وقفة تأمل بمناسبة انتهاء مهمتي كزائر رسولي على الكلدان في اوروبا / بقلم المطران رمزي كرمو


نادي بابل

المطران رمزي كرمو

يسرني ان اشارك القراء الكرام ببعض الافكار التي راودتني بمناسبة انتهاء مهمتي في اوربا والتي استغرقت ثلاث سنوات من 2013 الى 2016.

قبل كل شيئ اود ان اقدم الشكر والسجود لله الذي غمرني بنعمه الوافرة للقيام بهذه الرسالة المقدسة رغم ضعفي ومحدوديتي. بولس الرسول يقول: “نعمة المسيح تعمل في ضعفي”. كذلك اقدم شكري وتقديري لاخوتي الكهنة العاملين في اوربا لتعاونهم معي لأنجاز مهمتي الراعوية بصورة لائقة ومفيدة قدر الامكان، خاصة فيما يهم تحضير برنامج الزيارات وتنظيم الفعاليات المختلفة وايضا تلبيتهم لحاجاتي الضرورية كالمأكل والمشرب والمنام وبطاقات السفر والى غير ذلك. أصلي وأطلب من الرب أن يكون في عونهم ويعضدهم ليخدموا أبناء كنيستنا في القارة العجوز بفرح انجيلي وغيرة رسولية لكيما يعيدوا الى هذه القارة شبابها المسيحي وعنفوانها الروحي. خلال هذه السنوات الثلاث قمت بتسع زيارات الى جاليتنا الكلدانية الموجودة في اربعة عشر بلد من ضمنها جورجيا والتي استغرقت ثمانية عشر شهرا.
هجرة الكلدان من الوطن الام الى بلدان الاغتراب رغم اثارها السلبية على الحضور المسيحي في الشرق تدعونا الى ان نلقي عليها نظرة ايمانية أساسها كلام الله الحي وخبرة الكنيسة خلال الالفي سنة الماضية. نرى ان الهجرة ليست ظاهرة جديدة بل لها جذور بعيدة في التاريخ. الكتاب المقدس يذكرنا بأن الهجرة تحتل مكانة مهمة في تحقيق مشروع الله الخلاصي الذي بلغ ذروته بتجسد وموت وقيامة ربنا يسوع المسيح الذي هاجرمن موطنه السماوي الى عالمنا الارضي ليعمل مشيئة ابيه الازلي، أبراهيم اب المؤمنين ترك وطنه الاصلي بناء على طلب الله وذهب الى بلد غريب لكي يهيأ شعبه لمجيئ المسيح الموعود. الاضطهاد في القرون الاولى للمسيحية كان سببا في هجرة الكثير من اباء وأبناء الكنيسة المشرقية الى بلدان بعيدة حاملين الى شعوبها نور الايمان وفرح الانجيل. لنصل ونطلب من الروح القدس لكيما تكون هجرة أبناء كنيستنا الكلدانية الى بلدان الغرب وسيلة للتبشير واعطاء الشهادة لشعوب فقدت الى حد كبير روحها المسيحية بسبب الثقافة المادية والمعادية للقيم المسيحية التي هيمنت عليها.

اما الفكرة الاخرى التي خطرت ببالي هي اعطاء اهمية خاصة ومتميزة لتنمية وتنشئة الدعوات الكهنوتية والرهبانية لخدمة ابناء وبنات كنيستنا الكلدانية في المهجر لكي لا يفقدوا هويتهم المسيحية وليحافظوا على كنز الايمان المسيحي ويعملوا على نشره في المجتمعات التي يعيشون فيها. بخصوص الدعوات الكهنوتية والرهبانية ليس من الصواب والحكمة ان نعطي الاولوية للعدد والكمية. ربنا والهنا يسوع المسيح اكتفى بدعوة اثني عشر رسولا ليقوموا برسالة التبشير والشهادة في العالم بعد ان ملأهم من روحه القدوس وشدهم اليه لكي يكون هو هدفهم الوحيد. اليوم واكثر من اي وقت مضى يجب التأكيد على نوعية الكاهن واهم ميزات النوعية الكهنوتية هي السعي الى القداسة والكمال الروحي. علما ان هذه الميزة الاساسية هي من متطلبات الكتاب المقدس اي انها مطلب الهي. نقرأ في سفر الاحبار الرب يقول لشعبه اسرائيل: ” كونوا لي قديسين لاني قدوس انا الرب” وفي انجيل متى يسوع يقول:” كونوا انتم كاملين كما ان اباكم السماوي هو كامل”. القداسة ليست حكرا وملكا لبعض الاشخاص الذين تعلن الكنيسة قداستهم بصورة قانونية. ان القديسين المجهولي الهوية هم أكثر بكثير من الذين اعلنت هويتهم وأسماءهم. يجب ان لا ننسى بأن القداسة ليست من الكماليات بل هي من اولى الضروريات لكل مسيحي اسقفا كان ام كاهنا ام علمانيا. الويل للذي لا يسعى من اجل البلوغ الى القداسة. اما السلوك في طريق القداسة فأنه يتطلب الالتزام ببعض الشروط. اولها الاستماع الى كلام الله القدوس بخشوع وشوق عميقين وبصورة منتظمة. الاستماع الى كلام الله يتطلب ان نخصص وقتا كافيا لقراءة الكتاب المقدس قراءة تأملية ومعمقة لكي نكتشف على ضوءها جمال دعوتنا الكهنوتية وأهمية رسالتنا الراعوية والروحية. الاستماع الى كلام الله يعني ان نعمل مثل مريم اخت مرتا. اي ان نجلس عند قدمي يسوع نسمع الى كلامه بانتباه عميق تاركين كل شيئ اخر.” مرتا مرتا انت منشغلة بأمور كثيرة والمطلوب واحد ومريم هي التي اختارته”. لنطلب من امنا مريم العذراء التى سمعت كلام الله وتأملت به في قلبها ان نقتدي بها لكي يثمر كلام الله في حياتنا. اما الشرط الثاني للسير في طريق القداسة هو الصلاة. الصلاة المسيحية تتغذى من التأمل في كلام الله الحي. الذي يصلي يشهد من كل قلبه على اولوية الله في حياته. انه يريد ان يقول للعالم:” الله يكفيني، انه خلقني من أجله لكي اعرفه واحبه واشاركه الحياة الابدية”. ان احد الاسباب الرئيسية التي تفقد نشاطات الكاهن اثرها ومفعولها على أبناء رعيته هو عدم تجذرها في الصلاة. الارض التي لا تسقى ماء تبقى قاحلة جرداء من دون ثمر هكذا الفعاليات الراعوية التي لا تسقى بماء الحياة اى الصلاة اليومية لا تعطي ثمرا. الشرط الثالث للبلوغ الى القداسة فهو الألم الرسولي اذ من دونه تفقد حياة الكاهن احدى مقوماتها الاساسية وهي التشبه بمعلمه يسوع الخادم المتألم الذي بالامه وموته على الصليب خلص البشرية من عبودية الخطيئة والموت الابدي. قال يسوع:” من اراد ان يتبعني فليزهد بنفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني” وايضا قال:” اذكروا الكلام الذي قلته لكم: ما كان الخادم اعظم من سيده. اذا اضطهدوني فسوف يضطهدونكم “. بولس الرسول يذكرنا بأن الالم الرسولي هو ضروري للاتحاد بيسوع المسيح ولبناء الكنيسة التي هي جسده السري. في رسالته الى اهل قولسي يقول:” يسرني الان ما اعاني من اجلكم فأتم في جسدي ما ينقص من شدائد المسيح في سبيل جسده الذي هو الكنيسة”. يوجد علاقة حية بين الالم الرسولي والبلوغ الى القداسة والكمال الروحي لان الالم يشكل العلامة البارزة للمحبة الصادقة والحقيقية والتي يجب ان تكون المحرك الدائم لكافة نشاطاتنا وفعالياتنا الراعوية والروحية. ما أجمل الكاهن الذي يتألم من أجل ان يكشف للعالم سر الله الذي هو محبة.

شهدت هذه السنوات الثلاث بعض العلامات التي تدعو الى الامل والرجاء بالنسبة لمستقبل جاليتنا الكلدانية في اوربا. اذ تم منح سر الكهنوت المقدس لثلاثة من أبناءها ليقوموا بالخدمة الروحية والراعوية في كل من فرنسا والمانيا واليونان كذلك اقتبل خمسة من أبناءها درجة الشماسية الانجيلية اربعة منهم في الدانمارك وواحد في المانيا كما اقتبل عدد غير قليل من الشباب في مختلف الدول بركة الشماسية الرسائلية والقارئية للقيام بخدمة المذبح والمساهمة في مختلف النشاطات الراعوية والتربوية ويوجد ثلاث شباب يتابعون ىراستهم اللاهوتية استعدادا للكهنوت في كل من هولندا وبلجيكا وفرنسا. والعلامة الاخرى هي تعيين زائر رسولي جديد لاوربا في شخص سيادة المطران سعد سيروب الجزيل الاحترام والذي اتمنى له من كل قلبي كل النجاح والتوفيق في رسالته المقدسة الجديدة والتي لا تخلو من الم الصليب وفرح القيامة. هذه الخبرة عاشها بولس الرسول في زياراته الرسولية المتعددة للجماعات المسيحية اذ يقول في رسالته الثانية الى أهل قورنتس: ” فكما تفيض علينا الام المسيح فكذلك بالمسيح يفيض فرحنا ايضا”.

في الختام أرجو من الذين يقرأون هذه الاسطر ان يصلوا من أجلي كي اعيش ما تبقى لي من الحياة الزمنية والارضية بالايمان والرجاء والمحبة وشهادة الحياة اليومية. مع الشكر والاتحاد بالصلاة.

المطران رمزي كرمو
طهران 29/12/2016

عن الكاتب

عدد المقالات : 7494

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى