمر أبن القفطي فيقول : وكانّ للمسيحي هذا معرفة بالأدب صادقة , وربما أمتدح بالشعر أجُلاء الواردين على البصرة , وكان فاضلا ً في علم الآوائل وعلم العربية والشعر . يرتزق بالطب والأنشاء وصنف المقامات الستين وأحسن فيها , ذكر هو بنفسه اسمه ونسبه ومذهبه في مقدمة مقاماته أذ قال : أما بعدُ , فيقول الفقير الى سوابغ الآء البارئ أبو العباس يحي بن سعيد بن ماري العربي نسباً والنصراني مذهباً . وقال أبن العماد يحي بن سعيد النصراني أوحد في زمانه في معرفة الطب والأدب . له ستون مقامة , ضاهى بها مقامات الحريري , جاء في مختصر( جريدة العصر) كان لابي العباس معرفة بالادب , وقدعمل ستين مقامة على منوال المقامات الحريرية ورأيتها معه , وما قصّرفيها . ذكر عن مقاماته أيضا ( الحاج خليفة )حيث قال : المقامات المسيحية لابي العباس يحي بن سعيد بن ماري النصراني البصري . الطبيب المتوفي في شهر رمضان سنة 589هـ . نسج فيها على مقامات الحريري , أما ياقوت الرومي فقال عنه : يحي بن يحي بن سعيد المعروف بابن ماري المسيحي من أهل البصرة , كان كاتبا ً , أديبا ً, شاعرا ً, عارفا ًبالطب , عالما ًبالنحو واللغة , متفننا ً وكان يتكسب بالكتابة والطب ويمتدح ألأكابر والأعيان , أشتهر الطبيب بن يحي بن ماري النصراني بالشعر , كما أشتهر بمقامات التي دلت على علو كعبه في الادب وغزارة مادته في فنون الفصاحة والبلاغة , فقد حلا ّها بضروب الكنايات ,ووشّاها باشكال البديع , فجاءت الفاظها رقيقة ومعانيها لطيفة وعرفت بـ(المقامات المسيحية ) تمييزاً لها عن مقامات الحريري حكى يحي بن العبري قائلا ً :وفي هذه السنة 589 هـ توفي يحي بن سعيد بن ماري الطبيب النصراني . صاحب المقامات الستين . صنفها وأحسن فيها . وكان فاضلا ً في علوم الاوائل وعلم العربية والشعر يرتزق بالطب وقد ذكره ُمن المحدثين الأب العلامة لويس شيخو اليسوعي (1859ــ 1937 ) مؤسس مجلة المشرق في 1898 والمكتبة الشرقية حيث نشر المقدمة في كتابه ( شعراء النصرانية بعد الاسلام ) كما نشر الأب انستاس ماري الكرملي 1866 ــ 1947 ) ( مقدمة ) هذه المقامات والمقامة المعروفة بـ(رهاوية ) في مجلة المشرق البيروتية , أما الأب شموئيل جميل رئيس دير ربان هرمزد قرب القوش . فقد ذكره في كتابه ( جامع المؤلفين ) تحت اسم يوحنان بن سعيد حيث قال : كان اصل عائلته من مدينة الطيب التي تسمى في المصادر السريانية ( طيب ماثا ) الواقعة بين واسط والاهواز في موضع يقال (دوير ) وهو تصغير دير كان والده قد أنتقل منها الى البصرة , حيث رأى يحي نور الحياة . للمقامات المسيحية شهرة واسعة , منها نسخة في مكتبة فينا . ونسخة أخرى في بغداد . ورد ذكرها في قائمة المخطوطات التي جمعها (جبرائيل حوشب أوحوشابا ) مطران حلب , أما عن نسخة بغداد فقد وجدها الأب الكرملي في خزانة كتب جامع الحيدر خانة الواقع على شارع الرشيد قرب باب المعظم , وقام بنشر مقدمتها والمقامة الرهاوية كما سبق ذكرها في مجلة المشرق البيروتية السنة الثالثة صفحة 591 ــ 599 , أما كيف وصلت هذه النسخة الى الجامع المذكور . فيقول القس المطران فيما بعد سليمان الصائغ كان علماء بغداد قد أجمعوا رأيهم على أنشاء خزانة كتب عمومية داخل جامع الحيدر خانة توسيعاً على طلاب العلم والراغبين في الادب . فأ قترح على أعيان بغداد ووجهائها أن يتحفوا المكتبة الجديدة بما يتسع لهم من الكتب العلمية والادبية . فكان من جملة ما تبرع به الوجيه المسيحي وعضو مجلس الادارة فتح الله عبود في سنة 1883 , هذا المخطط النفيس , وهو قديم الخط , بدون تنقيط يمتاز بالوضوح والجلاء . في المقدمة نقص . الكتاب من زمن مؤلفه . أما منزلة هذه المقامات , فلا يستطيع أن يعرفها الا من يطالعها , وقد جاء عنها في كتاب ( كشف الضنون ) أنه نـُسج على منوال الحريري , وقد أشاد فيها كل من أبن القفطي وأبن العبري وياقوت الحموي والعلامة العراقي نعمان الآلوسي , الا الصفدي فقال عنها : ............. أنه أجاد ولا قارب الأجادة ...؟
واذا قابلنا بين نسختين فينا وبغداد , وجدنا أختلافا ً في أنشائها وعدد مقاماتها , ففي الاولى سبع وعشرون مقاما ً بدلا ً من ستين الموجودة في الثانية , وكذلك هناك اختلاف في المقدمتين . لايقتصر الاختلافُ على ما سبق ذكرهُ , وأنما هناك اختلاف في اسم الراوي والمروي فراوي المقامات في نسخة بغداد يـُدعى (يحي بن سلام ) بيد أن أسمه في نسخة فينا ( ابو الخير بن الحارث ) يروي عن ابي الفضل . مما يدعو الى الشك في عدم انتسابها الى شخص واحد واذا تجاهلنا هذا الشك ونسبنا الاختلاف الى اخطاء النساخ , نجد ان نسخة بغداد هي الصحيحة , وقد ورد اسم ابن ماري صريحا ً في مقدمتها . أما شعره فورد معظمه في الكتب الادبية وفي مقاماته , فكساه ُمن زخرف البيان أبهى حُلـّة ووشاه بدرر البديع ازهى حلية . فتأنقـى في اللفظ وتعمق في الصيغة وجدّ في أصطياد الالغاز وأمعن في الغوص على غرائب المعاني واليكم نمودجا منها في الشيب
.نفرت هندُ من طلائع شيبي وأعترتها سآمة ُ من وجومي
هكذا عادت الشياطين أن ينفرن اذا ما بدت تجوم الرجوم
وهذان بيتان آخران في النصح والارشاد :
نعم المعين على المروءة للفتى
مالٌ يصـون على التبدل نفســه
واذا رمتهُ يدُ الزمان بسهمه
غدت الدراهمُ دون ذلك ترســه
الهوامش والايضاحات :
1ــ هو يحي بن سعيد : أبو الفرج .طبيب نصراني ملكي مشهور , كمل تاريخ سعيد بن البطريق من ص 938 الى 1028 وسماه كتاب الذيل .
2 ــ الحاج أو الحاجي خليفة : هو مصطفى بن عبدالله الملقب بكاتب جلبي 1608ــ 1657 كاتب تركي موسوعي ولد في القسطنطينية . عين في وظيفة خليفة التي تعني المساعد في أدارة المالية ومن هنا جاء لقبه . . الف15,000كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون) وهو معجم بأسماء المؤلفات العربية, ذكر فيه
كتاب واحوال مؤلفيها .
3ــ ياقوت الرومي او الحموي : (1179ــ 1229 ) مؤرخ وجغرافي رومي الاصل . ولد في الاناضول . أشتراه تاجر من حماة . رحل الى ايران , ثم أنهزم امام جيوش جنكيزخان , واقامة بالموصل ثم سافر الى مصر فحلب ومات فيها . له معجم البلدان ومعجم الادباء .
4 ــ أبن العبري : هو الفرج غريغوريوس (1226 ــ 1286 ) ولد في ملطية وتوفي في اذربيجان (مراغة ) . من المع رجالات الادب والعلم لدى السريان . هاجرت عائلته الى انطاكية بعد الغزو المغولي . ثم درس الطب والفلسفة في طرابلس (لبنان ) على يد طبيب نسطوري اسقف حلب على اليعاقبة ثم مغريان الشرق في تكريت , كتب في النحو والشعر والفلسفة واللاهوت والتاريخ , أشهر مؤلفاته العربية . مقالة في النفس البشرية . تاريخ مختصر الدول . في السريانية منها . التاريخ الكنسي ومنارة الاقداس .. ...
5 ــ لويس شيخو : ولد في ماردين وتوفي في بيروت . تربطه صلة قربى مع مجدد الرهبنة في دير هرمزد الأب جبرائيل دنبو . أنصرف الى درس وأحياء الآداب العربية . فكان من العاملين بنشاط مستمر في ازدهار اللغة ونشر كنوزها . وأشهر مؤلفاته : مجاني الادب في حدائق العرب . شعراء النصرانية . النصرانية وآدابها بين العرب الجاهلية وغيرها من المصنفات الجليلة .
6 ــ راهب كرملي : عضو المجمع العربي العلمي . لغوي أدب . صاحب مجلة . (لغة العرب ) في تسع مجلدات , من مؤلفاته الكثيرة : خلاصة تاريخ بغداد . راجع عنه بالتفصيل سالم عيسى تولا في مجلة المنتدى المهجرية العدد (6 ) من ص 3 ــ 26 وما بعده .
7 ــ شموئيل جميل : من مواليد تلكيف 1847 ــ 1917 رئيس دير ربان هرمزد . له 32 مؤلفا ً . يتقن عدة لغات في 1885 أوفد كزائر بطريكي الى جبال حكاري . فيها الف كتابه ( الرحلات الجبلية ) راجع عنه مجلة القيثارة العدد 10 السنة 17سالم 8 ــ فتح الله عبود : أصله من حلب وهو جد الباحث المعروف يعقوب نعوم سركيس لأمه سوسان . راجع عنه مجلة القتثارة العدد 17 سالم عيسى تولا
9 ــ الصفدي : هو صلاح الدين خليل نجو 1296 ــ 1362 من مدينة صفد الفلسطينية . أديب ومؤرخ عمل في ديوان الانشاء في حلب ودمشق توفي فيها بمرض الطاعون له مجلدات كثيرة منها . الوافي بالوفيات وأعيان العصر .................
|