|
تاريخ الطب في وادي الرافدين / بقلم : سالم عيسى تولا |
|
تاريخ الطب في وادي الرافدين
بقلم: سالم عيسى تولا
كان لاكتشاف المقابر الملكية في أور تأثيره البالغ على معرفة ما وصل اليه الطب آنذاك . ففي مدفن ( أكلا مدوك )وجدت هياكل أربعين شخصاً دفنوا مع الملك ومعهم آثار نفيسة , ووجد في قبر آخر تسع وخمسون هيكلاًمن بينها ستة هياكل لجنود وعربتين بخيولها . ووجد مع هيكل الملكة (بو آبي) هياكل اتباعها وحليهن وقيثارات جميلة جداًنستطيع ان نستنتج من محتويات هذه المقابر على ان ملوك تلك العهود (الالف الثالث ق.م ) كانوا يدفنون مع أزواجهم وحاشيتهموجميع ما تحتاجه الحاشية لخدمة الملك في عالم ما بعد الموت .
الملاحظ على رفات الحاشية في هذه المقابر انهم كانوا في وضع يشابه وضعهم اثناء عملهم وهم احياء , ولا توجد عليهم آثار تدل على استعمال الشدة ساعة وضعهم في المقبرة . وهم بهذا يكونون قد نزلوا طوعا وهم بلا أدراك ولا يعون ما سيحل بهم مما يدل على انهم قد اعطوا دواء يشل أرادتهم او يفقدهم الوعي قبل ان يفقدوا الحياة . أن الذين يمتلكون المعرفة بخصائص مثل هذه العقاقير لابد وان تكون معرفتهم قد شملت خصائص عقاقير اخرى . ولا بد ان يكونوا قد جربوا بعضاً منها في معالجات نافعة . اي أنهم قد مارسوا الطب . ومن أوائل الذين ورد ذكرهم في الرُ قـُمعلى انهم مارسوا الطب في العراق القديم طبقة من الكهنة يقال للفرد منهم (الاشب )( 1 ) , وكان للطب اله خاص يسمى (غولا اوكولا )( 2 ) CULA , واسباب أهتمام الكهنة بالطب يعود الى أعتقادهم ان بعض الامراض سببها غضب الآلهة او سيطرة الشيطان . ولعلم الفلك علاقة وثيقة بالاهتمام بالطب فسدنة المعابد كانوا يشيدون المراصد ( 3) داخل المعابد او بالقرب منها لمعرفة تأثير االقوى العلوية على الاحداث الارضية , ومن هذا الرصد تكونت وتراكمت معرفة واسعة بالكوكب واحوالها وبالتجمعات الكوكبية الاثني عشر التي سميت بالابراج , ورسموا خارطتها وتتبعوا ما يتم بينها من اقتران , وهو يعني وقوع احد الكواكب السيارة على خط امتداد الارض والقمر واحد الابراج , وافترضوا ان للاقتران تأثير على الشخص الذي يولد في تلك الساعة , فوضعوا جداول فيها أسماء اعضاء الجسم التي تقابل كل برج , وكذلك الامراض التي تصيب تلك الاعضاء . كما استعانوا بهذه الابراج على معرفة نوع المرض الذي يصيب الشخص ومعرفة الدواء الناجح له . ان وساطة الكهنة في استرضاء الالهة لمنح الشفاء وطرح الارواح الشريرة بالاستعانة بالابراج جعلت منهم اناسا يستعان بهم لمعالجة الامراض وطريقتهم في المعالجة تعتمد على الادعية والتمائم والطقوس المبهمة مصحوبة بالنذور والاضاحي . وحقيقة الامر ان الطب في العراقالقديم لم يكن كله كذلك , فقد وجد رقيم طبي منذ عام 2100 ق.م . في اور كتبه (آس ) أسمه ( نبو ني لو ) كان خاليا من السحر والشعوذة واقتصر على كيفية تحضير الدواء ومقدار جرعته وأوقات تعاطيه . ومهمة الاسي او الطبيب كما نسميه االيوم هي تشخيص الداء وتحضير الدواء والاشراف على المعالجة . ففي رسالة من آس يقول فيها : تم تحضير الدواء بيد عشر أطباء . أما الغسول فقد حضرتها بيدي .
كان الطبيب يزور المريض عندما يُستدعى او عندما يطلب الملك ذلك اذا كان المريض من حاشية القصر . ففي رسالة الى الملك آشور بانيبال من ( قد ورد ) وهوموظف كبير يقول فيها :
أكشيلو الطبيب الذي ارسله سي الملك قد أنقذ حياتي . وفي رسالة اخرى : أن (بو جميلات ) مريضة جدا لا تقدر ان تتناول الطعام ليرسل سيدي الملك (آسيا ) لزيارتها . وقد جاء ذكر الاطباء الاختصاصيين في بعض الرُقيمات كالجراحين مثلاً وأطباء العيون وأطباء الاذن وأطباء العظام وحتى البياطرة . وهناك اشارت الى وجود اطباء للقلب . ففي رسالة موجهة لأحد المرضى تحثه بالذهاب الى (بورسيبا )(4) ليعالج قلبه.أما عن الطب النسائي فالتوليد اهم فروعه وهي من اختصاص القابلة وعليها ان تجلب لبنة الولادة الى بيت الحامل وتقوم بعملها وهي معصوبة الشعر . وعندما تتم الولادة تقطع الحبل السري وتغسل الوليد وتقمطه وتستدعي الاب ليتأكد أن الطفل من أبنائه ويمنحه أسماً يسجل بالسجل العام للولادات .كان شعار الطب هو نفسه المتخذ اليوم . حيّتان ملفوفتان حول عود الخطمي . في متحف اللوفر بباريس كأس يعود تاريخه الى الفي سنة ق . م ععليه صورة حيتين ملفوفتين على عمود مكتوب في أسفله أنه هدية من ( كوديا ) (6 ) حاكم لكش (7) الى الالّه (ننجزيدا ) اله الشفاء....
اما عن أجرة الطبيب فيختلف باختلاف المكان والزمان والمكانة الاجتماعية للمريض أضافة الى المخصصات المعيشية والمكافآت في المناسبات .هذا عن طبيب القصر أما الطبيب الذي يعمل لحسابه الخاص فكان لا يستلم الاجر الا بعد شفاء المريض وبالقدر الذي يحدده العرف والقانون . ففي شرائع حمورابي مثلاً في المادة ( 221 ) تقول : اذا ابرأ الآسي عظماً مكسورا لرجل حرْ وجب على المصاب ان يدفع لله خمس شيقلات من الفضة (8 ) . واذا كان المصاب خادماً فالاجر ثلاثة فقط . اما اذا كان عبداً فالاجر شيقلين فقط يدفعها سيده عنه وهي أجور مجزية جداً . حيث ان الدخل السنوي للعبد لايتجاوز ثلاثة شيقيلات أما متوسط الدخل السنوي للرجل الحر فهو بحدود ثلاثين شيقلاً.
والطبيب من الناحية العلمية والعملية كان له المام بالتشريح ووظائف اعضاء الجسم والامراض واسبابهاوعلاجها وله كفاءة في التشخيص والانذار . لنبدأ بالتشريح , فمسميات الاعضاء الداخلية للجسم تدل على أنهم كانوا على أطلاع واسع بها . وقد يكون ذلك من خلال جرحى الحروب او منخلال أطلاعهم على أعضاء اجسام حيوانات النذور . ففي الصدر مثلاً وصفت فصوص الرئتين بتفصيل مع ذكر نقيرها واربطتها كما ذكر ان للقلب جانبان ايمن وايسر وتفاصيل اخرى عن قمة القلب . وذكروا الشرايين وسموها (شريانو ) والاوردة وسموها (وريدو )وعلموا ان توقف النبض يعني الموت وسمو النبض (طرق شرياني ) وحسبوا سرعته من لمس اليد وظاهر القدم والصدغين . وتطروا عن اسباب المرض وقالوا ان ارواحاً .(9) لاترى بالعين تدخل الجسم مع الماء والغذاء والهواء واحيانا عن طريق الجلد والجنس ..وعن هذا اللأخير نقرأ رسالة من الملك ( زيمر ليم ) ملك ماري (10) الى زوجته (شيبيتو ) حيث يقول : سمعت ان ( ناناي ) احدى مشرفات القصر قد اصيبت بمرض جراء اتصالها برجال القصرارجو ان تصدري أمرا بمنع سيدات القصر من مخالطتها او الجلوس على مقعدها او النوم في فراشها لأن مرضها شرًعظيم . اما عن الامراض الداخبية والصدرية خاصة فأليكم ما جاء في احد الرُقـُمالمتوفرة في المتحف العراقي فيقول : اذا اصيب رجل بحمة وألم في الصدر وسعال جراء سقوطه في النهر وظهر عليه الأزرقاق في اليوم الثالث او الرابع فأنه سيموت . والمعروف في الوقت الحاضر ان الازرقاق من اخطر الأختلاطات في ذات الرئة. وعن نوبة القلب ورد ما يلي , اذا اصيب المرء بألم مفاجئ حادخلف عظم القص ودام هذا الالم الى اليوم الثاني او الثالث رغم العلاج فأن المريض سيموت . ام عن الادوية ففي الرُقـُم الطبية المكتشفة في مكتبة ( اشور بانيبال )تم التعرف على 250 دواء مناصل نباتي و 150 من اصل معدني و 160 غير مصنف . فشكرا لجهود صاحب الاسمرين السيف والقلم الذي اوصل الينا مفاخر الاسلاف عبر مكتبته الشهيرة ....... رُبّ سائل يسأل عما قدمه الاقدمون لعلم الطب , فأقول : ان ما كان معروفاًفي الطب في تلك العهود الغابرة كان عراقيا مئة بالمئة اذ لم يعرف التاريخ حضارة اقدم من حضارتنا كي تنسب اليها . وأطبائنا القدامى كانوا أصوب اطباء الحضارات الاخرى المعاصرة لهم في معرفة اسباب المرض . فقد وصفوا الجرثومة بأنها روح او ريح تدخل الجسم عن طريق النافذ المعروفة بينما عزا المصريون أسباب جميع الامراض الى (أخدو ) وهي فضلات الطعام في الامعاء عند تفسخها . أما الاغريق فقد ابتدعوا نظرية (الاخلاط )وسوء مزجها وهذا سبب الامراض واخذها عنهم الفرس والهنود دون تغيير وثبت بطلانها بعد الفي سني
|
|
|
|
| |