وداعاً ايها المناضل العراقي الكلداني حكمت حكيم


حبيب تومي
حبيب تومي

 

habeebtomi@yahoo.no

حكمت حكيم شخصية عراقية كلدانية معروفة تعرفت على اخباره بعد عام 2003 وكان بيننا تواصل عبر المكالمات الهاتفية قبل ان نلتقي لاول مرة في القوش حيث كان لي ندوة عن هموم شعبنا بعد 2003 وما طال هذا الشعب من مظالم وقتل وتهجير ، وحضر هو والأخ ضياء بطرس والأخ نوزاد حكيم الندوة قادمين من عنكاوا ، وبعد ذلك تعرفنا عن كثب ، ومن البداية أدركت أنني امام رجل له هيبته وله حضوره المميز وقامته منتصبة صامدة كشجرة عظيمة جذورها في الأرض قادرة على الصمود امام الرياح ولا تتمايل معها إنها تقتلع من جذرها وتسقط واقفة دون ان تنحني امام عوائد الزمن وتقلباته .
في حياتنا نحدد اسمنا وهويتنا وانتماؤنا ، ونعرف تاريخ ولادتنا بالسنة والشهر واليوم وحتى الساعة ، ونحن متأكدون ايضاً بأن النهاية والوفاة هو مصيرنا ، فالحقيقة المطلقة الوقعة والتي يؤمن بها جميع البشر ان لكل بداية نهاية هكذا هي الدنيا من الأزل الى الأبد .
ولنا علم اليقين ان الولادة وبعدها ندخل في دروب الحياة وتشعباتها التي تؤول حتماً نحو النهاية الحتمية الأبدية ، إنه الموت الذي لا مفر منه وهو القانون والعدالة الوحيدة التي تسري على الغني والفقير ، على الملك والعبد ، على الصالح والطالح ، على الضعيف والقوي ، لكن السر الدفين يكمن في تضاعيف معرفة وتحديد ذلك اليوم وتلك الساعة ، فالموت هو الزائر المتربص ، حيث لا يطرق الباب ولا يأخذ السماح للدخول ، فهو زائر ، علينا ان نتوقع حضوره في اية لحظة من حياتنا القصيرة التي تمثل لحظة من عمر الزمن .
لكن تبقى ثمة مسألة مهمة بالنسبة لنا نحن البشر وهو ماذا يورث الأنسان وراءه من التركات إن كان من العيال او الأموال او بحوث ادبية او علمية تخدم البشرية ، او ترك سمعة طيبة مع مجايليه في مجتمعه وبين اقرانه .
وأعود الى الراحل حكمت حكيم حيث بدأت تباشير الصداقة والتفاهم بيننا ، تنسج خيوط تعارفنا لتتحول الى صداقة متينة تغذيها الرؤية المشتركة لكثير من القضايا السياسية والفكرية . انا شخصياً لم افلح في التفريق بين حكمت حكيم السياسي وحكمت حكيم المثقف ، فلا شك هنالك حدود تفصل بين المفكر والسياسي ، إن كان في الرؤية او الهدف . ففي البلدان الأوروبية للمفكر دور كبير في تهيئة ارضية جلية واضحة ، وذلك عبر اجتهاده في دراسة وتحليل وتفكيك نظريات فلسفية وتجارب تاريخية وأحداث ووقائع اجتماعية وسياسية واقتصادية ، لكي يستفيد منها السياسي في محاولة الأبتعاد عن التخبط والفوضى وتكرار الأخطاء .
في ضوء ذلك استطيع الزعم بأن الراحل حكمت حكيم كان يجمع بين الأثنين السياسي والمفكر ، وليس ذلك غريباً عليه إذا دققنا خلفيته الأكاديمية سنجد اولاً انه خريج جامعة موسكو باختصاص القانون الدستوري والنظم السياسية وقد حصل على شهادة الماجستير والدكتواره (PH.D ) وعمل استاذاً جامعياً لمدة 16 عاماً ، ولديه عشرات البحوث في مجال القانون وحقوق الأنسان منشورة في المجلات العراقية والعربية بالأضافة الى مئات المقالات السياسية في المواقع الألكترونية .
وثانياً إن الراحل حكمت حكيم قد عركه الدهر وتدرب في مدرسة الحياة في سوح النضال فقد اعتقل اكثر من مرة بسبب آرائه السياسية ومعارضته للنظام البائد ، كما اشترك مع الأنصار البيشمركة في كوردستان منذ بداية الحرب العراقية الأيرانية وحتى نهاية تلك الحرب في اوخر الثمانينات من القرن الماضي حينما كانت المناطق الكردية العراقية تتعرض لحرب إبادة بلغت ذروتها بحملات «الأنفال» السيئة الصيت والتي تلتها محرقة حلبجة التي شهدت استخدام الغازات السامة ضد اناس مدنيين ابرياء يفترض انهم مواطنون عراقيون ، ويرجح ان واحداً من اسباب تدهور صحته يعود الى تأثره في تلك الحملات .
جالست الراحل حكمت حكيم وكان مفوهاً جيداً ، بليغ الكلام يتحدث لغة كلدانية بلهجة تلكيفية محببة ، ولكن اثناء الجدل والحديث السياسي ينطلق باللغة العربية ، وهو غالباً ما يطلب السماح بأن يعبر عن رأيه في نقاش سياسي محتدم بالسماح له بأن يتكلم باللسان العربي ، وهو متمكن من هذه اللغة وقوي الحجة وقد سمعته وهو جرئ وشجاع في تصريحاته وإبداء وجهة نظره الى القنوات الفضائية او وسائل الأعلام الأخرى فهو دقيق ينتقي كلماته وعبارته الرصينة المعبرة دون ان يكون ثمة اسهابات إنشائية دون مغزى ، لا اغالي إن زعمت إنه دائماً كان يحكّم عقله وفكره ومبائه في ما يقوله ويكتبه .
اجل ان حكمت حكيم كان يحمل عقيدة أممية لكن تلك العقيدة لم تشكل حائلاً دون الأخلاص للهوية الوطنية العراقية وانتمائه القومي الكلداني ، بل ان تلك العقيدة قد كرسها لتعزيز مكانة الهوية الوطنية والقومية في مجمل فكره ونضاله السياسي . وإنني لا اجانب الحقيقة إن قلت ان حكمت حكيم كان ضرباً من الصدق مع نفسه ومع الآخرين ، ولهذا وجدت حكمت حكيم لم يتشبث بعلياء المبدأية المطلقة فقد تحرك نحو تخوم النسبية ، وهكذا نألفه يتوجه الى محيطه إن كان فيما يخص الساحة العراقية الوطنية او الساحة القومية لشعبنا الكلداني المهمش في وطنه العراقي واقليم كوردستان ، وهو مؤمن بمصير شعبنا المسيحي الواحد ويؤمن بوحدة هذا الشعب بمنأى عن فكرة اقصاء الشريك او فرض الوصاية على جزءاً منه . في البداية تقرب من الحركة الديمقراطية الآشورية بعد 2003 بهدف توحيد الكلمة ، ومن ثم نجد حكمت حكيم عضواً منظماً نشيطاً في ترتيب امور المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري ، وكان له صلات واسعة مع كثير من الشخصيات العراقية إضافة الى علاقاته الودية مع القيادة الكوردية خصوصاً مع الأستاذ مسعود البارزاني .
كان حكمت حكيم صادقاً مع نفسه ومع الآخر وهو يعترف بشجاعة وشفافية بفضل من وقف الى جانبه يوم مرضه وقد أشاد برابي سركيس حين ساعده في علاجه في الأردن .
آخر مرة خابرته قد شعرت بضعفه عبر صوته الواهن وفي الصعوبة التي يعاني منها وهو يتحدث معي وحاولت ان انهي المكالمة لأني شعرت بأنني احمله عناء وتعب في هذه المكالمة ، وطلبت منه ان يحاول السفر بالسرعة الممكنة الى عائلته في امريكا لتكون الى جانبه وهو في اشد حالات مرضه .
نحن في الأتحاد العالمي للكتاب والأدباء الكلدان قد فقدنا عضواً مثابراً نشيطاً في اتحادنا ، وخسرته القوى الكلدانية وكان خسارة للقوى العلمانية العراقية ، وخسارة للوطن العراقي واقليم كوردستان . إننا نقدم لعائلته الكريمة تعازينا القلبية ونسأل الرب ان يلهمهم نعمة الصبر والسلوان وان يتغمد المرحوم حكمت حكيم بواسع رحمته وفسيح جناته . وستبقى ذكراه في قلوبنا .
حبيب تومي / اوسلو في 26 / 06 / 10

 

 

عن الكاتب

حبيب تومي
عدد المقالات : 252

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى