ولادة جديدة للعراق ام جولة جديدة من القتال ؟!!


يوحنا بيداويذ
يوحنا بيداويذ

ملبورن استراليا
23 شباط 2011

 يصاب الانسان احياناً بالعجب والحيرة حينما يرى ظواهر غير مألوفة في الطبيعة، فيَعدها من العجائب وان كان الناس لم تعُد تـُؤمن بها، فحينما كتب عالم الرياضيات والفيزياء الالماني البيرت اينشتاين النظرية النسبية سنة 1905 قلب قوانين علم الفيزياء رأساً على عقب بولادة البعد الرابع (الزمن) في جميع العلوم ، فأصاب العلماء الكلاسيكيون (1)   بالدهشة والخيبة ، لانهم كانوا يعتقدون لحينها، انهم اكتشفوا كل شيء في الكون ولم يبقى إلا النـُزر القليلة .

اعتقد هناك القليل منا مَن لا تصابه الدهشة حينما يعيد مسلسل الاحداث التي هزت العالم العربي خلال شهر الماضي بهذه السرعة، بينما إنتظر ابائنا اربعة او خمسة عقود لم يروا اي تغير يحدث بالحاكم او بطانته.
لقد هب نسيم التغير مرة اخرى على شعوب المنطقة بعد حوالي مئة عام  تقريباً(2) منذ مروره الدامي خلال الحرب العالمية الاولى.

 على الرغم من ان كل العراقيين، كانوا يتوقعون  كان يجب ان يحصل التغير قبل تسع سنوات من بعد سقوط نظام صدام حسين، بسبب تجربتهم الطويلة مع المعاناة والاضطهادات والحروب والجوع الحصار والهروب التي ذاقوها خلال ثلاثة عقود ونيف، الا ان اعدائهم واعداء الانسانية بثوا روح الطائفية و التفرقة والعنصرية القومية والدينية والمذهبية ، امراض المجتمعات القديمة في المجتمع العراقي من دون درايته، لهذا اعوج مفهوم الديمقراطية عندهم بعد ان ألبسوه ثوب الدين عوضا عن القومية العربية في نظام صدام حسين ، لهذا مَر المجتمع العراقي في اشد فصل من تاريخه من الظلام، حيث حدثت مجازر وقتل متعمد وانتقام المباشر بين الجميع ، الابادة الجماعية  للمسيحيين (وهولي كوست)  وبقية الاقليات الصغيرة كانت احداها،  لم يرى العراقيون  مثل هذه الظروف لا في زمن الحجاج إبن يوسف الثقفي ولا في زمن شاهبور الفارسي السفاح ولا في زمن هولاكو.

قالها الفيلسوف الاغريقي هيرقليدس  قبل 25 قرنا ( لا تستطيع ان تضع رجلك في النهر مرتين) حينما كان يصف حالة او طبيعة الوجود في نظريته  الفلسفية ( اللااستقرارية في الكون) اي لا يوجد شيء ثابت حتى برهة واحدة فكل شيء في صيرورة التغير . وعلى هذا المبدأ وضع  الفيلسوف الالماني الكبير هيجل جدليته ( الديالكتيكية) ومنه اشتق الفيلسوف كارل ماركس نظريته الاقتصادية ( الاشتراكية).  حيث ان الصراع بين الطبقات يؤدي في النهاية الى زوالها، بعد ان يعي العامل حقوقه ويستمر المطالبة بها و من ثم يقوم بواجبه في الاتمام.

ما تركني ان اذكرهذه ألاسماء الكبيرة في تاريخ  مسيرة المعرفة الانسانية، هو ان التغير بالحق هو القانون الاول في الطبيعة والانسان وجميع مخلوقات في هذا الكون، فلا شيء له ثبوت ابدا، كل شيء معرض الى تغير وزوال حتى المعرفة نفسها في التغير يوميا .
 
لهذا نظن ان وقت حصول الولادة الجديدة في العراق قد تكون حانت ، لكن نتمنى ان تحصل في هذه المرة بصورة حقيقة وجوهرية وان لاينخدع  الناس بأي نوع من المظاهر او العلل والمسببات وان لا تسرق منهم مثلما يحدث في مصر الأن بحيث أصبح القرضاوي متحدث بأسم ثورة الشباب. وان حصلت نتمنى أن تحصل بأقل الخسائر، فهي حلمنا واملنا الكبير والطويل منذ زمن بعيد ، لا سيما للعراقيين القدماء (3) التاريخ المشرف بين الامم والحضارات كما نوهنا في مناسبات اخرى. لعل سائل ما يسأل ماذا تعني بالولادة الجديدة(4)
الولادة الجديدة يعني:-
1- ولادة نظام سياسي جديد في العراق، يكون في درجة من النضج والمعرفة الموضوعية، يستطيع ان يُزيل من قاموسه ( دستوره) اي تميِِِِّز بين العراقيين وحتى ولو كان بقدر شعرة واحدة، وان يكون هناك مفهوم الوطن الواحد للجميع، وعلى الجميع نفس الواجبات كما هي في الدول المتقدمة بدون تميِّز بين اللون او الجنس او العمر او القومية او الدين او المذهب او الشكل….ألخ.

2- ولادة روح الانسان المتعالي كما يقول نيتشه، يستطيع ان يقبل الاخر مهما كانت درجة الاختلاف معه، ويعيش معه في السلم والهدوء، و يُحرم القتل مهما كان السبب حتى وان كان مشرعاً في بعض الاديان، هذا لا يعني قبول اخطائه او افكاره الخاطئة وانما قبوله كإنسان له حق في الوجود، ليس من حق شخص اخر يأخذه منه. ولكن اخطائه مرفوضة ومعرضة العلاج بحسب القانون العام الذي يشمل كل المواطنيين معا الذي هو الدستور.

3-ولادة شعور جديد بعيد من التعصب القومي الغريزي الذي ورثناه من طبيعتنا الحيوانية المتوارثة والتعصب الديني الذي كان موجود في جميع الديانات التي ظهرت في التاريخ حتى اليوم، التعصب القبلي الذي هو حلقة اخرى اصغر من  حلقة الانا الكبيرة الموجودة في مفهوم القومية او الديانة الواحدة.

4-ولادة جديدة لا تحرق الماضي وتراثه وعاداته وقيمه وتجاربه التي اتت من التجارب والمحن والحروب ، ولكن  جعلها دائما كعجينة مقدسة او معدن قابل للتطويع والتشكيل الجديد، كي يحصل التغير المطلوب بإنسيابية والهدوء مع التطور الذي يحصل عند بقية الامم والشعوب.

5-ولادة جديدة بحيث تضع الذات نفسها امام المراّة  او على كرسي الاعتراف وتطلب من الموضوعية  نقد اخطائها ونواقصها وجهلها وانانيتها على تقبلها بكل رحابة الصدر.

6-ولادة جديدة تكون فيها الروح الوطنية هي الشعور الاقوى تسير في عروقنا بحيث تجعل كل واحد منا يشعر ان حريص لجيرانه وابن العراق كله مثلما حريص على بيته.

7-ولادة جديدة يكون الدين موضوع شخصي لوحده، وتحترم بقية  الاديان والمذاهب كلها  بالتساوي وبدون تمَيز ، وعدم ترك رجالها (خطبائها او رؤسائها) يستخدمونها بطرق خاطئه فيصبح  الدين مثل افيون لا يعرف الانسان ما يقوم به (5) ،الى درجة ان نقتل واحد الاخر باسم الله وكان الله عاجز عن انتصاره على اعدائه .

8-ولادة جديدة يرى كل من الجبل والسهول والوديان والاهوار والصحراء والانهر انفسهم جزءً  مكملاً واحد من الاخر، ومنهم يشكل الوطن الواحد  والشعب الواحد  وعليهم يعتمد مستقبل الاجيال.

9-ولادة جديدة تحترم العلاقات الدولية لا سيما مع الدول المجاورة ،بحسب مواثيق دولية عادلة تتفق عليها كل البشرية بدون وصاية او تدخل او ارسال مرتزقة للعمل على افشاء الفساد بين ابنائه، فتكون في نفس الوقت مستعدة لايقاف تدخلهم ونصائحهم  وان كان ذلك من المستحيل يحدث في العراق في هذه الايام ؟!

10-ولادة جديدة يتم فيها غربلة  وتصفية للقوانين و الدستور المتناقض والناقص الذي خبن حق الكثيرين على الرغم من تضحياتهم الكثيرة في سبيل العراق وترك القيم والاصول القديمة في المجتمع. وحرق كل ما لا يليق او يعيق بالولادة الجديدة  للعراق الجديد في هذا الوطن الذي تعمذ بدماء الشهداء مئات المرات.

فهل العراقيون مستعدون للولادة الجديدة  ام يفضلون جولة جديدة من القتال من الحرب الاهلية والقومية والدينية والمذهبية والاقليمة التي مرت خلال تسع سنوات الماضية.
لننتظر لنرى ما يحصل من مقولة ” ان غداً لنظاره قريب”
………………………..
1-الفيزياء الكلاسيكية هي القوانين الفيزيائية  القديمة المعمتدة على قوانين نيوتن وغاليلو وكوبنكريوس ولابلاس وديكارت وغيرهم.
2-   التغير الذي طرأ على الشرق الاوسط بعد انهيار الدولة العثمانية بعد خسارة دول المحورالمركزي ( المانيا  والدولة العثمانية والنمسا وبلغاريا )  وظهور الكيانات السياسية الحالية.
3-    العراقيون الكلدان والبابليين والاكديين والاشوريين والسومريون وغيرهم  .
4-   نعني بالولادة الجديدة ، ولادة الانسان العراقي  الجديد الذي يتسطيع يقبل اخيه الانسان الاخر مهما كانت طبيعته ويؤمن بالواقعية قبل كي شيء.
5-    اي لا يُميِّز الانسان بين الشر والخير الذي يحصل بأسم الدين احيانا والامثلة كثيرة.

عن الكاتب

عدد المقالات : 49

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى