وماذا بعد تدمير الموصل ؟


غسان حبيب الصفار
غسان حبيب الصفار
 
 

سؤال مر في خاطري .. وأنا أتابع اللقطات المصورة لشريط أخباري عن عمليات تحرير الموصل ! ويا للأسف .. ويا لفظاعة المشهد .. ولا ندري بالضبط إن كان تحرير أم تدمير !!

 

الموصل ، تلك المدينة الرائعة .. بتاريخها العريق وإرثها الثقافي والحضاري وتنوعها الجميل .. بتفاصيله الدقيقة من أحياء سكنية وأسواق ومعابد ومزارات دينية .. لا تقدر قيمتها التاريخية بثمن ولا تعوض بكنوز ! لقدمها وعراقتها ..

 

نينوى .. تلك العاصمة التاريخية لواحدة من أعظم حضارات التاريخ .. عاصمة آشور ، الأمبراطورية التي مازالت شواخص حضارتها وإبداعاتها شامخة إلى يومنا هذا تتحدى الزمن بأسرارها وكنوزها وعظمتها .

 

 

أم الربيعين  .. فسيفساء الطوائف المختلفة التي عاشت فيها لقرون , وما أنتجته من إمتزاج للثقافة والتراث البديعين وما كان لها من تأثير في التاريخ الحضاري للمنطقة ككل , والشواهد على ذلك كثيرة .. والكثير منا قد عايش ورأى هذا بأم العين .

 

الموصل بموقعها الجغرافي المهم .. وإسمها يدل على ذلك إذ كانت همزة الوصل للطرق التجارية بين الكثير من المناطق والمدن ولقرون عديدة .. كذلك سهولها الفسيحة الممتدة مع النظر .. والمنتجة للكثير من المحاصيل .

 

الإرث التاريخي العريق .. والموقع الجغرافي المهم .. وإمتزاج الثقافات والكثير من الصفات الأخرى .. تلك هي الموصل ..

 

لأهداف معينة وأجندات مختلفة ومعقدة .. دولية أو إقليمية وغيرها .. تم تسليم الموصل لا بل إسقاطها بأيدي فئات ضالة لا تمت للإنسانية بصلة ولا يردعها دين أو ضمير ، والله اعلم ماذا كانت النوايا والأهداف لهذه الجريمة النكراء .. حيث شُرد الآلاف وقتل الآلاف وعانت آلاف أخرى الظلم والقهر وإنتهاك الحقوق وجرائم يندى لها جبين الإنسانية ويهتز لها ضمير كل من له ضمير .

 

تدمير بكل ما في الكلمة من معنى , ليس البنى التحتية فقط , وليس المباني والخدمات .. أو الطرق والجسور بل تدمير لتاريخ طويل وقرون عديدة وإرث حضاري .. وثقافة نادراً ما نرى لهما مثيلاً في المنطقة ككل ، تدمير ومحو لهوية عريقة لأمة كاملة ولأقوام توالت على هذه الأرض ، أنتجت وأبدعت وأضاف كل منها ما أضاف لتمسي هذه الحضارة على ما كانت علية من عظمة وإفتخار .

 

نعم .. تدمير وبوحشية وقسوة .. تدمير وتدنيس وإنتهاك قل مثيله !

تعددت الأسباب .. وإختلفت النوايا ! لإحتلال الموصل وتدميرها .. وبعد كل ما حدث .. وبعد كل ما كان ، جاء التحرير !

 

أتراه تحريراً ؟ أم تدمير !

 

برأي البسيط والمتواضع لن يكون التحرير سوى تدمير آخر ، ومن نوع مختلف ، بعد أن عاث الظلاميون الفساد في هذه المدينة ولم يتركوا شبرا ً إلا ودنسوه .. وأحرقوا الأخضر واليابس وإعتدوا وإنتهكوا وتجاوزوا بكل الطرق حدود الضمير والدين والأخلاق .. ولن يكون من السهل طردهم أو تخليص المدينة من شرورهم ..

 

ماذا كانت الأهداف ؟ ومن كان وراءها ؟ ومن المستفيد ؟ الله اعلم وله المشتكى .

 

التحرير وبعد كل هذا لن يكون سهلا ً ، بل سيكون تدميرا ً آخر وستدفع المدينة فاتورته الباهضة ، سكانها ، مبانيها ، تاريخها وكل شيء ٍ فيها .. تحرير .. تدمير .. سمه ما شئت ففي نهاية المطاف .. النتائج كارثية بكل المقاييس !

 

السؤال المهم هنا هو : كم سيستمر ذلك ؟ وكم سيكلف من ضحايا ؟ وكم سيأخذ من وقت ؟ مئات الأسئلة تخطر على البال وللأسف .. سوف لن تلقى أي إجابة !

 

تحرير بمعنى التدمير .. وتدمير بهدف التحرير !! إذ قد إختلط الحابل بالنابل .. والنتيجة واحدة لا غير .. مدينة مشوهة ، ومدمرة وفاقدة لكل المعالم .. وسكان مشردون ولاجئون ومعاناة لا حدود لها ومصائب ونكبات لا تعد ولا تحصى .. وإلى متى ؟

 

هذا ما سيكون بعد التحرير !

 

ماذا سيتبقى من المدينة ؟ وماذا عن السكان ؟ وماذا عن الضحايا ؟ وماذا عن البناء والإعمار والخدمات ؟ وماذا عن آثار كل ذلك ؟ وماذا ؟ وماذا ؟ ووووو ماذا ؟

 

أو بالأحرى ماذا بعد التدمير ؟ .

 

    غسان حبيب الصفار

    10 / 3 / 2017 / كندا

عن الكاتب

غسان حبيب الصفار
عدد المقالات : 54

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى