هل يُخطيء البطريرك؟ بقلم : سعد توما عليبك


سعد توما عليبك
سعد توما عليبك

 

 

  ضمن برامج المدارس الإبتدائية الكاثوليكية في استراليا، بالإضافة الى تدريسها للمناهج التعليمية و التربوية المقررة ، و بالإضافة الى الدروس الخاصة في التعليم المسيحي و قراءة الكتاب المقدس و حفظ الصلوات و حضور القداديس و غيرها، لهذه المدارس برنامج خاص في فترة تحضير الطالب لتناول القربان المقدس. يتضمن البرنامج دعوة الطلاب و أفراد أسرهم  بين فترة و أخرى لحضور قداس جماعي خاص في الكنيسة الداعمة للمدرسة، حيث القاء الكلمات من قبل ادارة المدرسة، و مشاركة الطلاب بقراءة نصوص مختارة من الكتاب المقدس، بالإضافة الى فواصل من التراتيل و الموسيقى المرافقة لها.

و قد تسنى لي و لعائلتي حضور هذه القداديس عدة مرات بحكم دراسة ابنائي في تلك المدارس، و آخر مرة حضرتها كانت قبل تسعة أعوام تقريباً، اتذكر حينها عندما انتهى الكاهن” ذو الأصول الأيطالية و هو في العقد السابع من عمره” من قراءة نص من الكتاب المقدس يتحدث عن الحب العظيم للرب يسوع المسيح للبشرية، و غفرانه لخطايانا، و كيف سامح الذين عادُوهُ و كرَهوهُ و حتى الذين عذّبوه و صَلبوهُ….ثم تطرقَ الكاهن عن كيفية وقوعنا نحن البشر في الخطأ و الخطيئة، و كيفية تدريب الذات و ترويضها على تفادي الوقوع في الأخطاء، و من ثم طرق معالجة تلك الأخطاء بالرجوع الى الأيمان بالرب و قدرته و محبته، و بحُبنا للغير و تسامحنا مع من نتعامل معهم من الناس.

الى هنا كانت تبدو لنا كل الأمور عادية، الى أن بدأ الكاهن يخطو خطوات بطيئة من منبره باتجاه الحاضرين الجالسين في قاعة الكنيسة، و بدأ يتمشى في الفسحة الموجودة بين مجموعة المقاعد نحو وسط و مؤخرة القاعة، و هو يسترسل في الكلام ،حيث علّق على صدره مايكروفون صغير ليسمعه الجميع بوضوح من خلال مكبرات الصوت الموزعة في اركان الكنيسة.

و فجأة توجه الكاهن الى أحد الطلاب و هو جالس بين أبويه في المقاعد الخلفية وقال له: هل تٌخطيء يا بُنيّ؟.. فإرتبك الطالب و نظر يميناً و يساراً و قال : نو “بالأنكليزية” .

تركه الكاهن بعد أن طبطب على ظهره و تمشى قليلا ثم توجه الى طالب آخر و هو جالس أيضاً بين أبويه  و سأله: هل يخطىء والدك هذا يا بُنيّ؟ فنظر الطالب الى عيون والده و قال بصوتٍ خافت : نو……(كلا).

ثم تراجع الكاهن بخطواته قليلاً و سأل طالبة جالسة بين أفراد عائلتها و قال لها: هل أُخطيء انا كاهن هذه الرعية يا صغيرتي؟ فأجابته على الفور : نو.. نووو!.

ثم سأل طالب آخر وقال له أنظر الى سيادة المطران(حيث كان المطران حاضراً و جالساً على كرسيه في  أحد أركان المنبر) ، هل يٌخطيء سيادة مطران أبرشيتنا؟

فأجابه الطالب و هو يهزّ برأسه يساراً و يميناً: نو.. نو، أي كلا.. كلا.

توقف الكاهن قليلاً ثم بدأ يسير بخطوات بطيئة الى الخلف الى ان وصل الصف الأمامي من الجالسين و سأل احد الطلاب أيضاً: ..هاي.. و ماذا تقول أنت يا بُني: هل يُخطيء قداسة البابا؟؟، فأجابه الطالب على الفور:نو – نو – وَيّ.

سَكتَ الكاهن قليلاً ثم توجه الى المنصة فوق المنبر ليقابل وجهه الحضور و يتبادل الإبتسامة مع المطران ثم قال:

اسمعوني جيداً كلكم و خاصة أنتم ايها لطلاب الأعزاء، و انتم مقدمين على تناول القربان المقدس بعد فترة، كل واحد فيكم يخطىء، و والديكما يخطئان و انا الكاهن أخطيء، و سيادة المطران الجالس معنا يُخطيء أيضاً، و الكاردينال يَخطأ ، كذلك قداسة البابا هو أيضاً يخطىء، و السبب في ذلك بسيط جداً، و هو لأننا بشرٌ  و لا أحد منّا معصوم من الخطأ، والذي لا يُخطيء هو الرب وحده.

جئت بالسرد اعلاه لكي يعرف الجميع بأن لا أحد منا أو من رجال ديننا الأفاضل و بكافة مراتبهم و جببهم و قبعاتهم و شاراتهم الملونة معصومين من الخطأ، وعندما يُشير أحدنا الى الخطأ بأصبعه أو بقلمه، و ينتقد صاحبه دون مجاملة أو تلميع مزيّف كما يفعل بعض النطاطين المتملقين، فهذا بالتأكيد لا يعني بأنه يكره او يحمل عداءاً تجاه ذلك الشخص أو مرتبته الدينية لا سامح الله، و إنما  هي محاولة جريئة من قبله في تفادي أو احتمال تقليص، أو الحدّ من حجم ما قد يسببه هذا الخطأ من اشكالات و حتى أضرار في الوسط الكنسي و الشعبي على حدٍ سواء. فعملية تنبيه رجل الدين عن الخطأ بهدف التراجع عنه و اصلاحه، أو أن يقدم استقالته من منصبه لمن هو أكفأ منه، سيصب حتماً في مصلحة الجميع. كما إن سكوتنا عن أخطاء بعض أصحاب المناصب الحساسة من رجال ديننا الأفاضل،  ربّما سيجعلهم يتمادون في أخطائهم أكثر و أكثر، و خاصة منهم الذي يعتقد بأنه فوق مستوى الخطأ بعدة أمتار!، الى ان يصل بهم الحال الى وضع لا يفيد فيه الندم و الأسف ولا عضّ الأصبع أو حتى قطع كل الأصابع، و أمامنا اليوم نحن الكلدان أمثلة حيّة على ذلك.

كما على رجل الدين أن ينتبه جيداً لحقيقة كونه يعيش عصراً جديداً، عصراً سريعاً في نقل المعلومة و توزيعها و انتشارها، لذا عليه ان يكون حريصاً على أفعاله و أقواله، لأنه وحده سيكون المسؤول عنهما أمام الناس و أمام الرب.

و رجل الدين التقيّ الصالح و المعاصر، هو من يسمع للرعية و يشاركها همومها ولا يسمح بأن تصبح كالغنم فاقدة الإرادة تُساق دون رأي و بصيرة.

أما بخصوص البعض ممن يعتقد بأن أي كلام أو انتقاد لرجل الدين هو جريمة لا تغتفر، و إن الناقد الحُرّ سيحجز له مكاناً مرموقاً في احدى زوايا الجهنم لتشويه بسعيرها، و الجاهل الساذج الذي يقف بالضد من الناقد سينطلق كالصاروخ فوق الغيوم نحو فردوس السماء !.

أما البعض الساكت عن الحق، و الذي يستقبل الأخطاء و يتصرف معها كالنعامة، والبعض الذي يدافع عن رجال الدين فقط من أجل التقرب منهم لكي يلتقط صورة تذكارية معهم و ليسمعوه كلمة (عفارم)، و لللأسف بدأوا يتكاثرون في مجتمعاتنا هذه الأيام، فهؤلاء هم الجهلة المنافقون الدجّالون.

و العلاقة باتت طردية بين تدهور الكنيسة و توسّع معسكر هؤلاء الجهلة المنافقين الدجّالين بين الرعية.

ربما أنا على خطأ، كما قال ذلك الكاهن الطيب……و جلَّ من لا يخطىء.

كل عام و انتم بألف خير.

سعد توما عليبك

ملبورن/ استراليا

عن الكاتب

عدد المقالات : 27

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى