تلبية لرغبة الأخ الدكتور ليون برخو كتبت هذه المقالة‎ حول موضوع إستفتاء كردستان


صباح دمان
صباح دمان

إقترح علي الأخ الدكتور ليون برخو المحترم، كتابة مقالة تتضمن إحدى مدخالاتي على مقالته حول السيد مسعود برزاني قبل إجراء الإستفتاء ، لأن قراءتي وتوقعاتي لما كان يجري كانت منطقية حول وصف أحد الإخوة الكتاب لرئيس إقليم كردستان السابق السيد مسعود برزاني “بالقائد الشجاع الذكي” :

“الأخ صباح دمّان المحترم”

“تحليلك من أبدع ما يمكن وقرأته أول ما ظهر في صفحة الأخ أخيقر. في الحقيقة يستحق ان يكون مقالا منفصلا وحبذا ان تعيد كتابته وتنشره بعد اجراء بعض التعديلات لأن ما أتيت به ينطبق على ما بعد مسرحية الأستفتاء الذي سيكون له تبعات خطيرة على الأكراد اولا والأقليات ثانيا والعراق والمنطقة بصورة عامة.”

ليون برخو

وعذراً منك أخي دكتور ليون إن جاءت مقالتي متأخرة بسبب ظروف خاصة …

حينها كتبت:

” صفات كل قائد سياسي  ناجح ورئيس دولة مخلص حكيم، يود الوصول بسفينة شعبه إلى شاطئ الامان والإستقرار والحياة المرفهة الواعدة، لا ينبغي أن تُختزل فقط “بالشجاعة” لوحدها، بعيداً عن المزايا القيادية الأخرى لأنها ليست منازلة بين رجلين، وليست مقامرة عابرة يتحمل هو بالذات نتائجها، بل هي مغامرة قد تفضي إلى كارثة حقيقية لشعبه وترسم صورة قاتمة لمستقبل أجياله اللاحقة، كما حدث عقب إجتياح صدام حسين لدولة الكويت وحروب اخرى نشبت في العقود الاخيرة أطاحت بملوك ورؤوساء وطغاة ما كنا نظن يوما بأنهم سيرحلون بتلك المسرحية المهينة…
لذا يجب أن يتسم رئيس الدولة والقائد الميداني والسياسي البارع، بالحنكة والرؤية الشمولية لمجمل جزئيات اللوحة السياسية أمامه، ويمتلك نظرة ثاقبة للنتائج المترتبة على أي قرار مصيري يتخذه، فيناقشه مع كافة قادة شعبه بموضوعية مجردة وواقعية وبتواضع الكبار، وإحترام أراء معارضيه قبل أن يتخذ القرار وليس بعده، إضافة إلى إجراء دراسة واقعية لإقتصاده ومدى تحمله الخسائر الجسبمة الناجمة عن معركة قد تطول وقد تمتد إلى كافة مفاصل الدولة، ثم يقيِّم بحكمة مواقف الدول الكبرى والمنظمات الدولية والقوى التي تتحكم بمصير العالم اليوم، إضافة إلى مراجعة دقيقة لمواقف الأطراف الإقليمية المحيطة به، وفي ذلك الظرف البالغ الدقة والحساسية، ويحلل بذكاء ويفرز خنادق من يؤيده من أجل دفعه إلى هوة يستحيل عليه تسلق منحدراتها المسننة مرة ثانية، وبين من يقف معه بصدق وأمانة ويؤيد موقفه، وبذكائه وخبرته يرى أين تميل كفة الميزان.

كما ينبغي عليه التحلى بنكران الذات وليس بتضخيمها وبالموضوعية وليس بالعناد، والمراجعة والتأمل عند عدم وضوح الرؤية، وعدم ضمان مساندة دول كبرى له عند بدء المواجهة وإستمرار المنازلة وإتساع أفقها وتنوع مساراتها ، لتجنب ردود أفعال غير محسوبة وتقديم تضحيات جسيمة غير منظورة، لا طاقة لشعبه على تحملها.
 ومن صفات القائد المخضرم الحكيم ان يستنبط الدروس والعبر من مجريات وأحداث التاريخ التي أثبتت إنتهازية بعض الدول العظمى حينما ضحت بحلفائها ونقضت معهم تعهداتها ونكلت بإلتزاماتها بصفقات سرية مشبوهة حصلت فيها على حصة أكبر من الغنائم من أجل ديمومة مصالحها القومية ودعم أجنداتها الإستراتيجية . ودهاليز التاريخ زاخرة بمأسي مروعة كان ضحيتها عشرات ومئات الالأف من أبناء مكونات عرقية وقومية وأقليات دينية وأثنية، دفعت فيها الثمن باهضاً نتيجة جريها وراء وعود مخادعة وثقتها المطلقة بضمانات مضلِلة ….

أما إذا كان الإستفتاء بالون إختبار لدراسة نتائجه السلبية والإيجابية وتقييم ردود أفعال الدول الإقليمية وبقية الدول الكبرى المؤثرة تمهيداً لخطوات لاحقة ، وحالياً ورقة ضغط على بغداد للحصول على مكاسب جديدة ، فللمسألة وجه أخر أكثر ضبابية… وكل ما أخشاه ومن كل قلبي لا أتمناه أن يعيد التاريخ  مرة ثانية أحدى حلقاته ويعرضها على المشاهدين في دور العرض العالمية ويترك الخيار للمشاهد لربط  أحداثها …” وأضيف على تلك المداخلة “:

هنالك حقيقة راسخة لا يتناطح بها عنزان بأن بعض القادة يتبؤون مواقع قيادية ومكانة طيبة بين أبناء شعبهم ورثوها من نضالهم السابق أو من سيرة وتضحيات أسلافهم، ولكنهم  يفتقرون إلى رؤية ثاقبة لما يدور حولهم من أحداث، وتغيب عنهم الحنكة السياسية والحس المنطقي لما يجتاح العالم من متغيرات نتيجة إصابتهم بمرض تعظيم الذات والإرتكاز على الماضي العقيم، وتبنيهم طموحات غير واقعية في خضم صراعات دولية متفاقمة، فيحاولون الإلتصاق بكرسي الحكم المغري المثير، لأنهم يعشقون السلطة إلى درجة المقامرة بكل رصيدهم السياسي والتاريخي والإجتماعي للوصول إلى أهداف مسالكها محفوفة بالمخاطر والأفخاخ، معتمدين على وعود ضبابية، تتبدد حالما تشرق شمس المصالح القومية للقوى التي شيدت أسس النظام العالمي الجديد، ويبدأ موسم الحصاد الإستراتيجي، وتقييم محاصيل المندوبين الموقتين من الموالين وحتى من الرافضين الملثمين والمنشقين .

خلال العقود المنصرمة طفت على سطح خارطة الشرق الأوسط متغيرات ثقافية وعقائدية مربكة، وتزاحمت أمامنا أحداث سياسية متسارعة، منها خروج العراق منهكاً عسكرياً وإقتصادياً من حرب الخليج التي دامت ثمان سنوات دامية بعد أن وضعت تلك الحرب العبثية أوزارها كما كان مُخطط لها، وكان مثقلاً بالديون والإلتزامات ويئن من جروح سالت منها دماء غزيرة، فشرع صدام حسين بمعالجة إقتصاده المتدهور وإعادة بناء بلده المدمَر، ولكنه إصطدم بصخرة إنهيار أسعار النفط .

فتم إستثمار ظروفه الحرجة بعرض حلقة مكملة لسابقتها في المسلسل، بلقاء دبلوماسي ماكر إنسابت بين كلماته بعض الإغراءات، أعقبتها عملية إستفزاز لكرامته البدوية بتلميحات ساخرة، وإستدراجه للوقوع في مصيدة، ظن بأن فيها كنز ثمين يشبع به غروره المتفاقم ويحقق كل الطموحات التي كانت تراوده.

فبلع الطُعم حين تخيل بأنه رأى ضوءً أخضراً من مركز قيادة العالم الحر، أو ربما تلقى إشارات خاطئة أو مشفرة مقصودة، وفشل في فك طلاسمها دون التفكير بالعواقب الوخيمة في حالة ظهورالإلتباس في باطنها، نتيجة عشقه لذاته وإصابته بداء عبادة شخصيته، وثقته المفرطة بما كان يمتلك في قبضته الفولاذية من إمكانيات متاحة، متجاهلاً تجارب سابقة بعدم تتطابق حسابات الحقل في كثير من الأحيان مع حصاد البيدر.

فإتخذ قرار الإنتحار العسكري بإحتلال القوات العراقية لدولة الكويت، معتبرها نزهة مسلية (للويلاد) ومعركة محسومة سلفاً، نتيجة إعتماده على ولاء وقدرات جيشه المتمرس وفيالق حرسه الجمهوري المرعبة وقواته المدرعة الضخمة وصواريخه البعيدة المدى وسلاحه الجوي الهائل وكافة صنوفه الأخرى .

وكانت بداية مأساة وطنية مروعة ودخول العراق في نفق مظلم موبوء لم يرى النور في نهايته لحد اليوم.     وفي الجانب الأخر وجدت بعض الدول الناقمة عليه والمتربصة به، فرصة ذهبية نادرة لإسقاط حكامه وإذلال شعبه وتدمير إقتصاده ونهب ثرواته، والثأر منه بسبب وقائع قديمة مؤسفة ومعارك تاريخية ماضية .

تعود بي الذاكرة إلى عام 1975، حين وقًع صدام حسين إتفاقية الجزائر مع شاه إيران الذي كان يدعم الراحل مصطفى البرزاني، والتي على أثرها تم وأد الحركة الكردية في الشمال ومغادرة قادتها أرض العراق . بعدها قرر المخرج الإستغناء عن خدمات الشاه وطرده من المسرح بسبب خروجه عن مضمون النص المكلف بإدائه، أعقبها بسنوات إنهاء حياة صدام حسين بطريقة دراماتيكية مهينة بسبب إعلانه العصيان ليكون عبرة لغيره من الحكام .

كما أن دخول وحدات من الجيش العراقي بعد الإستفتاء إلى كركوك دون ضجيج، وإنسحاب بشمركة الإتحاد  منها دون قتال بتنسيق غير مُعلن ، ربما كردة فعل لأحداث عام 1996 في أربيل، أضاف حبكة معقدة أخرى إلى الوضع السياسي المبهم الذي لا يخلو عادة من المفاجئات والحيرة والتناقضات….

وهكذا يعيد التاريخ بعض فصول مسرحياته أمام المشاهدين، ولكن بإختلاف الأوقات وإستيعاب قاعات العرض وعقدة سيناريو الأحداث، مع تغيير بعض أقنعة المؤلفين الكبار وجلباب المخرجين المخضرمين، وتبادل الأدوار بين عدد من الممثلين المحليين .

وما زالت الرؤية ضبابية والأمواج عاتية، ومسار سفينة الشرق ما برح مجهولاً لحين إصلاح الخلل الفني في بوصلتها .  

1/1/2018

عن الكاتب

صباح دمان
عدد المقالات : 44

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى