|
هل أجدت الشرذمة نفعاً
بقلم سمير قس يونان
نحن شعب يجمعنا صليب واحد وهو خير قاسم مشترك بيننا لإزالة الخلافات وهو خير مثالٍ في التضحية والتواضع , وقد أصاب ما أصاب هذا الشعب من الهجرة والتشريد والبعثرة وأدى ذلك إلى قلة وشحة فعله في الساحة السياسية وصنع القرار .. ما يتطلب من الجميع المساهمة في ترقيع هذا السمل وإعادة رونقه وبريقه وإلى سالف عهده بشحذ الهمم ونبذ الخلافات وتقريب وجهات النظر والتضحية في منح الكراسي الواحد للآخر , وأي تلكُؤ ونسيان الواقع والجري خلف المنافع الشخصية والهالات الكاذبة سيؤدي إلى ضياع الفرصة الأخيرة التي نعيشها . ولتقريب الصورة التي نعيشها الآن من التبرم والابتعاد وجر الحبل والأنانية والشرذمة نستنجد من التراث الشعبي المتداول هذه الأقصوصة ..
في غابر الأزمنة كان هنالك مدينة يحسدها الكثيرون بما تتمتع به من الخيرات والبساتين والمنتوجات وتربية الماشية والزراعة وكانت تسكنها قبيلة مفككة .. طمعت قبيلة أخرى في خيرات هذه المدينة وفكرت أن تسيطر عليها وتغزوها وقبل ذلك أراد شيخ القبيلة عن كثب ما يخص هذه المدينة حول عسكرها وقوتها وشكيمتها ومؤونها ورئيسها .. وهكذا أوفد في أحد الأيام رجل حكيم ماهر إلى هذه المدينة وفي الصباح الباكر إستعد الشخص المعني للرحيل وأخذ مؤونه وسيفه وفرسه وهم بالسفر إلى المدينة المنشودة وبعد مسير صادفه شخص وسأله إذا كان قادما من المدينة المبتغاة فأجابه بنعم وسأله بأنه ذهب إلى المدينة نفسها ويريد أن يعرف من هو شيخها لأمر هام فأجاب الشخص القادم من المدينة ذو الأسمال الرثة بأنه هو شيخها ..
فتعجب من كون هذا الشخص شيخ المدينة وشك في الموضوع برمته تخلص منه ببعض الحجج وودعه , قرر الزائر أن يستمر في طريقه وان الشخص الذي لاقاه في الطريق ليس شيخ إستمر في الرحلة وهكذا بعد فترة صادفه شخص آخر يمتطي دابة فبادر زائرنا بتحيته واستوقفه وسألهم عن شيخ هذه المدينة التي هو قادم منها فأجاب في الحال بأنه هو الشخص المعني واخبره بأنه ذاهب إلى الوالي بأمر يخص مدينته ..
وبعد تحية الوداع وقف زائرنا حائرا من هؤلاء وقرر الاستمرار في طريقه إلى المدينة وبعد برهة من المسير وقبل أن يصل إلى المدينة صادفه شخص ثالث وسأله نفس السؤال وأجاب بأنه شيخها .. عندها قرر الرجوع إلى قبيلته وإبلاغ ما اكتشفه إلى شيخ قبيلته وبعد الوصول تم التوصل إلى استنتاج مفاده أن المدينة لا يرأسها أحد وكل ساكنيها رؤساء وشيوخ ومسئولين وعند مباغتتها بأي عمل عسكري فلن يكون هناك من يدافع ويقاتل .
قامت هذه القبيلة بإعداد جيش بسيط للسيطرة على المدينة وباختصار تمت السيطرة على المدينة وسلب غلاتها وخزينتها وقد إنتهى مجد المدينة وبهائها بكبرياء أهلها وتكبرهم الأجوف .
لذلك نقول للذي له سيط وباع في تقرير مصير هذا الشعب البريْء بمختلف ألوانه ألا يكفي شرذمة وتقطع للأوصال .. أل يكفي تبرم للوجوه وتراشق الكلمات ..
ألا يكفي تشكيل أحزاب ومجالس وإتحادات جديدة ..
ألا يكفي صد الأبواب بوجه الآخر .. نعم تلاحظون جيدا ماذا حصل لهؤلاء المساكين حيث جعلتهم الكراهية بين هذه التشكيلات السياسية والاجتماعية يبتعدون عن هذه الاتجاهات بل ويمتعضون حين سماعهم بأسماء هذه القيادات اللا مسئولة , من هو السبب في هذه القطيعة بين النحب والقاعدة وليكن في علمنا جميعا بان البطانيات والدولارات والمولدات والمئون لا تخلق مشيمة قوية تربي الجنين إلى حين الولادة ليقطع المراحل الصعبة في الاكتمال والنمو ..
وإن مثل هذه المغريات لا تزيد الارتباط ألصميمي قوة وشكيمة وبأسا ولا تخلق نسيجا محبوكا مترابطا بل تجعل العلاقة بين هذه النخب والقاعدة والناس المتعطشة إلى من يقودها ويرشدها إلى بر الأمان علاقة واهنة متزعزعة بل ولا يمكن اعتبارها علاقة .. وقد طرق هذه العلاقة إلى علاقة مصلحيه غير متبادلة تطفلية ليس كالبكتريا في أمعاء الإنسان تأخذ وتعطي وطالما هذه العلاقة باتجاه واحد فتبقى المعادلة صماء وعقيمة ولابد في يوم ما وهو قريب لا محال إلى التوصل إلى قطيعة واز دال الستار .إذن على هذه النخب غير المختارة خلق ثقة ووشائج رصينة وأواصر قوية مع الناس التي أعلنت ولاؤها ليس بالوسائل الرمزية والمادية فقط بل خلق جو روحي ترفرف له النفس وأيضا الجلوس حول المائدة المستديرة حيث يعيب الرئيس ولا فرق بين رئيس ومرؤوس وكبير وصغير لئلا يحص ما حصل للمدينة سالفة الذكر ويخرجون بمقررات وبرنامج عمل يفيد الجميع على حد سواء , وعندما يصلون إلى قناعة أن كبيرهم خادمهم ومن ناضل وكافح وله تاريخ مشرف في مقارعة النظام وإعلاء الكلمة يأخذ التسلسل الأخير ليحمي مؤخرة المسير لان له خبرة ودراية عندها يكون المشوار الصحيح قد بدأ وناقوس الحب قد دق .
قد تكون هذه البادرة لبنة وخطوة جيدة قد تحتذي بها الكنيسة نحو إزالة الفوارق والاختلافات التي صنعها التاريخ والنفوس المنحرفة وترجع إلى قرونها الأولى خالية من البدع والهرطقة .. نعم المشوار صعب وفيه من المطبات والألتواءات والدهاليز والأخاديد الكثير كثير منها ما موجود في ذاتنا وكياننا والذي نحن بصدده ومنها ما يأتي من خارج جسدنا حيث لا يرتاحون إلا لشرذمتنا ولا يهدأ لهم بال إلا بتفككنا ..
أنقذوا هذا العدد القليل الباقي وانه لشي مخزي أن يكون شعبنا بهذا الشكل حيث توجد ألاف الطاقات المبدعة والخلاقة تنتظر دورها في البناء والإبداع ولكنكم شللتموها بل هاجر اغلبها بعيدا إلى اسقاع غريبة وكنتم احد الأسباب في ذلك. أين عددنا وثقلنا وأين مركزنا ومواقعنا بل أين كنائسنا وأديرتنا .. أين صوتنا في الحكومة والبرلمان وأين وزراؤنا وخبرائنا بل ماذا حل بناقوسنا وماذا حل بقداديسنا وشموعنا ..
من يحمل المشعل ويقول أنا جدير بذلك عليه أن يحمله جيدا وعاليا ليكسر الحلكة لضعيفي البصر وإذا خفت نور مشعله يصيحهم ويناديهم بصوته الشجي كما ينادي الراعي وإذا بح صوته ونفذ وقود مشعله فإنه يغذي المشعل والسراج بدمه خوف من الانطفاء وحلول الظلمة مثلما حصل عندما أسلم الروح ربنا يسوع .. وهنالك من يقول هذه صورة مثالية قلما تتواجد بين البشر ونقول لنحاول ومهما كانت النتائج فستكون جيدة حتى لو كانت صغيرة بل بغير معنى محاولة إيجابية أفضل بكثير من العداء والإساءة وعدم سماع الغير . لتسال النخب نفسها ماهو دورها بالعملية السياسية في البلد ككل ومن يسمع صوتها وحرابها ومناجاتها ..
من دعاها إلى الوليمة التي أقامها الوالي وفيها ما ألذ وطاب ومن يعيرها أهمية وثقل واحترام بل من يذكرها في الإعلام بأشكاله وهنالك من قفز إلى مرتبتنا مثل سباق الرالي ولتنظر بأنها الأخيرة ضمن هذا الركب وعندها نقول (( لاعافرن بالتركي ) .. يجب وفي الحال مراجعة النفس وإنقاذ ماتبقى وليعرف من يقود إذا قاد بدون استماتة وأمانة فإنه ميت قبل أن يموت .
إن التاريخ قريب بل قريب جدا ونستنبط منه دروس وخيمة من عدم الاتفاق واحترام آراء الغير حيث فاجعة سميل وصوريا وغيرها الكثير كانت نتيجة لحب الذات وعدم التفاني في مصلحة المجموع ومستقبلهم . إن الناس والجموع متعطشة لقيادة موحدة وحكيمة لترقى إلى مستوى المسؤولية وتنتشل هذا الجسد من الغرق . لدينا قائد روحي ميداني يمتلك من التضحية ونبذ الذات والتسامح ما يكفي ليجعلنا إخوان وأبناء صالحين محبين وغيورين لصليبهم .
الصدق والاخلاص في الكتابة
|