بعض أسباب الإخفاقات العلمية الحالية في ألقوش



أنا أتـكـلم عـن بـلـدتي ألقـوش، كانت الحـياة في الماضي قـليلة الحاجات ومُـتـعِـبة العـضلات ناهـيك عـن بساطة الهـنـدام متمثـلة عـلى الأغـلب بالعامل والفلاح الـذي كان رزقه موسمياً غـير ثابت. أما الموظـف فـكان له مورد دائم مع راحة الجـسم وأناقة المظهـر بالإضافة إلى إكـتسابه بعـض العـلم والـثـقافة ولهـذه الأسباب فـقـد كانت له مكانة بارزة مشجـعة مقارنة مع غـيره ولـذلك فإن أغـلب الفـتيات الجـميلات قـد تـزوّجـوهـن الموظـفـون. وكـنـتيجة لتلك الحالة كان الطالب يجـتهـد كي يـحـصل عـلى ثـقافة ووظـيفة وراتب جاري ويتـزوج ويشق طريقه في الحـياة.

من جانب آخـر وحـسب عـلمي كان خـريج الإعـدادية معـفـياً من الخـدمة العـسكـرية إلى سنة 1968، وعـنـدها سُـنَّ قانون الخـدمة العـسكـرية الإلـزامية لكـل واحـد عـراقي مهما حـصل عـلى مؤهلات عـلمية، ولكـن كان هـناك تـفاوت في مدة الخـدمة لصالح المؤهلات الأعـلى… تـتـدرّج من الـذي لم يُـكـمل المرحـلة الإعـدادية، بكـلوريا الإعـدادية، دبـلوم، بكـلوريوس الكـلية وما بعـدها… أما الـيوم فإن الخـدمة العـسكـرية الإلـزامية ألغـيَـتْ ونـتـيجة لـذلك لم يعُـد أمام الطالب دافـعاً يتحـسَّـب له لتجـنب هـذه الخـدمة الوطـنية التي كان الجـنـدي يتـضايق منها لصعـوبة تحَـمّل نـظامها القاسي، فلا يرى أن هـناك داعـياً يُـجـهـد نـفـسه في الـدراسة، فالخـدمة العـسكـرية ليست تلاحـقه.

العـوامل الأخـرى التي تـلهي طالب اليوم لم تكـن متوفـرة ولم تكـن هـناك قـفـزات مفاجـئة في الموارد الإقـتـصادية ولا التـفـكـير بالهجـرة، أما اليوم فإن التلفـزيون والموبايل والإنـتـرنيت، وطرق الكـسب السريع شرعـية كانت أم غـير شـرعـية، لا تـتـطـلب ثـقافة وعـلم بل عـنـفـوان ومجازفة، بالإضافة إلى حـملة الهجـرة والبحـث عـن حـياة أفـضل، والهـروب من أخـبار أعـمال العـنـف السائـدة في العـراق بصورة عامة، كـل هـذه العـوامل جعـلتْ الطالب لا يكـتـرث كـثيراً بالتحـصيل العـلمي فـيرى نـفـسه ليس بحاجة إلى بـذل الجـهـد بهـذا الإتجاه، فـيـبحـث عـن إتجاهات أخـرى في الحـياة.

وهـناك مَن يتـصور أن الوالـدَين والأهـل لهم تأثيرهم عـلى دفع الطالب إلى الإجـتهاد العـلمي، وكـذلك الـتـدريس الخـصوصي….. ومهـما كان مقـدار ذلك التأثير إلاّ أنـني لستُ مؤيـداً لهـذه الـنـظرية لأنه عـنـدنا نماذج من طلاب الماضي كان أولـياء أمورهم أميّـين وبـسطاء معـرفـياً ولكـنهم أنجـبوا طلاباً تخـرجـوا بـدرجات عالية، وأزيـد قـولاً، أنه كان هـناك آباء مثـقـفـون ولكـن أبناءهم لم يحـصلوا عـلى معـدلات عالية في الإمتحانات العامة…. وذات الشيء أقـول في مسألة الـتـدريس الخـصوصي.

وقـد يمكـنـنا إضافة عامل آخـر وهـو أنه في الماضي كانت هـناك قـوة سياسية واحـدة واضحة مع قـوة أخـرى أقل بروزاً إلى جانب المؤسسة الكـنـسية الروحـية مما يجـعـل تـوجُّه الطالب محـدوداً في ميله إلى هـذا الجانب أو الجانب الثاني لا غـير، فـلم يتبعـثر تـفـكـيره كـثيراً، ولكـن الـيوم يوجـد في ألقـوش قـوى سياسية وجـمعـيات إجـتـماعـية وإتحادات كـثيرة العـدد مما تجـعـل تـفـكـير الطالب أكـثر بعـثرة من ذي قـبل ناهـيك عـن أن الإستـقلالية قـد تبـدو الـيوم أصعـب من قـبل.

فـما الحـل؟ الحـل في رأيي هـو أن يتـفـرغ الطالب لـدراسته الإعـدادية عـلى الأقـل لحـين تخـرجه مبتـعـداً عـن التجاذبات السياسية، والوسائل التـكـنولوجـية والإلكـتـرونية إلاّ بقـدر حاجـته إليها. ولا نـلقي اللوم كـله عـلى الطالب فـقـد كان معي أساتـذة في بغـداد في السبعـينات والثـمانينات يقـولوها صراحة بـيني وبـينهم ــ إحـنا نـدَرِّس عـلى قـدر فـلوسـنا!! فـكـنتُ أقـول لهم: أنـتم متـذمـرون من السـلطة ولكـن ما ذنب الطالب؟ وعـليه فـقـد تـفـيـد دورات الـتـقـوية منـذ بـداية السنة بمعـدل درس واحـد في الأسبوع لكـل مادة للطلاب الضعـفاء، فـنـقـول عـسى ولعـل سينـدفع الطالب أكـثر إلى الإجـتهاد. ونأمل خـيراً لـطلابنا في السنـوات المقـبلة.

بقـلم: مايكل سيـﭘـي

سـدني

 

 

 

 

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *