الإنشقاقات والنكبات التي عصفت بالأمة الكلدانية وكنيستها والمآسي التي حَلَّت بها عِبرَ الزمَن/ الجزء الواحد والعشرون

 

أحوال الكنيسة الكلدانية النسطورية في القرن الثاني عشر

 

62 – البطريرك ايليا الثاني بن المقلي 1111 – 1132م

يتحدَّث المؤرخان الكلدانيان في المجدل (صليبا ص 102 – 104 وماري ص 152 – 153) عن ايليا الثاني بكونه مِن أبناء الموصل، وكان مطراناً على الموصل وأربيل “حزة بحسب التسمية العربية” يُضفي عليه ماري صفة الطُّهر والقداسة، أما صليبا فيصفه بذي فضل وعِلم ومهارة. يقولان بأنَّه اختير للرئاسة البطريركية بعد وفاة سلفه مكيخا الأول بسنتين، أي في عام 1111م حيث ظلَّ الكرسي البطريركي شاغراً في تلك الفترة بسبب الظروف الصعبة التي كانت تعصف بالبلاد مِن حروبٍ خارجية ومشاحناتٍ داخلية. يقول بطرس نـصري (ذخيرة الأذهان ج1 ص 462) <بأن مار ايليا الثاني كان شيخاً جليلاً فاضلاً وعالِماً، لَبَّى مطالب أبناء كنيسة الهند في مَلَّبار بإرساله لهم ثلاثة أساقفة، كما أرسل اسقفاً الى سوقطرة، إتَّصفَ بالعدل والحُكم بالحقِّ بين أبناء الرعية بدون تمييز بين الغني والفقير والضعيف والقوي.                                                 

                                             

وعلى مَرِّ الزمن كان اليهود يتربَّصون بالمسيحيين  ويتحيَّنون الفرص للإيقاع بهم ، وهذا ما جرى لأمين الدولة أبي الحسن بن التلميذ، حيث يقول  إبن أبي أُصيبعة (عيون الأنباء… ص 374) < وقد جرت خصوماتٌ بين أمين الدولة إبن التلميذ وبين الطبيب اليهودي مُعاصره وهو “أوحد الزمان” أبو البركات هبة الله بن علي ملكا الذي أراد الإيقاع بإبن التلميذ. إلاّ أنَّ دسائسه انقلبت عليه، فأبعده الخليفة المُستضيء بأمرالله عن خدمته. لكنَّ “أوحد الزمان” أسلمَ بعد ذلك، ووُجد في خدمة الخليفة المستنجد بالله. ويصف المجدليان (صليبا ص 104 وماري ص 153) الحالة في الكنيسة الكلدانية المشرقية النسطورية بالهادئة واستمرَّت كذلك حتى وفاة البطريرك ايليا بن المقلي في تشرين الأول مِن عام 1132م، وكانت مدة جلوسه على الكرسي البطريركي 21 عاماً و6 أشهر. دُفنَ في كنيسة السيدة بدارالروم عند الباصلوث “بيت الصلاة”.

 

25 – الخليفة المسترشد بالله 1118 –  1135م

يقول إبن الكازرني (مُختصر الدول ص 219) إنَّه أبو منصور الفضل بن المستظهربالله المُلقب بـ “المسترشد بالله”. وُلد عام 1091م وكانت اُمُّه تُدعى “اقبلان”.  يقول ميخائيل اليعقوبي في (تاريخه ج3 ص 221 وابن العبري/ التاريخ السرياني ص 281) <تولّى المسترشدُ الخلافة في يوم موت والده عام 1118م وأراد أن يُعيدَ للخِلافة هيبَتها وتمَسُّكَها بالشريعة>. > وفي أحد الأيام باغتَ المسترشدُ خازنَه “أبا طاهر أحمد” فوجد في داره كنيسة ً مع جميع لوازمها.  ولما سأل خازنَه عنها أجابه الخازن: <إنَّ لي امرأة مسيحية، وهي التي فعلت هذا دون عِلمي>.

 

تخلَلت حياة المسيحيين في عهد المُسترشد مواقفُ هادئة سادها نوعٌ مِن الحرية، وكان يرتبط ذلك بمدى تأثير المسيحيين المتنفذين في البَلاط، ونوع العلاقة السائدة بين السلطان السلجوقي والخليفة، ومواقف اخرى يُخيِّمُ عليها التزمُّتُ الإسلامي تجري فيها مُحاولاتٌ لفرض الشارات المُمَيَّزة عليهم، ولا سيما متى يَـتأزَّم الوضعُ المالي للدولة، وهذا ما حدا بالخليفة عام 1130م لفرض الشارات على المسيحيين بهدف ابتزاز الأموال مِنهم. .

 

63 – البطريرك برصوما الأول 1134 – 1136م

شغر الكرسيُّ البطريركي بعد وفاة البطريرك إبن المقلي نحو سنتين، وبعد الوفاة تردَّد على مسرح احداث الكنيسة الكلدانية المشرقية النسطورية اسمُ الكاهن  والراهب والطبيب أبي الفرج سعيد بن ابراهيم الواسطي الذي ذكرنا بوضوح دورَ التحدّي الذي مارسه مع البطريرك القـديس والجريء مكـيخا الأول. نرى المؤرخ ماري يقول في (المجدل ص 144 – 145) بعد إسهابه بالثناء على إبن الواسطي يقول: <لقد اجتمع الآباءُ وجماعة المؤمنين واتفقوا على اختياره رئيساً لهم، وحضروا الى داره وفاتحوه بهذا الشأن، وسَلَّموا إليه “الشلموث”. فتناوله إبن الواسطي وقَبَّله ووضعه على رأسه، ثمَّ اعتذر قائلاً بأنَّه غيرأهل لهذه المُهمّة. وأمام إلحاح الأساقفة رضخ للآمر، فترك خِدمته في كنيسة سوق الثلاثاء، وذهب الى بيعة العتيقة في الناحية الغربية مِن بغداد، وكان ينتمي لهذه المنطقة بالأصل. وما كادت تمضي عليه ثلاثة أيام هناك، حتى داهـمه مرضٌ فتّاك لم يُمهله سوى اسبوع واحد. فتُوفي في العاشر مِن حزيران سنة 1132م قبل أن تجري رسامته البطريركية، ودُفِن في كنيسة حارته العتيقة خلفَ البيم عند قبر والده .

أما برصوما وبحسب صليبا في (المجدل ص 104) فكان أصلُه مِن قريةٍ تُعرَف بالزبيدية مِن أعمال نصيبين. والكثيرَ عنه ذكره المجدليان (صليبا ص 104 – 105 وماري ص 153 – 156) حيث يقولان: <بأنَّ والد برصوما كان مِن الأشراف الأغنياء، قسى عليه الدهرُ عاضاً إياه بنابه فتبخَّرت أمواله. وكأكثر العوائل الثريّة كان لعائلة برصوما مَملوكٌ رومي قد تَرهَّب، وحال سماعه بموت سيِّده القديم، حتى أقبل وأخذ برصوما إبنَ سيده عنده واعتنى بشأنه وبتهذيبه. وعلى يد مطران نصيبين تعلَّمَ برصوما اللغة الكلدانية، وبعد ذلك ذهب الى آمد “دياربكر الحالية” وحَلَّ في بيت “نحوار” المؤمن، وواظب على الدراسة لمدة خمس سنوات. وجد فيه البطريرك ايليا الثاني بن المقلي ما يُؤهِّله للخدمة الكنسية، فرسمه اسقفاً على “ثمانون” (ثمانون بلدة تـقع شرقي جزيرة ابن عمر هي حالياً في تركيا) فقام بتدبير شؤون أبرشيته الصغيرة أحسن تدبير، واكتسب حُبَّ الأهالي واحترامَهم .

وحيث استمرَّ الكرسيُّ البطريركي شاغراً بموت ايليا ثم موت المُنتخَب للبطريركية الراهب إبن الواسطي كما تقدَّم بنا القول. لم يبقَ أمام الآباء إلا أن يتحركوا لإحتواء هذا الشغور، فرأوا في برصوما اسقف “ثمانون” الشخصَ المناسبَ للمنصب البطريركي فوقع اختيارُهم عليه. فقدِم برصوما الى بغداد وحلَّ ضيفاً في دار”الأجلّ زين الكُتّاب أبي الفضل بن داود” بالبدرية. ويقول ماري (المجدل ص 155 – 156) < وفي الأول مِن آب سنة 1134م قصد برصوما الديوان العزيز ووصل مجلس “شرف الدين على بن طراد الزينبي” الذي كان وزيراً للخليفة المسترشد منذ سنة 1128م. فطرح هذا على رأسه الطرْحة “الطيلسان ـ غطاء الرأس” وسَلَّمَ العهدَ إليه. ومِن هناك مضى البطريرك المُنتخَب الى بيعة الثلاثاء ثمَّ الى بيعة العتيقة مع المطارنة والأساقفة. بعد ذلك توجَّه الموكبُ الى المدائن حيث جّرت الرسامة البـطريركية في 4 آب 1134. ثمَّ انحدروا كُلُّهم الى دير قوني، ومِنها عادوا الى دارالروم في بغداد، دون أن يقوموا بالزيارة التقليدية لدير الكُرسي في واسط لأسبابٍ طارئة.

كانت مدة رئاسة برصوما قصيرة ومع قصرها كانت مليئة ًبالهموم والمصاعب، وصَعُبَ عليه جداً تَعَرُّضُ القلاية البطريركية والكنيسة في دارالروم للسلب، والأثاث والكتُب للنهب والمُصادرة لقاء ديون خيالية باهظة طولبَ بها ولم يكن بوسعِه تسديدها. فإزاء هذه المُضايقات التعسُّفية كان يتمنى لذاته الموت، ولا سيما عندما يعود بالذكرى الى ما كان عليه مِن الفرح والسعادة أيام رعايتِه لأبرشية “ثمانون” الصغيرة. ترك دارالروم مُضطرّاً ولجأَ الى كنيسة سوق الثلاثاء،  وهناك وافته المنيَّة في مطلع عام 1136م. ويذكر ماري (المجدل ص 155) بأن سبب وفاته، كانت نزلة صدرية قوية أصابته. بينما يقول إبن العبري (التاريخ السرياني ص 293) عن سبب وفاة برصوما الذي كان يُسمّيه “بركَبّارا” <بأن البطريرك خرج الى البستان ليلاً، فداس على حيَّةٍ لدغـته فمات، لكنَّه يعود ويقول: <بأنَّ البعضَ يقول لم يُلدَغ، بل مات خوفاً>. ودُفن في بيعة مارسبريشوع بسوق الثلاثاء، ليكون أول بطريركٍ يُدفن في هذه الكنيسة نظراً للظروف غير الطبيعية السائدة آنذاك. يذكر صليبا في (المجدل ص 104) بأن برصوما رسم مطارنة وأساقفة للأبرشيات الشاغرة كراسيها، ومِنهم يوحنا الاسقف الذي أرسله الى سرخس وخرسان التي في البلاد الشرقية الداخلية. وروى خبرَ اعجوبةٍ أجراها الله على يديه عند وصوله الى سرخس. وهذا يعتبره الأب بطرس نصري (ذخيرة الأذهان1 ص493) دليلاً على ازدياد عدد المسيحيين في تلك البلاد بحيث استدعى الأمر تأسيس كُرسيِّ اسقفي هناك.

 

64 – البطريرك عبديشوع الثالث إبن المقلي 1139 – 1148م

يقول عنه ماري (المجدل ص 157) بأنَّ عبديشوع يَنتمي الى عائلة المُقلي الموصلية، فهو إبن أخي البطريرك ايليا الثاني بن المقلي. كان مطراناً على باجرمي، وبعد وفاة البطريرك برصوما الأول شغر الكُرسي البطريركي بحدود ثلاث سنوات بسبب استمرار الظروف المضطربة في البلاد، وأخيراً توجَّهت أنظار الآباء الأساقفة الى عبديشوع مطران باجرمي، ووقع اختيارهم عليه لتمتعه بحسن السيرة والعلم والفضيلة. وقد أيَّدَ الوزيرُ شرف الدين بن طراد الزينبي هذا الإختيار، بدليل ما ناله البطريرك المُنتخَب مِن الإكرام الذي لم يحظ به أحدٌ قبله، عندما أُجريت له المراسيم المُتَّبعة لدى دار الخلافة، حيث يقول عمرو (المجدل ص 105) بأن الوزير سلَّمه المرسوم الخليفي ونفحـه بهدايا كثيرة، وخرج مِن الدار راكباً فرساً في موكبٍ مهيب يتقدمُه “حسام الشرف أبو الكرم بن محمد الهاشمي”صاحب الشرطة تُرافقه جماعة مِن الأتراك والحُجَّاب. وبعـد قيام البطريرك المُنتخـَب بزيارة الأماكن الواجبةِ الزيارة تقليدياً، توَجَّهَ نحو المدائن لينال الرسامة البطريركية، وتَمَّت رسامتُه في 13 تشرين الثاني لعام 1139م وكان واضعُ اليد يوحنا مطران نصيبين المعروف بـ”إبن بصيلة” ويمُتُّ بصلةِ قربى للبطريرك الجديد إذ كان إبن عَمَّته. وبعد الرسامة انحدر البطريرك مُحاطاً بموكبٍ مِن المطارنة والأساقفة الى دير قوني لزيارة ضريح مارماري وديره.

بعد نجاح السلطان مسعود السلجوقي بخلع الخليفة الراشد، إتَّخذ إجرآتٍ حازمة وعادلة تُجاه المُسيئين ومُثيري الشغب، فعَمَّ البلادَ نوعٌ مِن السلام، وساعدَ هذا الهدوء البطريرك الجديد ليُباشرعمله، وبدأ بترميم ما أصاب دارَالروم مِن التدمير، ثمَّ قام بأعمال عمرانية اخرى. بيدَ أنَّ ماري في (المجدل ص 158) يقول عنه <كان مع ذلك مُحبّاً للمال وجمعه ومنعه من اخراجه فيما يجب عليه اخراجه فيه للفقراء والمساكين> وكانت نهاية البطريرك عبديشوع الثالث مريرة، حيث أصابَه مرضُ الفالج “الشلل” الذي أقعده عن الحركة، وظلَّ طريح الفراش لمدة شهرين ونصف، ثمَّ وافاه الأجل في 25 تشرين الثاني عام 1148م بحسب قول صليبا وماري. و دُفنَ في دارالروم بكنيسة الكُـرسي. يَقول عنه بطرس نصري (ذخيرة الأذهان ج1 ص 494) بأن عبديشوع الثالث كان هادئاً وفاضلاً حسن السيرة وعالماً، دَبَر الكُـرسيَّ البطريركي تدبيراً جَيداً.

 

يروي صاحب (تاريخ الرُّهاوي المجهول2 ص 145) مِن بين الأحداث الهامة التي جرت في المنطقة الغربية في ذلك الزمان، هو استيلاء حاكم الموصل”عماد الدين زنكي” على مدينة الرُّها لأول مرة عام 1145م وسبَّبَ هذا الحدث خيبة الأمل لدى المسيحيين، إلا أنَّ هذا المصدر يُضيف بأن معاملة زنكي للرهاويين كانت حسنة وأبدى احتراماً لمقدساتهم. ويُردفُ المصدر ذاته في (تاريخ الرُّهوي ص 159) <بأنه قـَبِلَ المسيحيين بفرح، وأخذ الإنجيل وقبَّله ، وسلَّمَ على الميطرابوليط وسأل عن صحته…> ويستطرد السيوطي (تاريخ الخلفاء ص 442) بالحديث، بأنَّ الخليفة المقتفي أستوزرَ أبا المُظفر يحيى بن هبيرة الحنبلي ولقبَ بـ”جلال الدين” والبعض يقول “عون الدين” وكان أحد أساتذة هذا الوزير الإمام “أبو منصورالجواليقي” وإن الجواليقي هذا وَجَّهَ يوماً وبحضرة المقتفي كلاماً مُهيناً لأمين الدولة إبن التلميذ النصراني، ويُستدَلُّ مِن سكوت الخليفة رضاه على الأمر.

65 – البطريرك ايشوعياب الخامس البلدي 1149 – 1175م

يقول عنه صليبا في (المجدل ص 106 – 107) بأنَّه كان بلداويَّ المولد أي مِن أبناء بلد “اسكي موصل” ويدعوه ماري في (المجدل ص 158) بـ”إبن الحائك”، ويُضيفان كما يؤيدهما إبن العبري في (التاريخ الكنسي ج2 ص 330) بأنَّه كان اسقفاً على الجزيرة وبازبدي أو “بيث زبداي” الواقعة الى الشمال الغربي مِن الجزيرة على مسافة خمس ساعات. توجَّهت أنظارُ الآباء الأساقفة بعد فترةٍ غير طويلة نسبياً مِن وفاة عـبديشوع الثالث بن المقلي، الى ايشوعياب اسقف الجزيرة وبازبدي، واختاروه لرئاسة الكنيسة، وكان لمسعـى أبي مَنصور بن الكاتب أحد الأطباء البغداديين تأثير في هذا الإختيار وجرت رسامتُه في الأحد الثاني مِن سابوع تقديس الكنيسة في خريف عام 1149م. عَمَّ الرخاءُ البلاد في العام الأول مِن اعتلائه الكرسي البطريركي، ثمَّ تلته سنواتٌ تفاقمت فيها الصراعاتُ بين الأمراء السلاجقة، وقد أشرنا إليها أعلاه. وبعد موت السلطان مسعود السلجوقي العنيف النزعة عام 1152م  واندحار عَمِّه السلطان سنجر، وانهماك خلفائهما بالصراع فيما بينهم، ضَعُـفَ اضطهادُهم لأصحاب المذاهب الأخري التي كانوا يعتبرونها مُعادية لمذهـبهم السني الحَنبلي، فتنفَّسَ أصحابُ المذاهب المُعتدلة التي تأثَّرت بالعلوم اليونانية وأضفت الى الإسلام مسحة ً مِن العقلانية. وفي خضمِّ هذه الصراعات العنيفة كان المسيحيون في مَنأى من المُضايقات، لأنَّ نسبتهم العددية كانت ضئيلة نسبياً، ولا تُشكِّل خطراً لا على الصعيد السياسي ولا الديني، بالإضافة الى انحسار قوَّتهم العِلمية، وما عاد لهم ذلك العدد الكبير مِن العلماء الذين كانوا يتباهون بدينهم، فقد قَلَّ عددُهم واقتصرعلى بعض الأطباء والأمناء الذين انخفض تأثيرُهم.

 

28 – الخليفة المُستنجد بالله 1160- 1170م

يقول إبن الكازرني (مختصر الدول ص233) والسيوطي (تاريخ الخلفاء ص 442) بأنَّه أبو المُظفر يوسف بن المُقتفي لأمرالله المُلقب بـ”المستنجد بالله” كانت أمُّه كُرجية (رومية) واسمها طاووس. نودي به خليفة يوم وفاة والده وهو آنذاك في السابعة والثلاثين مِن عمره. يقول إبن الأثير (الكامل في التاريخ11 ص 257، وابن العبري تاريخ مختصر الدول ص 367) تَعَرَّض لمكيدةِ اغتيال في يوم مُبايعته ذاته، دَبَّرتها إحدى زوجات والده تركية الأصل، سعياً مِنها لتولّي ابنها الخلافة، بيد أنَّ الخليفة الجديد وحسب قول السيوطي (تاريخ الخلفاء ص 443) اكتشف المؤامرة وانتقمَ مِن مُدَبِّريها بإنزاله العقاب الصارم بهم. إتَّصف المُستنجد بالرفق والعدل وبالشِدَّة على العابثين والمُفسدين، قَللَ المكوس بنسبةٍ كبيرة بحيث جعل العراق خالياً مِن المَكس. كان ثاقبَ الذهن شاعراً بديعَ النظم ولا زال بعض شعره يُرَدَّد حتى يومنا هذا وقد غنّى مِنه المُطرب العراقي الشهير ناظم الغزالي:

 

عَـيَّرتني بالشـيبِ وهو وقارُ            لـَيـتـها عَـيـَّرتْ  بـما هو عـارُ

إن تكُن شابَت الذوائبُ مِني             فالـلـيــالــي تـزيــنها الأقـمارُ

           

ومِن قصيدةٍ في البخل

وبـاخـل ٍ أشــعــلَ  في بـيـتـِه       تَكـرُمـة ً مِـنه  لـنا  شَمــعــــهْ             

جَـرَت مِن عَـيـنِها دَمعــــــــة        حتى  جَـرت  مِن عـينِه  دَمعة ْ

 

لم يبرُز المسيحيون في عهد المستنجد، فقد ورد ذِكرُ شاعر مسيحي في واسط  يُدعى الرئيس أبو الغالب عيسى بن باباي. وكان طبيبَ المستنجد إبنُ صفية المسيحي، وقد تضاربت الرواياتُ بصدد موت الخليفة المستنجد.

 

66 – البطريرك ايليا الثالث أبو حليم 1176 – 1190م

يقول المؤرخان إبن العبري (التاريخ الكنسي2 ص 330 و 368 – 370) وصليبا (المجدل ص 110 – 112) بأنَّ ايليا المُلقب بـ”أبي حليم” هو مِن مواليد المدينة الشهيرة في منطـقة دياربكر”ميافرقين” بحدود سنة 1108م. كان مطراناً لنصيبين، عندما وقع الإختيارُ عليه ليتولّى الرئاسة الكنسية العليا، وليست هناك معلوماتٌ تُفيد كيف جرى هذا الإختيار، كما ليس هنالك أيَّة إشارةٍ الى تدخل العلمانيين بهذا الإختيار. وأيٌّ كان الأمر فقد رُسم بطريركاً في 24/ 1/ 1176م . ويُسهبُ صليبا في وصفه في الموضع السابق ذاته بالقول <إنَّما يبدو أنَّه لم يكُن بين الآباء مِن يُماثله عِلماً وحكماً وكرماً وحُسناً وبلاغة ً وفصاحة ً> قال بطرس حداد في (مجلة بين النهرين ص 146 تاريخ 5/ 12/ 1990م) <ولدى قدوم البطريرك الجديد ايليا الثالث الى القلاية البطريركية في دارالروم، شاهدها في حالةٍ مِن الخراب تُبكي الناظرَ إليها، فباشر على الفور في إجراء الترميم لها وللكنيسة. ثمَّ بدأ برسم عددٍ مِن المطارنة والأساقفـة لأبرشـياتٍ عديدة. وما إن انتهى مِن إصلاح القـلاية والكنيسة، حتى انصرف الى تجديد كنيسة مارماري في دير قوني وغيرها مِن الكنائس والأديُرة. ويُواصل صليبا القول في (المجدل ص 111) مع أوصافه الجميلة بحُسن الخُلق والخِلقة، سخيّاً مِتلافاً للمال في عمل الخير مع الناس الضعـفاء والمساكين ومع الأشرار الذين مِن غير الدين ومع الحُكّام المتولّين، لأجل إقامة جاهِ ملكِ النصارى أجمعـين، ومع ذلك كان مرتاضاً بالعلوم النحوية واللغوية والكلدانية والعربية والعلوم الحكمية>.

وقد أورد عبديشوع الصوباوي في (فهرس المؤلفين/ ترجمة الأب يوسف حبي ص 232 – 233 وحاشية المترجم 192) بإيجاز حيث يقول: <عمل… تراجم ورسائل، وأصلح وعـمل “صلوات المجالس والصباح ܨܠܘܬܐ ܕܡܘܬܒܐ ܘܕܩܠܐ ܕܫܗܪܐ” واقتصرت كتاباته باللغة الكلدانية على صلواتٍ تُتلى في الطقس الكلداني قبل صلاة الصبح، يتحلَّق فيها خياله الواسع، وتتخلَلها ألفاظ وتعابير يونانية>. أما كتاباتُه الأخرى فكانت معظمُها باللغة العربية.ويقول المؤرخ صليبا (المجدل ص 111 – 112) مُضيفاً: <بأن مارايليا الثالث عمل كُـتُباً كثيرة، مِن جملتها  كتاب تراجم الأعياد المارانية والتذكارين أي”التذكارات”. وقد طُبِع هذا الكتاب في الموصل عام 1873م. وعـمل مواعظ كثيرة، وكتاب الصلوات “الحليميات” ورسائل كثيرة  في إثبات الأمانة والإعتقاد وصحة دين النصرانية، بالإضافة الى خُطَبٍ جنائزية>. ونقتبس بتصرُّفٍ واختصار مما قاله بطرس نصري في (ذخيرة الأذهان ج1 ص 496 -497) <كان البطريرك ايليا الثالث أبو حليم أديباً باللغة العربية والكلدانية وأكبر دليل على ذلك مؤلفاتُه التي أحتوَت على تراجم الأعياد المارانية والتعازي، ويُقال بأن مسيحيي الموصل الكلدان كانوا يُقيمون التعازي في محلة مسكنتة الكـلدانية، وكان يَحضر أحد الكهنة ليَقرأ فصلاً أو أكثر مِن كتابات البطريرك ايليا الثالث أبي حليم الثرية بالبلاغة. ويُخبرنا صليبا أنَّ هذا البطريرك العظيم أخذ يًرثي نفسَه قبَيل موته. ومِن ضمن ذلك الرثاء البيتان التاليان:

 

أروني  مَن  يقومُ  مَـقـامــــي             إذا  ما  الأَمرُ  جَلَّ  عَـن  الخِطـاب ِ

ومَن تسـتصرخون إذا حثيتـم              بـأَنـمـُلِكـُم  عَـلــيَّ  مِــن  الـتـراب ِ

 

وافى الأجلُ البطريرك ايليا الثالث في الثاني عشر مِن نيسان عام 1190م وصُلِّيَ عليه في الجمعة الثالثة مِن سابوع القيامة. دُفنَ في الباصلوث ببيعة سوق الثلاثاء ، بجوار قبر البطريرك ايشوعياب الخامس. والى الجزء الثاني والعشرين قريباً.

 

الشماس د. كوركيس مردو

في 19/4/2015

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *