هل يوجد خطر يبرر استمرار بقاء حلف الناتو


نادي بابل

يتذكر كل من قرأ او اطلع على تاريخ اوربا القديم منذ قرون يجد فيه ان كثير من الاحلاف العسكرية قد اقيمت فيما بين الدول , لكن هذه الاحلاف سرعان ما زالت بزوال المبررات او الاسباب , وحتى في تاريخ اوربا الحديث قبل الحربين الاولى والثانية واثنائهما وبعدهما , قد اقيمت احلاف و تم حلهما بزوال الاسباب . الا حلف الناتو بدلاً من اللجوء الى حله بعد ان أزيلت كل المبررات امام بقائه , الا انه نجد ان الولايات المتحدة الامريكية أعطت لهذا الحلف مهام جديدة واهداف جديدة واستراتيجية  جديدة هجومية . في الوقت الذي تاسس حلف شمال الاطلسي الناتو في 4/ نيسان 1949 في فترة الحرب الباردة , ان الولايات المتحدة الامريكية كانت تبرر تاسيس الناتو لغرض دعم وحماية اوربا الغربية ونظامها الراسمالي من الخطر الشيوعي , ومن التحديات العسكرية والأمنية التي تشكلها القوة العسكرية السوفيتية لأوربا الغربية من خلال تواجد القوات السوفياتية في المانيا وفي وسط أوربا . ولأجل تسليط الضوء على انتفاء اي مبرر لاستمرار بقاء هذا الحلف ,لا بد من اشارة موجزة لحلف وارسولغرض المقارنه والتعرف على بعض اهدافه حيث لا تتضمن التدخل في شؤون الدول واحتلالها ولا تشكل خطراَ على اوربا ولا تهدد الاستقرار الدولي , و كان حلف وارسو يحافظ على السلم والامن الدوليين .

اهداف وتوجهات حلف وارسو :

تأسس حلف وارسو في 14-5- 1955  بعد تاسيس حلف الناتو ويرى كثير من الباحثين وفقهاء القانون ان هذا الحلف مغاير من حيث الاهداف والتوجهات عن حلف الناتو وحتى عن بقية الاحلاف الغربية . ((إنه حلف مفتوح لكافة الدول الأوربية مهما يكن لونها السياسي أو مذهبها الاقتصادي أو نظامها الاجتماعي . وإنه حلف يتماشى مع مبادئ الامم المتحدة وأهدافها . وإنه معاهدة مؤقتة تنتهي بمجرد قيام أي معاهدة جماعية تشترك فيها الدول الاوربية كافة لضمان الامن والسلام . رابعاَ يحق لالمانيا الشرقية أن تنسحب من الحلف بمجرد أن يتم توحيدها مع المانيا الغربية ولها بعد ذلك أن تنضم للحلف أو لاتنضم . وقد إرجئ اشتراك قوات المانيا الديمقراطية في الحلف إلى أن إنعقد المجلس السياسي الاستشاري للحلف في دورته الأولى فيما بين 27 و28 يناير 1956 بمدينة براغ ووافق على انضمام الفرق الالمانية إلى الحلف .))([1]. كان لحلف وارسو تاثير على نهوض حركات التحرر الوطني , وحصلت ثورات في عدد من الدول واعلنت استقلالها من الهيمنة الاستعمارية . وهذا يعني إنحسار النفوذ الغربي في عدد من القارات مثل آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية . و قد حصل في تلك الفترة تنامي قوى اليسار والأحزاب الشيوعية سواء في أوربا الغربية مثل فرنسا وإ يطاليا أو بلدان إخرى في العالم منها البلدان العربية . وكان لحلف وارسو مواقف هامة لشعوب منطقة الشرق الاوسط بعد أن أنشئ حلف بغداد . و لا بد من تثبيت الموقف التاريخي ففي عام 1956 ظهرت أزمة قناة السويس والعدوان الثلاثي على جمهورية مصر وكان موقف الاتحاد السوفياتي الشهير ومعه حلف وارسو آنذاك الذي أنهى العدوان الثلاثي .

اما  اهداف وتوجهات حلف الناتو :

يرى كثير من الباحثين و المختصين في العلاقات الدولية ان من الاهداف الرئيسية لحلف الناتو في فترة الحرب الباردة هو حصار واحتواء الاتحاد السوفياتي وتقويض النظام الاشتراكي وعزل الاتحاد السوفياتي واوربا الشرقية حتى تنهار التجربة الاشتراكية وان اهدافه المعلنه تؤكد ذلك .(( إن الهدف الأساسي لنشوء الحلف هو هدف أمني يغلب عليه الطابع العسكري ومضمونة ردع الخطر الشيوعي وإحتواءه . وينظر الأميركيون إلى الاتحاد السوفياتي على إنه خطر عالمي وليس أوربياَ , وعقبة أمام مساعيهم لبناء نظام سياسي إقتصادي للعالم الحر يتولون فيه مركز القيادة))([2]) . ويعرف الجميع ان الولايات المتحدة قامت بخطوة عملية وهي توسيع الحلف بضم دولتين اليه عام 1952 وهما تركيا واليونان , لمحاصرة الاتحاد السوفياتي ولقربهما من بلغاريا . وما اكدته احداث العالم في فترة الحرب الباردة ان امريكا وحلف الناتو , كان لهم دور كبير في الانقلابات العسكرية على الانظمة الوطنية والديمقراطية في عدد من البلدان واقامة انظمة دكتاتورية ذات طابع فاشي فيها مثل العراق في شباط عام 1963 وفي اندونيسيا في عام 1965 وفي شيلي , وعدد من البلدان في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية .

ما يهمنا في هذا البحث هو حلف الناتو بعد انتهاء الحرب الباردة :

ما شهده العالم من احداث بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة ,رغم انتهاء الاسباب والمبررات لبقاء حلف الناتو ,  الا ان الولايات المتحدة الامريكية في ظل هيمنتها على نظام القطب الواحد لجأت لاحياء الحلف من جديد  , فبعد أن كان منظمة إقليمية تسمى (حلف شمال الأطلسي ) أنشئ آنذاك لغرض حماية أوربا الغربية ضد ما يسمى بالتهديد السوفياتي حسب ما تبرر ذلك الولايات المتحدة , لكن نجد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي توسيع الحلف وإمتد نحو الشرق وانضمت دول جديده اليه بما فيها دول كانت جزء من دولة الاتحاد السوفياتي او من ضمن البلدان الاشتراكية آنذاك , وبعد ان كانت استراتيجيته الحلف دفاعية لضمان التوازن الدولي ولمواجهة الخطر الشيوعي كما تدعي امريكا, ولكن بعد زوال الخطر الشيوعي مباشرة ,حولت امريكا استراتيجية الحلف من استراتيجية دفاعية الى استراتيجية ردع وهجوم محدود . وتحول الحلف إلى قوة عسكرية سياسية عالمية وأعطت للحلف مهام جديدة . تسمح لامريكا بالتحكم في العلاقات الدولية فارضة من خلال الناتو سياستها وشروطها ومصالحها وتوجهاتها وآلياتها في السياسة الدولية (( فعلى أثر إجتماع قمة المجلس الأطلسي في روما في تشرين الثاني / 1991 صدر إعلان روما الذي كان عنوانه حول السلام والتعاون وعكس هذا التصور الأستراتيجي الجديد وهو هدف الولايات المتحدة الأميركية بتحويل منظمة حلف شمال الأطلسي إلى منظمة سياسية عسكرية ذات فائدة على الرغم من إختفاء التهديد الشيوعي ,من أجل تحقيق الأمن الشامل القادر على إتخاذ قرارات وحيدة لتنفيذ عمليات عسكرية إذا كان ضرورياَ مع غياب حتى أي تفويض من منظمة الأمم المتحدة وموافقة مجلس الأمن ))( [3] ) وهذا ما يؤكد ان النظام الدولي الجديد الذي بدأ بعد إنتهاء الحرب الباردة هو في الواقع هيمنةأمنية للولايات المتحدة الأميركية على العالم من خلال حلف الناتو . إذ كان من باب أولى هو تفعيل وتطوير منظمة الأمم المتحدة وتمكينها من أن تلعب دورها في العلاقات الدولية وتطوير ميثاقها الدولي بما يخدم مصلحة السلم العالمي ومصالح الشعوب  . بأعتبارها المنظمة القانونية الدولية الوحيدة المسؤولة عن حماية الأمن والأستقرار في العالم , بدلاَ من اعطاء مهام واهداف جديدة لحلف الناتو .

هنا يثار سؤال بعد زوال كل المبررات لبقاء حلف الناتو اذاّ لماذا عملت الولايات المتحدة الامريكية الى تعظيم دور الناتو بعد انتهاء الحرب الباردة ؟

ان الولايات المتحدة وجدت مبررات جديدة منها خطرالارهاب الدولي كما تدعي , ووجود دول الشر التي تمتلك اسلحة نووية …الخ . لكن ما تؤكده الاحداث على ضوء مهام الحلف الجديدة التي نفذها في مناطق عديده من العالم من حرب الخليج الثانية في عام 1991 , و احداث البوسنه والهرسك وكوسوفو في عام 1998 تحت مبررات انسانية وقام بقصف يوغسلافيا . وقصفه لبغداد بصواريخ بعيدة المدى في يوم 17-12-1998 ,وتدخله في الصومال والسودان , وبعد احداث 11/ سبتمبر احتل افغانساتن واحتلال العراق في عام 2003 واليوم ساهم باسقاط نظام الدكتاتورالقذافي في ليبيا وتحركة باسم الشرعية الدولية. ان هذه الاحداث وغيرها اعتقد انها تؤكد ان الهدف من تحرك الناتوهو من اجل ضمان مصالح امريكا ومصالح حلفائها ولانعاش الاقتصاد الامريكي من خلال سيطرتها على ثروات الشعوب وبالذات الثروات النفطية والتحكم بها من قبل احتكاراتها الراسمالية ولفرض سيطرتها على التجارة العالمية  , ولديمومة استمرار هيمنتها على العالم كقطب اوحد .ومن اجل إدامة حالة عدم التوازن الدولي وذلك من خلال العمل على منع أي قطب دولي قد يظهر كقوة منافسة لها ولسياستها .

الخلاصة والاستنتاجات :

1- ان حلف الناتو في ظل نظام القطب الواحد وارتباطاَ باستراتيجيته الجديدة , اصبح الحلف من وجهة نظري احد اهم المخاطر الدولية التي تهدد السلم والامن الدوليين , ويعرض مصالح وثروات الشعوب للخطر , ويهدد استقلال الدول وانتهاك سيادتها , (( فقد صرح الرئيس الأمريكي السابق بيل كلنتون في 30-5-1991 برفض التقيد بأية حدود جغرافية فيما يتصل بأمكانية تدخل الحلف لمواجهة ما يعتبره تهديدا َلأمن عضو من أعضائه الأمر الذي يجعل العالم كله مجالاَ مفتوحاَ لتدخل الحلف العسكري )) ([4] ) يلاحظ على ضوء هذا التوجه الذي تضمنه تصريح الرئيس الامريكي الاسبق , يفهم من التصريح من وجهة نظري اعطاء حق للحلف في إقتحام أي بلد لا يعجب الأدارة الأمريكية وحلف الناتو واسقاط نظامه السياسي واحتلاله .

2- بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة , قد انتهت كل مبررات بقاء حلف الناتو  . لانه في العرف الدولي ان الاحلاف العسكرية ترتبط بالحروب والصراع الدولي وسباق التسلح وتوازنات القوى الدولية والأقليمية . الوضع الدولي اليوم ليس بحاجة الى احلاف عسكرية بقدر حاجته للشرعية الدولية واعطاء دور للامم المتحدة واصلاحها وتطبيق ميثاقها الدولي .

3- ان اسقاط الانظمة الدكتاتورية الاستبدادية وتطبيق الديمقراطية ونشر مبادئها واحترام حقوق الانسان وضمان الحريات السياسية وتحقيق الاستقرار الداخلي للدول وضمان سيادتها الوطنية يتم من خلال عوامل داخلية لكل بلد , ما اكدته تجارب عدة ومنها تجربة العراق وليبيا اليوم ان هذا لايتحقق من خلال سياسة الناتو في القصف الجوي والاحتلال .

4- ان الاحداث التي شهدها العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي , والتي تدخل فيها عسكرياَ حلف الناتو انها بمجموعها ساهمت في عدم الاستقرار الداخلي للدول, كما انها ساهمت في تحطيم الاستقرار الدولي , و بهذا ارى ان حلف الناتو في ظل نظام القطب الواحد قد اصبح الوصي الاوحد على العالم كما قام بأسر المنظمة الدولية ومصادرة ميثاقها .

5- اكدت تجارب البلدان التي دخلتها جيوض الناتو واحتلتها , انها اصبحت من اكثر البلدان التي فقد فيها الامن والاستقرار , كما اثيرت فيها الحروب الاهلية في هذه البلدان وتضاعف تنامي قوى الاسلام السياسي والمتطرفه منها في هذه البلدان وتنامت قوى الارهاب , وجرى التجاوز على الحقوق والحريات , وظهرت دعوات علنية من المتطرفين الاسلاميين لتطبيق نظام الشريعه الاسلامية , وهذه البلدان اصبحت  اكثرانتهاكاَ لحقوق الانسان وانتهكت فيها حقوق المواطنه وحقوق المرأة , وغاب فيها القانون , وانتشر فيها الفساد وتم خصخصة ثرواتها والمؤسسات الخدمية والانتاجية التي تمتلكها الدولة , واكدت هذه التجارب ان الناتو يحسم الصراع في هذه البلدان لصالح قوى الاسلام السياسي والمتطرفون منهم للمصالح المشتركة بين الطرفين , وساهم دور الناتو والتدخل الاقليمي الخارجي من اضعاف دور وتأثير قوى اليسار والديمقراطية في البلدان التي دخلتها جيوش الناتو والتدخلات الاقليمية . كما يلاحظ ان القوى التي يسلمها الناتو السلطة في بلدانها لا تريد لقوات الناتو ان تخرج من البلد بوقت سريع , وتطالب ببقائه كما حصل في ليبيا مؤخراَ وفي العراق تطلب الكتل المهيمنه على السلطة بابقاء رمزي بحجة قوات تدريب . 

6-  ارى ان حلف الناتو بهذه السياسة سيكون بلا مستقبل بعيد , ارتباطاَ بمهامه العدوانية في اسقاط الانظمة وفي استغلال ثروات الشعوب وفي التوسع والهيمنة وضمان مصالح امريكا والدول الغربية واحتكاراتها , كما ان الخسائر الاقتصادية التي تتعرض لها بلدان الناتو هي كبيرة جراء ارسال جيوشها الى خارج حدودها مثال بريطانيا عندما ساهمت باحتلال العراق تعرضت لخسائر اقتصادية , وهذا سيكون احد العوامل المؤثره على سمعة الدولة ومكانة الحزب الذي يقود السلطة وعلى بقائه في الحكم في الدوره الانتخابية القادمة .

7- كما ان جنوح فرنسا نحو الاستقلالية في سياستها في الحلف ولجوئها مع المانيا في تشكيل قوات غرب اوربا قد يدفع دول اخرى مثل بريطانيا او اسبانيا او غيرهما نحو الاستقلالية والانضمام الى قوات غرب اوربا , ارى انها لوتحققت ستكون خطوة للخروج من الناتو ارتباطاَ بالتكاليف الاقتصادية للحلف ولضعف دور الحكومة امام الراي العام الداخلي والخارجي من ارسال جيوض البلد لمهمات غزو واحتلال . كما ان اوربا بدت تميل اكثر من السابق الى التعاون السياسي والاقتصادي والتجاري مع روسيا , وان اوربا تعتمد على النفط الروسي وعلى الغاز الروسي وتصل اعتمادها على الغاز بنسبة 60% لا سيما في فترة الشتاء فاوربا مدركة انه لا يوجد خطر خارجي يهددها وهذا ما يؤثر على مستقبل الناتو . وهذا من وجهة نظري سيدفع اكثر باتجاه ظهور سياسات  ورؤى واستراتيجيات متباينة داخل حلف الناتو بلا شك ستؤثر على مشاريع الحلف المستقبلبة وحتى على وحدة الحلف. لا سيما وان اوربا في القرن ال 21 اصبحت ليس بحاجة الى حلف عسكري مع الجانب الثاني من الاطلسي . ارتباطاَ باعلان الوحدة الالمانية , واحياء مشروع الوحدة الاوربية من خلال توقيع معاهدة ماسترخيت في عام 1992 .

8- بلا شك ان توسع عضوية الحلف سيؤثر على آلية عمل الحلف وستخلق مشاكل للحلف , كما ان هناك دول  اعضاء في الحلف تعتمد على المساعدات المالية والاقتصادية من الولايات المتحدة , وهذا سيضيف أعباء مالية وإقتصادية وعسكرية كبيرة على الولايات المتحدة الأميركية وعلى الدول الاخرى الأعضاء في الحلف.لا سيما وان الولايات المتحدة الامريكية لا تزال تعيش آثار الازمة الاقتصادية لعام 2008 . وسيبقى مستقبل حلف الناتو استمراره او زواله على المدى البعيد مرهون بعوامل اخرى منها التطورات على الساحه الدولية أو الداخلية على مستوى الدول الأعضاء وظهور اقطاب و تكتلات اخرى . رغم ان العالم اليوم لا يحتاج الى استمرار بقاء احلاف عسكرية .

28-10-2011 .

 

 

 

عن الكاتب

عدد المقالات : 7493

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى