هل يجوز لرجل الدين أن يضع الدين في خدمة السياسة؟


نادي بابل

في تصريح مثير للجدل صدر من المرجع الشيعي, السيد علي السيستاني, ونقله إلى العالم عبر قنوات التلفزة ممثله الشيخ عبد المهدي الكربلائي في خطبة الجمعة التي باتت سياسية أكثر منها دينية, والتي أوقفها الشيعة على مدى (1000) عام رغم كونها آية قرآنية صريحة جاءت في سورة الجمعة آية (9): “يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون” أن رفض السيد السيستاني, مشروع قرار مجلس النواب الأمريكي بتقديم مساعدات عسكرية لقوات “البيشمركة” الكوردستانية, التي واجهت ومازالت تواجه ميليشيات داعش الإرهابية بمفردها, بعد أن هرب الجيش العراقي من مواجهتها تاركة ورائه عدته وعتاده بكاملها لداعش. إن القرار الأمريكي الذي لا يزال في المهد, أثار ردود أفعال متباينة بين السياسيين ورجال الدين المعنيين, بين مرحب به في أوساط الشعب الكوردي الذي واجه داعش بصدور عارية, ومعارض له من أولئك الذين اعتادوا التسلط على رقاب الغير, والتحكم بمصيرهم, ونهب ثرواتهم دون وازع ضمير. وأضاف عبد المهدي الكربلائي خلال خطبة الجمعة التي تقام نهاية كل اسبوع في الصحن الحسيني في مدينة كربلاء, إن “المساعدات الخارجية التي تقدم للعراق, يجب ألا تمس سيادة البلاد ووحدة الشعب” رافضاً  القرار – لم يصبح قراراً بعد – المشار إليه والذي يدعوا إلى تسليح قوات حكومة إقليم كوردستان دون المرور بالحكومة الاتحادية. هل فعلاً القرار السياسي في العراق قراراً اتحادياً أم أحادياً؟. ألم تتخذ غالبية القرارات في بغداد بمعزل عن ممثلي كيانين رئيسيين وهم الكورد والسنة العرب من مجموع كيانات العراق الثلاثة؟. لا شك إن القرار العدائي الذي اتخذوه بقطع مستحقات إقليم كوردستان يعتبر عندهم شكل من اشكال الاتحاد, لكن الاتحاد القسري, الذي خطت حدوده  في مؤتمر القاهرة, الذي عقد بإيعاز من وزير المستعمرات البريطاني, وتقرر فيه أن تكون الملكية من نصيب خادم بريطانيا العظمى فيصل بن الحسين, الذي جسد فيما بعد, العلاقة الاتحادية القسرية المشوهه بين العرب والناطقون بالعربية والشعب الكوردي المظلوم بأدق تفاصيلها. صورة أخرى من صور هذا الاتحاد غير المتكافئ شاهدناه بكل وضوح عند امتناع حكومة بغداد بدفع رواتب قوات “البيشمركة” الباسلة, وامتناعها عن دعمها بالعدة والعتاد, وهي التي تقارع إرهابيي داعش في جبهات القتال. وتحدث ممثل المرجعية عن “سيادة البلد ووحدة الشعب” يا حبذا يقول لنا اين هذه السيادة؟, أين نجدها في قانون تحرير العراق, الذي بموجبه جاء ما يقارب نصف مليون عسكري أمريكي إلى البلد؟ وأسقط نظام حزب البعث المجرم بقوة السلاح. أو كما نراه في كل حين عند الاختراقات المستمرة للجيش التركي الطوراني الكمالي ل(شمالكم الحبيب) ولا نراكم تحركون ساكناُ, لا فعلاً ولا قولاً . أم في تدخلات الجارة الشرقية في طول البلاد وعرضها؟. ثم تحدث الشيخ عن وحدة الشعب, عجبي, أية وحدة يتطرق لها فضيلته؟, هل يستطيع الشيخ أو أي مسئول أو رجل دين, أن يجوب البلد كيفما يشاء؟. ألم يعلم الشيخ وقبله السيد, أن البلد مقسم حسب تواجد الطائفتين السنية والشيعية في كل الأزقة والشوارع والقرى ومدن البلد, وقبل هذا, أن التقسيم وتكفير أحدهم الآخر معشعش في عقول بنات و أبناء الطائفتين منذ زمن ليس بقريب, نتيجة ما جرى في سقيفة بني ساعدة, وبعدها ما جرى على ضفاف الفرات, أم في المسبات والشتائم الشرعية لأصحاب وزوجات النبي, والذي يشحنه و يغذيه على مدى التاريخ القديم والحديث السياسيون وشيوخ التكفير من كلا الجانبين؟. وفي سياق خطبته حذر الشيخ عبد مهدي الكربلائي من ” مخاطر التجزئة وتقسيم البلد”, دعونا نقف قليلاً على كلمتي ” التجزئة والتقسيم” التي صدرت من الشيخ المذكور, وهو ممثل المرجعية الشيعية, ما الفرق هنا بينه وبين أي سياسي بائع كلام؟ الشائع في أوساط الناس, أن رجل الدين يجب أن يكون صادقاً وصدوقاً ولا يجانب الحق مهما كلفه ذلك. هنا وهو البيت القصيد أريد أن أتساءل, هل أن جنوب كوردستان كان جزءاً من الكيان العراقي قبل ولادته على يد بريطانيا عام (1920), حتى يوصف استقلاله بتجزئة الكيان العراقي وتقسيمه؟. أليس من واجب رجل الدين, كما يشيعوا بين الناس, أن يناصر حقوق الشعوب العادلة بمعزل عن متعرجات طرق السياسة ومتاهاتها, كما في قضية الشعب الكوردي العادلة؟. إن الكلام العاهن الذي صدر من الشيخ المذكور يدعوا للتسائل, كيف يطالب ببذل الجهود لتخليص العراق من سيطرة “داعش” وقبله تحت يافطة السيادة الوطنية الزائفة يطالب بعدم تسليح الجهة الحقيقية والفعلية التي تحارب داعش الإرهابية, وهي قوات “البيشمركة” الباسلة. أليس كلامه بهذه الصورة المغايرة للحق والحقيقة يصعب على المتلقي فهمه؟. وفي جانب آخر من خطبته طالب ممثل المرجعية “بضمان مصالح العراقيين وفقاً للدستور” إنه يتصور كأننا في عالم آخر,لا يصلنا نص ما قاله على جناح الأثير. أليس من الأجدر به وهو يتكلم عن الدستور, أن يطالب رأس السلطة التنفيذية المتمثلة برئيس مجلس الوزراء, بتطبيق الدستور الذي أقسموا على تطبيق بنوده في مواعيدها المقررة؟. ها أن المادة (140) قد مضى على التاريخ النهائي الذي حدده الدستور للانتهاء من تنفيذها ثمان سنوات, لم نسمع يوماً ما أن المرجعية طالبت رأس السلطة التنفيذية بالعمل الجاد لتطبيق هذه المادة الدستورية؟. بل حتى خارج إطار الدستور, أليس الواجب الشرعي يحتم على المرجعية الشيعية, أن تطالب من المستوطنين العرب في كركوك والمناطق الكوردستانية المستقطعة الأخرى وغالبيتهم من الطائفة الشيعية, أن يتركوا أرض الشعب الكوردي المظلوم التي جلبهم إليها نظام حزب البعث البائد لتغيير ديموغرافية كوردستان, وإلا يقعوا في المحذور الديني, ويكون صومهم وصلاتهم في موضع الشك الشرعي؟, لأنه وحسب معرفتي المتواضعة, أن في العقيدة الإسلامية, لا يجوز الصلاة في أرض مغتصبة, وتلك الأراضي التي أشرنا لها هي مغتصبة من قبل العرب الشيعة والسنة, ومن يقول غير هذا يجانب الحق والحقيقة, وما هو إلا شيطان ناطق. ونحن في ذكر المرجعية, ألم يكن من الواجب الديني على المرجعية قبل غيرها, أن تقف بالمرصاد لرئيس مجلس الوزراء المنصرف نوري المالكي حين لحس اتفاقية أربيل؟, أم المرجعية تتذكر وحدة العراق وسيادته فقط حين تميل الكفة للشعب الكوردي الجريح والمظلوم على أيدي العرب والمسلمين قبل غيرهم؟. لماذا لم تثر المرجعية حين تقوم الجارة الشرقية بتسليح ما يسمى بال” الحشد الشعبي” بكافة أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة, وأن مسئولين العسكريين لتلك الدولة يظهروا على شاشات التلفزة وهم يرقصون على أرض العراق مع ميليشيات الحشد الشيعي, أم تلك نقرة وهذه نقرة. وعلى نفس المنوال, أطلق السيد مقتدى الصدر العنان لنفسه, وقال كلاماً كثيرة له علاقة بمشروع القرار الأمريكي, مما قاله السيد: ” لتخسأ الطائفية التي جاءت من خلف الحدود”. لكن السيد لم يقل لنا من خلف أية حدود, الحدود الشرقية؟, أم الغربية؟. إن العرف السائد بين الدول, أن الحكومة هي المعنية بالرد على الدول, وتحديداً وزارة الخارجية, وليس أعضاء مجلس النواب, الذين حشروا أنفسهم في هذا الموضوع الذي أثير في أروقته, ومن بينهم اثنان من أعضاء مجلس النواب, من النساء, إحداهن أنفية صرفت مال الشعب العراقي على تجميل أنفها النقري, والأخرى ذات ماض سياسي لا يشرف, حيث كانت رفيقة بعثية, ولا زالت تنظر إلى العراقيين تلك النظرة الدونية الاستعلائية النابعة من أدبيات حزب البعث العروبي المجرم.                                                             عزيزي القارئ,  بخلاف التصريحات الإعلامية المتشنجة والغاضبة التي صدرت من السياسيين ورجال الدين في كل من بغداد والنجف وكربلاء, استقبل الخبر في عاصمة إقليم كوردستان بكل هدوء وروية, وبعيداً عن المزيدات السياسية والطائفية, حيث رحب نائب رئيس لجنة الأمن في برلمان إقليم كوردستان بمشروع القرار الأمريكي, معتبرة إياه ” خطوة في غاية الأهمية” وقال نائب رئيس اللجنة المذكورة بلغة الرجل المسئول, عندما بعث برسالة مطمئنة للجميع, أن تسليح الإقليم يسهم في تعزيز الأمن والسلام في العراق والمنطقة مبيناً, أن ” الخطوة تعزز دور البيشمركة في محاربة الإرهاب” وأن ” البيشمركة قوة نظامية وملتزمة بالمعايير الدولية والإنسانية” مضيفاً, أن ” تسليح إقليم كوردستان لا يشكل خطراً على الآخرين كون الإقليم يتمتع بنظام ديموقراطي”. ونحن نضيف, إن الشعب الكوردي ليس لديه أية أطماع في أراضي وثروات الغير, بل أن الآخرين هم من جاءوا عبر الفيافي لاحتلال وطن الكورد, وقتل أبنائه ونهب ثرواته, ولا زالوا مستمرون في نهبهم واضطهادهم للشعب الكوردي المسالم, بل وصلت بهم الوقاحة, أنهم ينكروا وجود الشعب الكوردي في وطنه كوردستان.

قاسَ التاريخُ قامته بقامة أحزانك        كانت أحزانك أعلى من همومه بفترٍ  أو فترين                                                  وحين أراد البحر أن يقيس عمق جراحاته                  بعمق جراحتك    صرخَ                                                                وكان على وشك أن يَغرق فيك.

من أشعار شاعر كوردستان

   (شێرکۆ بێکەس)

     محمد مندلاوي

عن الكاتب

عدد المقالات : 7513

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى