شيوعيو قرانا قبل نصف قرن / بقلم : جميل روفائيل

شـيوعيو قـرانا قبـل نصـف قـرن
ـــــــــــــــــ
جميـل روفائيـل
        هـذا الموضـوع ليس دفاعا عـن الشـيوعيين ، لأني لسـت في كتاباتي مـن ممارسـي المـدح والـذم على الهويـة والمزاج ، وإنـما هـو شـهادة للأمور التي عشـتها عـن قـرب ، فـي تلـك السـنوات التـي كانت إحـدى الفتـرات البارزة في حيـاة الشيوعيين العراقيين ، وأعنـي مـا بين عـامي 1958 و 1960 حيث كنت أنـئذ في قيـادة المنظمة الرئيسية لتللسـقف ، وهـي الفتـرة السياسية الوحيدة في تللسـقف والقـرى المجاورة لهـا التـي أسـتطيع التحدث عنـها ، لأنـني لـم أكـن في أي مسـؤولية حزبية قبلها كما لـم أكـن على علاقة ذات شـأن بالأمور السياسية لتللسـقف بعدها . . وأنـا اليوم غير ملتزم إنتمـاء أو مؤازرا بالمطلق مع أي جهـة سـياسـية  .

   خطـر في بـالي أن أكتـب عـن حقيقة هـذه الحقبة في تللسـقف ، بعـدما وجدت أن البعض ، مـن الذي يمكن أن يقـال عنـه ضـامر الحقـد المتأصل في قلبه الأسـود ، يتحدث عـن تلك الفترة ، ومن نماذج ذلـك  رسـائل وردت باللغة الإنكليزية مـن مرسلة  أو مرسـل في أميركا إنتحل إسـم نسـائي لفتاة من تللسـقف لـم أتذكر بمعرفتي لهـا وحتى بالإسم المدون لوالدها ولقبها ، وبـدا لـي أن هذه الفتاة ـ إن كانت فتاة حقا ـ أنـها لم تكن مولودة في تلك الفترة وحتى بعدها بسنوات عـدة ، وربما أن  أمها لم تكن أيضا مولودة أو كانت طفلة ، بدليل أنـها تكتب بالإنكليزية وليس بالعربية وأن مـا كررته في كل رسـائلها لـم يكن أكثر من عبارات فارغة من أي دليل ، مثل الإسـطوانة الشـائعة عنـد أمثالها  :  ضـد الدين ودعـاة  الإلحاد والكفر والإعتـداء على الناس . . أمـا مـن هـم هؤلاء الناس المعتـدى عليهم فالمعنى في قلب الشـاعر كمـا يقـولون .

    ومـن الذين كتبوا أيضا شـخص معروف ( يعيش حاليا في أميركا ) وهـو كبير  ربما يقارب عمره حاليا 75 عاما ، ما يعني أنه كان في ذلك الوقت بعمر مـا بين 22 و 25 سـنة ، وأن جيل تللسـقف الذي أقل منـي عمرا بنحو عشـر سـنوات لايعرفه والأرجح أنه لـم يسمع بـه ، لأنـه ترك تللسقف نهائيا عام 1954 وسكن بغداد ( لأسباب أعرفها ولكن لست بحاجة إلى إيرادها ) ولـم يـزر تللسـقف إطلاقا بعدها حتى عند وفاة والده ووالدته وأقاربه ، وقطع كل صلة لـه بتللسـقف وأهلها  في كل مكان ،  وزوجته ليست من تللسـقف . . وهـذا يعني أنه ليس شـاهد عيان ليعتبر حديثه ثـقة عن وضع الشيوعيين في تللسقف بين 1958 و 1960 وحتى لو سـمع بعض الأمور من هـذا وذاك ، ولكن السماع لا يعتبر شـهادة في غالب الأحيان لأنه قـد لايكون الناقل أمينا ، ومـع هذا كتب هذا الشخص مواضيع عدة ينتقد ويهاجم فيها أشخاصا من تلك الفترة عارضا نفسه ـ بكلمات إفتـرائية ـ كمعايش للوضع ، بـما  يمثل الحقد الواضح لهذا الشخص ، لمن يعـرف حقيقتـه .

    ولا حاجة لذكر المزيد من الذين كتبوا أو تحدثوا ، لأنهم جميعا على شـاكلة هذين الشخصين . . ولهـذا سـأدون شـهادتي للتأريخ وبجلاء ، ومـن لـه ملاحظة عنها أو عـن غيرها من شهود العيـن لـتلك الأيام ، فعلى الرحب والسـعة ، شريطة أن يكتب اسـمه الصريح الواضح ،  لأن قـادة أي حزب كائنا مـن كانوا يخطأون لأنهم بشـر ، وأن الأحزاب ذات الأسس الديمقراطية تراجع  مسيرتها بين فترة وأخرى  ، ويعتبر النقد والنقد الذاتي لممارساتها من مبادئها الأساسية ، وهـو حالة صحية لإختيار الأفضل ، والحزب الشيوعي العراقي كثيرا مـا انتـقد ممارساته وأعلن أخطاءه بجـرأة وشـجاعة   .

    وفـي 1958 وبعد ثورة 14 تموز ، تـمّ  تشكيل قيادة جديدة لمنظمة الحزب الشيوعي في تللسـقف ، وكان الحزب الوحيد فيها ، حيث أن البعث وغيره لم تكن لهم قواعد في تللسقف ، أمـا أحزاب شـعبنا فلم تكن قد ظهرت  بعـد ، وكنت في حينه متخرجا من دار المعلمين الإبتدائية وأنتظر التعيين ، وتـم إبلاغي باختياري ضمن قيادة المنظمة ، ونظرت إلى رفاقي خلال إجتماعنا الأول فوجدت إنـني الأصغر بينهم سـنا ، ولأن الشائعات راجت من الحاقدين بأن الشيوعيين كانوا من المعلمين لاغير ، أدون الآن تكوين المنظمة ذاكرا أسماء المتوفين ومتخليا عن ذكر أسماء الأحياء ـ باستثناء أعمالهم ـ لأنني لـم آخـذ موافقتهم . .

    وكانـت أسـماء أعضاء المنظمة القيادية  كمـا يلي : مسـؤولها كاسب بسـيط ( يعيش حاليا في أميركا ) وأنـا محسوب عند اختياري على الطلبة ، ورزوقي يوسـف ( معلم ) وأنطون نعمو ( فلاح ) ويوسف أبلحد الخوري ( فلاح ) وصادق عجمايا ( فراش مدرسة أي عامل ) وثلاثة معلمين ( يعيشون حاليا في خارج العراق ) . . علما أنـه لم يكن أي من أعضاء المنظمة  يتقاضى أي إجـر بما فيه أجور السفر في المهمات ، كما كانوا يدفعون الإشتراكات بصورة إعتيادية . . ويـبدو واضحا من هـذه الأسـماء المعروفة  أن الشيوعيين  لم يكونوا جميعا  من المعلمين  كما ادعـى ولايـزال يدعي المغرضون .

   كانـت التعليمات ، التـي تـفضـل النوعية على العدديـة ،  تقضي بقـفل بـاب الإنتماء أمام الموظفين والطلاب ، باستـثناء حالات نادرة ، وذلك لكي لايطغوا على المنظمة  باندفاع يفتـقر إلى ثـقافة حزبية مناسـبة ، وإبقـاء باب الإنتماء مفتوحا أمام العمال والفلاحين شريطة الإهتمام بتـثـقيفهم وإنتـماء الذين لايعرفون القراءة والكتابة إلى مراكز تعليم الأميـين ، وهـذا كان معمولا بـه طوال الفترة مـن 1958 إلى 1960 ، وقـد تـم إعتـبار كل الذين يقدمون طلبات الإنتماء من الطلاب والمعلمين ( إضافة إلى النسـاء اللائي لم يكن مطلوبا إنتماءهـن في ذلـك الوقت ) مؤيدين ، وشخصيا قدمت رسائل طلب إنتماء من عدد كبير مـن المعلمين ( بينهم مثلا المرحوم حميد كوركيس عـم بولص ) والطلاب ورفضت جميعها تقريبا ، مـا يؤكـد أن الضوابط كانت شديدة في تللسـقف  للدخول إلى صفوف الحزب الشيوعي في ذلـك الوقت ولـم يكن البـاب مفتوحا لكل مـن هـبّ ودبّ كمـا يدعـي الذيـن لايدركون الحقائـق .

   ونـنتقل إلى الديـن ، وأتحدى مـن يثـبت أن شـيوعيا واحدا في تللسـقف  تهجم على الدين ، وأتحـدى أيضا مـن يثـبت أن شـيوعيا واحدا لـم يلتـزم أصول الدين المسيحي في الزواج والعماذ والتناول الأول وتأدية متطلبات كل ذلك بحسـب الطقوس الدينية ، هـذا إضافة إلى الإلتزامات المطلوبة في الأعياد وتقـديم التـهاني ، أمـا الذهاب إلى الكنيسـة أيام الأحـاد والأعياد  كمـا هو الأصول المتبع في قـرانا ، فربمـا كان البعض مـن الشـيوعيين غيـر منتظم في ذلـك ، أسـوة بالنـاس الآخرين حيث لكل شـخص في مثـل هـذه الأمـور سـلوكه الذي يخضع لوضعه وظروفه ، ولكـن بالتأكيد أن الوضـع العام كمجموع بالنسبة للشيوعيين فقـد كانوا  يحضـرون القداديس في أيام الأحاد والأعياد  أكثر مـن غيرهم  . . وهنـا أود أن أذكر أن عـددا مـن الشيوعيين الذين لديهم إمكانات كـانوا يشـاركون كشمامسـة في القداديس ومنهم في قيادة المنظمة المرحوم رزوقي يوسـف ومعلم يعيش حاليا خارج العراق . . إذن أيـن الشـيوعيون في تللسـقف  والإدعاءات المغرضة بمواقـفهم ضـد الديـن ؟

           وأود أن أذكـر بالمناسـبة ، أن علاقة الشـيوعيين بالقسّـين في تللسـقف في ذلك الوقت ، المرحوميـن جبرائيـل ويوسـف ، وكذلـك القس منصور ( من ديـر السـيدة ) الذي عمل في تللسـقف في تلك الفتـرة ، كانـت جيـدة جدا . . وأيضا بطالب السـينميـر ( لن أذكر اسمه لأنه حـي يرزق ، وقـد ترك السـينمير لأسباب لاعلاقة لنـا بـها ) الـذي كان يبث الدعاية علنا في القرية ضـد الشـيوعية ، وشـخصيا كنت أزوره باسـتمرار أثنـاء وجوده في الصيف خلال عطلة السـينمير ، وأناقشـه حيث كان يركز على أمـور من  خارج تللسـقف ، فكنت أقـول لـه : أنـت تتحدث مـع أهالي  تللسـقف ، فلماذا تخـرج عـن إطار القرية ، أذكـر كل مـا تراه خطـأ مـن الشيوعيـين في تللسـقف ونتـفاهم حوله ، فإذا نـرى أن مـا تراه ليس صحيحا نوضح لك الأمر ونتفاهم حولـه ، وإذا هـو صحيح نشـكرك على ملاحظتـك ونصحح الخطـأ . . أمـا أن تضع على منضدتك عـددا مـن الكتب وتقـرأ عبارة مـن هـذا الكتاب وأخرى مـن غيره ، فهـذا نهج خاطئ ، لأنه مـن يقـول إن المكتوب صحيح أو لايوجـد تأويل آخـر لـه إذا كان المكتوب رأيـا  قديما لأكثر مـن مائـة سـنة ويخص ظـرفا حياتيا معيـنا ؟ وأيضـا أليس مـن الأفضل أن تتحـدث عمّـا تـراه بـدل الذي تقـرأه ؟ وإذا يوجد شـخص واحد  تـم الإعتداء عليه من قبل شيوعي لأسباب سياسية أذكر ذلك جهارا  .

     ولكـن كان يعلم ـ كما يبـدو ـ أنه سـيفشل في هـذا الإمتحان ، لأنه ليس في مقـدوره توجيـه أي نقـد لشـيوعيي تللسـقف ، ولـذا فهـو يسـرح خارجها حيث يجد مـا يناسـبه . . ومـرت سـنوات وألتـقينا في بغـداد بعدما تـرك هـو السـينمير وسألته طالبا منـه الجواب بصراحة عـن الدعاية ضـد الشـيوعية التي كان ينشـرها ، فأجابني : الحقيقـة ، لاأريـد أن أقـول أكثر مـن أنه كان مطلوبا منـي أن أقـوم بذلـك . . وألتقينـا قبـل نحـو سـنة في تللسـقف وتسـالمنا بحرارة ومـودة وقيـل لـي عـنه إنـه طيـب جـدا .

    هـذه نمـاذج مختصرة لـرد كيد الحاقـدين . . وبالمناسـبة أود التأكيـد أن في كل قـرى منطقتنا ، كـان الشيوعيون بالصفات نفسـها وأفضل خصوصا في ألقـوش التي كانت علاقاتنا بهم قوية جدا ، فقـد كانوا شـموعا نيّـرة في كل ألقوش بعلاقاتهم الرائعة مع رجال الدين ورهبان الدير وكل أهالي البلدة ، وكانت ألقوش مثـالا للوحدة والأخوة ( ولسـت في حاجة لذكر الأسماء ، فالأخوة في ألقوش الذين في عمري لهـم إطلاع ومعرفة بذلك أفضل مني ) . . أمـا في باقوفا فالمنظمة كانت صغيرة وعلاقاتها مع الأهالي جيدة ، وكذلك الأمر في باطنايا فلم تكن المنظمة كبيرة ومؤثرة ، في حين أن في تلكيف كانت المنظمة غير فعالة وذلك لأن الخلافات التقليديـة  المتوارثة بين عائلات تلكيف انعكست عليها ، ولهـذا لـم تكن ـ حسب علمي ـ بالمستوى المطلوب .
الموضوع تمت كتابته لمجلة " بيرموس " الصادرة في ألقوش ونشـرته في عددها الحـالي  بمناسبة الذكرى 74 لميلاد الحزب الشيوعي العراقي .

 

شـتان بيـن البطريـرك والكردينـال وأمـور أخـرى ! / بقلم : جميل روفائيل

جميـل روفـائيـل     بدايـة . . أرجو العلـم ، كمـا بيـنت مـرارا فـي كتابـاتي بـأنني أحتـرم كـل رجـال الديـن مـن دون استـثناء لأحـد منهـم ، وهـم دائمـا عـندي بمنـزلة واحـدة...
التفاصيل

السادة أعضاء لجنة صياغة أقليم كردستان المحترمون / بقلم : نزار ملاخا

لحنة صياغة دستور أقليم كردستان  السادة أعضاء لجنة صياغة أقليم كردستان المحترمون  تحية وتقدير  مما لا يخفى على سيادتكم ما للشعب الكلداني من تاريخ عريق وأصالة وحضارة...
التفاصيل

مار باوي وهواجس الانفصال والاتحاد لدى الاخ عمانوئيل يوخنا / بقلم : منصور توما ياقو

عد ان انتهيت من قراءة نص المقابلة المنشورة على صفحات عينكاوا دوت كوم و التي اجراها الاخ عادل بقال مع نيافة المطران مار باوي سورو ، في تلك اللحظة تذكرت سلسة من  المقالات بعنوان (عندما تسقط...
التفاصيل

أهل الموصل والأقليات التاريخية وفصائل الرهاب / بقلم : حبيب تومي / اوسلو

أهل الموصل والأقليات التاريخية وفصائل الأرهاب بقلم : حبيب تومي / اوسلو habeebtomi@yahoo.com     تساؤلات ليست بريئة تحوم حول الموصل وأهل الموصل وعن وضع الأقليات في هذه المدينة وحول...
التفاصيل

متى يبلغوا الكلدانيين سن الرشد ليتحرروا من الوصايا/منصور توما ياقو

 حقآ انه زمن حارة كل من ايدو الو ، زمن أضحت فيه قيمة الهوية والقومية والامة محض كلمات من السهولة مقايضتها بمنصب حقير او لقب كرتوني . زمن المتاجرة ، شراء وبيع ، شراء أي منصب او لقب او ضوء اعلامي...
التفاصيل

الدور الكردي في عودة الكلدانيين الى ديارهم / بقلم : منصور توما ياقو

في احيان كثيرة يبادر الى ذهني وانا استرجع مجريات الاحداث الأليمة التي يتعرض لها المسيحيين العراقيين هذا السؤال ، ماذا كان حالهم لو كان الوضع في اقليم كردستان العراق مشابهآ لما حصل لهم في مناطق...
التفاصيل

تعقيب على مقال " العقرب " لموفق هرمز يوحنا/ حبيب تومي - اوسلو

    في مقال للزميل موفق هرمز يوحنا تحت عنوان " العقرب " يذكر الكاتب ان هنالك قصة وهي من القصص الأيمانية ، قدمها الأب الفاضل باسل يلدو من إذاعة صوت الكلدان من...
التفاصيل

السفير العراقي في السويد .. مهنية واعتدال / بقلم : حبيب تومي / اوسلو

بقلم : حبيب تومي / اوسلو إن أقصر الطرق لبلوغ الحقيقة هي تلك المتسمة بالأعتدال والتأني والحيادية ، فإذا كان انطلاقي  من مصلحتي الشخصية ، كان علي ان اكيل التهم للسفارة والسفير على حد سواء ،...
التفاصيل

حقوق الطفل في المسيحية / بقلم : سمير شبلا

    ها هي الديانة المسيحية تقول : انني ديانة "حب ومحبة"، وكان الأطفال مركزالثقل في تفكيروأفعال يسوع المسيح، كان هو نفسه هرب من الإضطهاد الى مصرعندما كان طفلاً! وهو...
التفاصيل

"القائد الضرورة" يحصل على كارت أحمر ويطرد من قفص المحكمة للمرة الرابعة

أحمد رجب من يشاهد من الشرفاء صدام حسين وزبانيته داخل قفص المحكمة يتذكر نظامه الدكتاتوري الدموي الذي حكم العراق لمدة 40 سنة والذي شنّ خلال تلك الفترة المظلمة من تاريخ البلاد عمليات عسكرية ضد...
التفاصيل