وداعاً دكتور حكمت .. الرفيق والصديق العزيز ، ويا حسافة .. / بقلم : محمد البندر


نادي بابل

يالها من صدمة كبيرة حين علمت برحيل الدكتور حكمت حكيم ، فقد كان الرحيل مبكراً جداً ومؤلماً وقاسياً لي ولكل من عرفه عن قرب وعمل معه سواءً في العمل الحزبي والديمقراطي والإنصاري والجامعي الأكاديمي. وبمناسبة هذا المصاب الأليم لابد لي من كتابة بعض السطور عن هذا الإنسان الخلوق والمبدئي والشريف والشجاع ، رغم إن آخر مرة التقيته فيها كانت عام 1978 في جامعة موسكو حين استضافني ليلة في غرفته قبيل سفري إلى الكويت ، وكانت ليلة طويلة ومليئة بالعتاب والمرارة والنبيذ والغناء ، وكان رحمه الله يجيد أداء أغنية طالب القرغولي المشهورة “جذاب .. دولبني الوكت بمحبتك جذاب”.
يعود تعرفي على المرحوم حكمت حكيم إلى فترات مبكرة من حياة الشباب في البصرة عندما قَدم حكمت من بغداد ليدرس في كلية الحقوق في جامعة البصرة في التنومة آنذاك ، وبالضبط في تلك الأعوام التي رافقت الإنشقاق الذي حصل في الحزب الشيوعي العراقي عام 1967 ، في تلك الفترة الحساسة والحرجة من حياة الحزب ، حيث كانت النضالات الطلابية والجماهيرية ضد نظام عارف – يحي في ذروتها ، وقد فاز إتحاد الطلبة العام بالإنتخابات الطلابية فوزاً ساحقاً في كل جامعات العراق بما فيها جامعة البصرة ، فلم يكن له من منافس ، رغم دعم السلطة وعمادات الكليات  للقوميين والبعثيين الكامل إلا أنهم لم يحصدوا سوى الريح ! وكان التنظيمات الطلابية للحزب هي راس حربة هذه النضالات ، وتعرضت التنظيمات الطلابية ، وخصوصاً إتحاد الطلبة العام إلى التبعثر بعد إنتقال الكثير من الأعضاء والمؤازرين إلى صفوف القيادة المركزية ، وكان الإتحاد والحزب يبذل جهوداً حثيثة من أجل إعادة تنظيم الحزب والإتحاد ، وكنت في وقتها لم أزل طالباً في مرحلة الثانوية ، وعضواً في إتحاد الطلبة العام ومسؤولاً عن التنظيم الطلابي في ثانوية العشار وكانت لنا صلة مع الثانوية المركزية التي تتقاسم واياها نفس البناية معنا  ، وكانت مهماتنا صعبة ومتشعبة وتتلخص في إعادة التنظيم وتنشيطه وكسب الأعضاء والأصدقاء في خط  الثانويات وحتى المتوسطات ، وكنا بحاجة إلى الدعم والصلة من الرفاق الأكبر سناً وتجربة من جامعة البصرة ، فتم انتداب المرحوم حكمت للعمل و التنسيق مع خط الثانويات التي كان تضم أعداداً كبيرة من المؤازرين لإتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية ، وهكذا كان أول لقاء لي مع المرحوم في إحد الأمكنة التي نستخدمها للإتصالات السرية بعيداً عن أعين الأمن ، وقد بدا شاباً نحيفاً طويل القامة يحمل بعض ملامح الشبه بالممثل الأمريكي أنطوني بيركنز الذي مثل دور صاحب الفندق الشاب في فلم سايكو ، وكان انطباعي الأول عنه هو شجاعته وعدم تكلفه وبساطته ، وروح النكتة لديه إضافة إلى روح الشجاعة الفائقة ، ولم نكن نعرف إسم بعضينا ولا مكان سكننا حسبما تقتضيه تقاليد الصيانة الحزبية ، لكني حدست من لكنته بأنه ليس بصراوياً ، كما لم يكن كردياً ، واقتنعت بأنه مصلاوي ، وتوالت لقاءاتنا ، ولم يطل الأمر كثيراً حتى عرفت إسمه الصريح وعرف إسمي ومكان سكني . وكان هناك الكثير من المهمات التي يجب ان تُنجز فتكررت لقاءاتنا ، وكنت أجلب معي رفاقاً آخرين سرعان ما يتعرفون عليه ويحبونه لبساطته وشجاعته وعدم تكلفه ، وكان لا يميل إلى الصرامة الحزبية والتنظيمية والمركزية في علاقاتنا بل يلجأ إلى المرح والدعابة في كثير من الأجيان ، وذلك لإحساسه بأننا نحبه ونوده ، ونقدر روح الشجاعة لديه ، ولم تكن لديه نزعة تسلطية أو كاريزما حزبية ، فكان يعاملنا نحن الشباب والقليلي التجربة ببساطة كزملاء ورفاق بلا عقد نفسية تسلطية مسبقة كما يفعلها غيره من القياديين الحزبيين، وكنا لا نشك بأن الرفيق حكمت لابد يكون يحتل موقعاً حزبياً مرموقاً نظراً لأقدميته وخبرته وشجاعته ، لكننا كنا مخطئين في ذلك ، فحين انعقد أول كونفرس طلابي سري عام 1967 وحضره الرفيق دُهشنا جداً لعدم وجود إسمه بين أسماء المرشحين للجنة التنفيذية الجديدة الذين لم يكونوا على شئ من قدرات الرفيق التنظيمية والفكرية وسمعته الكبيرة ، فكانت تلك إرادة قيادة محلية البصرة ، أو بعض أعضائها ألا يكون الرفيق حكمت في موقع القيادة ، رغم أن المسألة تتعلق بمنظمة ديمقراطية كاتحاد الطلبة العام التي يتألف غالبية أعضائها من شباب مندفعين ليسوا أعضاء في الحزب بعد ، وكان من المفروض أن يلجأوا إلى أسلوب الترشيح  المفتوح ، بدلاً من الإختيار المسبق حسب مبدأ الولاء الحزبي.
وكان الرفيق الشهيد محمد جواد البطاط ( أبو زيتون ،أعدم عام 1984) هو حلقة الوصل بين الإتحاد وبين محلية البصرة ، وقد أخبرني في أحد لقاءاتنا عام 1968 أو 1969 بأن الحزب إختارني لأكون عضواً في اللجنة الطلابية الحزبية الجديدة مع عدد آخر من الرفاق ، فكانت سعادتي لا توصف بهذا الخبر- الترقية ، وكذلك اشعر بأنني من المؤكد سوف أشارك في عضوية هذه اللجنة جنباً إلى جنب الرفيق حكمت ، لكن حين التأم شمل اللجنة اكتشفت بأنني على خطأ أيضاً ، فلم يكن الرفيق حكمت بين أعضاء اللجنة التي ضمتني وكلاً من الرفاق نزار جعفر والشهيد محمد فؤآد هادي ( أستشهد في بشتآشان) ونعمان السعدون ( وليعذرني هؤلاء الأخوان والرفاق لذكر أسمائهم الصريحة فقد يستاؤوا من ذلك لكني أفعل ذلك إكراماً لروح الفقيد) ، وكان الرفيق أبو زيتون عضو مكتب محلية البصرة هو مسؤول اللجنة ، وكان ذلك تعبيراً عن الأهمية الإستثنائية التي توليها محلية البصرة لعمل اللجنة الطلابية ودورها في النضال الجماهيري ، وبعد أن تم جرد الملاكات الحزبية وغير الحزبية في اللجنة إتضح أن الرفيق حكمت كان عضواً بمستوى قضاء ، وعضواً في اللجنة الحزبية للجامعة ، وكانت درجاتنا الحزبية أقل منه!  فكان ذلك بالنسبة لي لغزاً ، فالرفيق حكمت كان يدرس في نفس الكلية التي يدرس فيها محمد فؤاد هادي ،الشاب الجم النشاط والحيوية والأخلاص للحزب، وكذلك بطل الجامعة في الملاكمة في وزن الخفيف، بل وأشيع لاحقاً بأن الرفيق حكمت هو من رشح الرفيقين محمد فؤآد ونزار جعفر للحزب! ، ولم نكن جميعاً بخبرة الرفيق حكمت ، ولا بتاريخه ، حيث عرفنا بأنه كان من نزلاء معتقل قصر النهاية الرهيب عام 1963 أيام الحرس القومي، وكان الرفيق اصغر المعتقلين سناً فيه. وبمرور الوقت بدأت تتكشف لدي بعض الحقائق بأن ” فصال” الرفيق لم يكن يُرض أذواق بعض الرفاق القياديين في محلية البصرة ، ربما لصراحته ، وعدم مجاملته التي اعتبرت بمثابة دلالة عدم الولاء لهذا وذاك من القياديين الحزبيين. ورغم إني أصبحت عضواً في اللجنة الطلابية إلا إنني كنت أنظر للرفيق حكمت نظرة أخ ورفيق أكبر سناً وتجربة ، ولم تعطني هذه الدرجة الحزبية أي شعور بالإستعلاء عليه لأنني أشعر في داخلي بأنه أكفأ مني وأطول تاريخاً بالحزب. ولابد لي في هذه العجالة أن أتعرض إلى أبرز خصال الرفيق حكمت ألا وهي شجاعته غير العادية ، ومثال ذلك  كانت المظاهرة التي نظمها الحزب الشيوعي العراقي في صيف عام 1968 قبل وصول حزب البعث إلى الحكم ، وكان معظم المشاركين فيها من الشيوعيين الطلبة وأصدقائهم وخصوصاً من الثانويات التي أنطلقت من مركز المدينة في شارع الوطني بقيادة رئيس إتحاد الطلبة آنذاك أحمد تقي القادم من النجف وحكمت حكيم وغيرهما من القادة الطلابيين ، وهم يقودون المظاهرة سواء بإطلاق الشعارات والهتافات ضد النظام العارفي أوتنظيم سيرها ووجهتها التي بدأت صغيرة الحجم لكنها شقت طريقها نحو مركز المحافظة ، فعبرت جسر المغايز ، ودخلت الى السوق وبدأت الجماهير تنضم إليها غير عابئة بالشرطة والأمن الذين غصت بهم الشوارع الفرعية ، وكان أحمد تقي وحكمت حكيم قادة المظاهرة اللامعين يطلقون الهتافات الممجدة بنضالات الشعب العراقي والحزب وإتحاد الطلبة العام وبسقوط نظام عارف غير عابئين بالشرطة الذين يرافقون المظاهرة منذ انطلاقتها بسياراتهم المسلحة بالرشاشات لكنهم لم يطلقوا النار على المتظاهرين ، وكان ذلك سلوكاً غير معهود منهم ، وبدوا وكأنهم يحمون المظاهرة بدلاً من يفرقوها! وكنا متهئين للإعتقال والمبيت في مراكز الشرطة والأمن وقد لبسنا البيجامات تحت البنطلونات والقمصان! وما أن وصلنا إلى نهاية السوق قريباً من ساحة أم البروم ، حتى صعد أحمد تقي نفسه على أكتاف المظاهرين وطلب من الجميع التفرق! وقد عرفنا فيما بعد أن الشرطة كانت متهيأة في ساحة أم البروم للقبض على أكبر عدد من المتظاهرين هناك ، فسرعان ما أنزلت الشعارات وتفرقت المظاهرون كالأشباح واختفوا في درابين محلتنا العزيزة محلة البجاري القديمة، قلعة الحزب وصانعة الأبطال ، عبر سطوح بيوتها القديمة قافزين من سطح إلى سطح ، وكانت العوائل تفتح أبوابها للمتظاهرين وتخفيهم كي لا يقعوا في أيدي الأمن. ومرت المظاهرة بسلام ولم يتمكن الأمن من إعتقال أحد ، وكان جل تفكيرنا بحكمت حكيم وأحمد تقي فهما ليسا من البصرة ، ولا من العشار حتى يعرفا جغرافية درابينها المعقدة ، فكنا قلقين عليهم جداً ، لكننا صُعقنا عندما عرفنا بأنهما عادا راجعين إلى مركز المدينة ، وإلى نفس مكان إنطلاق المظاهرة ، لا بل دخلا أحد المطاعم في سوق حنا الشيخ الصغير وطلبا عشاءاً هناك ، وكان صاحب المطعم قد عرفهما ، وكان يتعاطف مع الشيوعيين ، وأبى أن يأخذ منهما نقوداً ! فكان بذلك تصرفاً بطولياً وتحدياً كبيراً للسلطة.  
ورغم ظروف الإجحاف الصعبة التي عاشها الرفيق داخل الحزب إلا أن ذلك لم بفت في عضده ، ولم ينل من عزيمته وحبه للحزب ، ولم تجعله يفقد روح النكتة والظرافة والمرح التي لم تفارقه ، وكنا نمازحه أحياناً ، ونوجه له ملاحظات شخصية ، وكان حليق الشارب دائماً فكنا نسأله مداعبة لماذا لايطلق شارباً فيجيب بأنه كان يحمل شارباً لكنه تخلى عنه بعد إعتقاله في قصر النهاية لأن الحرس القومي نتفه له! وأتذكر أحد المواقف المضحكة التي مر بها الرفيق ، وهو أنه كـُلف ذات مرة باستلام أحد الرفاق الجدد الذي لم يكن يعرفه ، فكان موعد الإستلام  في مكان وموعد محددين يُعطى للأثنين مع كلمة سر ، وكان المكان هو مستشفى السعدي الكبير في العشار، عند الدوار أو الفلكة القريبة منه ، وكان عليه يقف عند سياج الفلكة ماسكاً جريدة ، أو واضعاً يده في جيبه وينتظر الرفيق الآخر الذي سوف يسأله : رجاءً وين مستشفى السعدي فيجيبه الرفيق : بالزبير ! وكان إن جاء الرفيق حكمت قبل الموعد وبدأ ينتظر لكن الرفيق الآخر لم يأتِ ، أو تأخر قليلاً فأصابه الملل ، فغرق في لجة من أفكاره ، وسرح بعيداً ، وفجأة يوقظه من شروده صوت شخص يسأله:  رجاءً وين مستشفى السعدي ؟ فينتبه الرفيق حكمت ليجيب على مثل هذا السؤال “الغبي”  صائحاً ، وقد نسى الموضوع تماماً : لك ماتشوفه ، موهذا المستشفى كدامك شكبره شكده! وفجأة تذكر الموضوع فرد مستدركاً : لا لا العفو ، بالزبير!
عاد الرفيق حكمت إلى بغداد بعد أكمال دراسته ، وأصبح محامياً وحقوقياً ، لكن صلاتنا لم تنقطع ، ففي عام 1970 سقط عدد من الرفاق والأصدقاء بأيدي رجال الأمن ، وراجت إشاعات عن إنهيار بعضهم بعد تعرضهم للتعذيب سواء في أمن البصرة ، أو في قصر النهاية الذي أعيد افتتاحه مجدداً على أيدي حزب البعث ، وعلى رأسهم المجرم المقبور ناظم كزار ليمارسوا هوايتهم المفضلة بتعذيب الشيوعيين والديمقراطيين ، فأمر الحزب اللجنة الطلابية وكافة تنظيماتها بمغادرة البصرة تحوطاً مع إبقاء الصلة قائمة مع البصرة ، فسافرنا إلى بغداد ، المدينة المليونية الكبيرة التي يضيع فيها المرء بسهولة ، وهناك ألتقينا أيضاً بالرفيق حكمت حكيم ، وكانت فرصة سعيدة لأن نلتقي مجدداً بعد سنوات من العمل الحزبي الطلابي ، وقد كبرنا ، وزادت كفاءتنا التنظيمية ، ونمى وعينا السياسي والحزبي ، وأعتقد أن الرفيق حكمت قد أحب رفاق البصرة الذين تركوا فيه أثراً طيباً فدعانا الى سهرة في أبي نؤاس تخللها المسكوف والعرق الذي كان له تأثير سحري على الرفاق فجعلتهم يحنون أكثر إلى مدينتهم رغم انهم لم يفارقوها سوى لأيام معدودة ، فهناك من كان يحن لحبيبته ، وهناك من يشتاق لمحلته وعائلته ، وهناك يحن لأمه ، فقد كنا شباباً صغاراً ، ولم نخرج من الشرنقة العائلية إلا قبل قليل ، وبعد (بيكين ) من العرق أخذتني الحماسة ، ورحت أدعو إلى تغير سياسة الحزب تجاه البعث وإلى إسقاط النظام ، فلم يتمالك الرفيق حكمت أعصابه فقال لي بحزم: رفيق بالله كافي يساريات ، وبلا كفاح مسلح ترى إحنا بابو نوآس! فهناك من ضحك وهناك من ابتأس ، وشخصياً شعرت بأن تقريع الرفيق لي كان في محله.
ومثلما عشنا وعملنا سوياً في بواكير العمل الحزبي والطلابي في البصرة ، جمعتنا المقادير مرة أخرى ولكن هذه المرة في الإتحاد السوفيتي ، فكان الرفيق يدرس الدكتوراه في جامعة موسكو ، بينما درست أنا في مدينة لينينكراد – سانت بطرسبورع حالياً ، العاصمة السابقة لروسيا القيصرية. وفي موسكو أيضاً رافق النكد الرفيق حكمت في حياته الحزبية ، حيث كانت الأمور هناك ليست على مايرام ، وتخللتها الكثير من الصخب واللغط والتجريح ، وقد عجز الحزب والمنظمة الحزبية عن التأقلم مع الظروف الجديدة ، وعن ابتداع طرق وأساليب عمل تتناسب مع ظروف الخارج البعيدة غن ظروف العمل السري في العراق ، فقد كان الرفاق يعرفون بعضهم البعض جيداً سواء من خلال العمل الحزبي أو من خلال رابطة الطلبة العراقيين ، وهي جزء من إتحاد الطلبة العام ، وكان لابد من تغيير أساليب العمل المركزية الصارمة التي تلائم عمل الداخل ” نفذ ثم ناقش” السرية ، واللجوء إلى طرق أكثر انفتاحاً وشفافية في التعامل مع الخبرات والكفاءات الحزبية ، وترك أساليب التعيين المباشرة التي تتماشى مع ظروف العمل السري، واللجوء إلى اسلوب الإنتخابات قدر الأمكان ، وعدم فرض الرفاق الخاملين على المنظمات الديمقراطية لمجرد أنهم رفاق حزبيين متقدمين،  ولأنهم يحمون بيضة الحزب أكثر من غيرهم ، كما كان بُدعى.
لقد ضمت المنظمة الحزبية في موسكو المئات من الرفاق والأصدقاء بينهم الغث والسمين ، فمنهم قضى حياته في خدمة الحزب وضحى من أجله كالرفيق حكمت حكيم ، ومنهم من جاء بالواسطة لقرابته من القيادات الحزبية العليا ، ولا علاقة لهم للحزب ولا بفكره وتاريخه ، بل كانوا مصلحيين ، لكن كان هناك من يدعمهم ويحميهم ، وكانت أصواتهم مسموعة ، بينما خفتت أصوات المناضلين الحقيقيين الذين كانوا يشعرون بالحيف والظلم والإجحاف ، وشاعت أساليب المحاباة والنفاق وكتابة التقارير ، وأساليب الولائم والتقرب من القيادات العليا ، فانتشرت الفوضى التي قللت من هيبة الحزب وقدسيته واحترامه عند الرفاق ، وتسربت الإشاعات والأخبار الكاذبة عن تكتلات جانبية ونشاطات سرية تهدف إلى إضعاف الحزب وشقه، وراح الرفاق يمارسون النقد المرير للحزب خارج المنظمة الحزبية ، وليس داخلها ، ومن هذه الإنتقادات المريرة هي تغليب العامل المناطقي في اختيار أعضاء قيادة منظمة الحزب ، فلقد سادت قناعة عند الكثير من الرفاق بأن هذه القيادة اصبحت حكراً على رفاق البصرة الذين شكلوا أغلبية أعضائها ، فكان مسؤول المنظمة بصراوياً ، وهو المرحوم الدكتور خليل الجزائري وكان ذلك أحد أكبر الشروخ في حياة الحزب الداخلية التي مهدت الطريق  لحوادث أكثر جسامة حصلت في منظمة موسكو الحزبية وبلغت ذروتها إلى حد الصدام والتقاتل بين الرفاق كما حصل في احتفال المنظمة بعيد ميلاد الحزب الأربعين الذي صادف عام 1974 حيث اندلعت معارك حامية في قاعة الإحتفال الذي تحول ساحة قتال بين الرفاق ، وكان ذلك فضيحة كبرى ، وعيداً للبعثيين يرقصون عليه ، وهو أن يروا الشيوعيين يتقاتلون فيما بينهم . ومع ذلك لم تتعض المنظمة الحزبية بما حصل فراحت تصدر العقوبات الحزبية بحق من تراه ليس مطيعاً ، ونال الرفيق حكمت حكيم الشجاع والمبدئي حصته ، وخصوصاً من أولئك الرفاق الذين يعرفونه ، وجمعتهم معاً ظروف العمل الحزبي لسنوات عديدة ، وحدث وإن التقيت الرفيق حكمت اثناء مؤتمر الجمعية السنوي في موسكو عام 1975 ، وكان حكمت غير حكمت الذي عرفته إذ شرع بمهاجمتي بشدة واصفاً رفاق البصرة بأنهم مافيا حزبية ، رغم أني أكتويت من نفس النار التي اكتوى بها ، وكان متألماً جداً وخصوصاً من رفاقه القدامى الذين عملوا معه في البصرة ، وشتمهم على طريقة أهل البصرة عندما يصغرون الأسماء  فيقولون ” نزير” و”فويد ” ونعيمين” ، ويقصد بهم نزار وفوآد ونعمان  الذين كانوا أعضاء في لجنة تنظيم الإتحاد السوفيتي ، وكان نصيب هذا الرفيق الرائع هو العزل والتجميد أو سحب تنزيل الدرجة الحزبية.
ودارت بنا السنين وذهب كل منا في طريقه ، وذهب هو إلى اليمن ، وبعدها إلى كردستان ، وتوجهت إلى الجزائر ، وانتهى بنا المطاف في المنافي بعد أن تلاشت أحلامنا الرومانسية التي تختلط فيها العاطفة بالسياسة والإيديولوجيا ، وقدمنا كل ما نستطيع أن نقدمه للحزب والوطن ، وما قدمه حكمت أكبر بكثير مني ومن غيري ، لكنه في رأيي  لم يحظ بالتقدير المطلوب، فتاريخ الرفيق النصالي وشجاعته وأخلاصه وكفائته كان يمكن أن تكأفأ بوضعه على أعلى مستويات قيادات الحزب الشيوعي العراقي ، فمن كان هناك أفضل منه ؟
لكنه من جانب حصل على تقدير شعبه واحترامه ، وهذا أفضل وسام يمكن أن يفخر به حكمت غي حياته وفي مماته.. لك الخلد يا حكمت …

 

  سجل

عن الكاتب

عدد المقالات : 7516

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى