هل يتصف العُملاء بالذكاء أم بالغباء ؟


الشماس د. كوركيس مردو
الشماس د. كوركيس مردو

من المعروف أن العملاء يختارُهم أسيادُهم من بين المتميزين بالذكاء وليس المتصفين بالغباء فقد كتب أحد العملاء المتأشورين مقالاً بعنوان ( الإنفصليون الكلدان ومؤتمر نهضتهم ) وبتشويه واضح وصف المؤتمر القومي “مؤتمر النهضة الكلدانية” الثاني في السويد المنعقد للفترة من 15 – 19 تشرين الأول 2011 بتجمعٍ كنسي للكنيسة الكلدانية لمجرد قيام المطران سرهد جمو والأب نوئيل الراهب بمشاركةٍ تشريفيه فيه لإلقاء محاضرات حول أهداف المؤتمر وبدعوةٍ مِن إتحاد الأندية الكلدانية في السويد برئاسة الكلداني الغيور السيد بهنام جبو وبعد استحصال كافة الموافقات الأصولية على عقد المؤتمر، ويناقض نفسه عندما يضيف وبدون حضور لأيٍّ من آباء الكنيسة الكلدانية الآخرين، فكيف يكون تجمعاً كنسياً بغياب آباء الكنيسة الكلدانية عنه، أليس إذاً وصفه للمؤتمر القومي بتجمع كنسي إدعاءاً كاذباً نابعاً عَن حقده الدفين على الكلدان ورُعبه من أيِّ تحركٍ كلداني، وهكذا تجلّى في مقاله إفتراؤه الرخيص المحشو بالمغالطات وقلب الحقائق فهل هناك ما يفوق هذا الغباء؟ إن الغباء منبعه الجهل وأحياناً تعمد الجهل .

 يصف هذا الدعي المتأشور المنغمس حتى أذنيه في وحل التسمية الآشورية المزيفة الإسطورة الويكرامية ( نسبةً الى القس الأنكليكااني التابع لكنيسة كانتيربري الإنكليزية وليم ويكرام ) الكلدان بالإنفصاليين، ولكن هل يدري حتى لو وافقناه على هذا النعت افتراضاً . مِن مَن انفصلوا وماذا كانت دواعي الإنفصال؟ طبعاً إذا كان جاهلاً فتلك مصيبة وإن كان متعمداً الجهل فالمصيبة أعظم .كانت الكنيسة الكلدانية النسطورية تحت سيطرة الرئاسة البطريركية المحتكَرة من قبل العشيرة الأبوية” آل أبونا” لعدة قرون، قد إستغلَّت شعبَها الكلداني أبشع استغلال وجعلت منه عبيداً مسخرين لخدمة عشيرتها سالبة منه معظم أرزاقهم، ووصل ظُلمُها الى حدٍّ لا يُطاق والأنكى من ذلك كلِّه أن أحد بطاركتها سَنَّ قانوناً كنسياً يقضي بحصر المنصب البطريركي وراثياً بأحد أبناء العشيرة المقربين للبطريرك إبن أخيه أو إبن عَمِّه وبذلك خالف التقليد الكنسي المعمول به منذ إنشاء الكنيسة بأن اختيار الجاثاليق أو البطريرك لاحقاً يكون عن طريق الإنتخاب. فاجتمعت في منتصف القرن السادس عشر النخبة المثقفة مِن أماجد الكلدان العلمانيين برئاسة ثلاثة مطارين في مدينة الموصل وقرَّرت التخلص مِن الرئاسة المستبدة من أجل تصحيح مسيرة كنيستهم وانتشالها مِن الضلال النسطوري الهرطوقي الواقعة فيه منذ أواخرالقرن الخامس، فاختاروا لهذه المهمة رئيس دير الربان هرمزد آنذاك المثلث الرحمات مار يوحنان سولاقا (البطريرك لاحقاً) مِن عائلة بلو الألقوشية التي ينتمي إليها وللأسف كاتب المقال موضوع البحث، فشتان ما بين الثُريّا والثرى! فهل من المعقول أن يوصف أصحاب هذا العمل الإصلاحي الجبار بالإنفصاليين! !

                                                                                                               ونتيجةً لبادرة الإصلاح المشار إليها، أصرَّت جماعة متزمتة جاهلة على البقاء في نسطرتها الهرطوقية نكاية بإخوتها الإصلاحيين، وبمرور الزمن إنحسر عددهم تدريجياً بعودة العدد الكبير منهم الى الطريق القويم المذهب الكاثوليكي، وبقي العددُ الضئيل منهم الساكن في الجبال متشبثا بهرطقته النسطورية يعيش حياة البؤس والفقر والتخلف بعيداً عما يجري في العالم من التغيير والتطور خاضعاً خضوعاً أعمى لكنيسته النسطورية المتمثلة كلياً برئيسها الديني والمدني في آنٍ واحد هو البطريرك وخلفاؤه، حتى عثرت على هذه الجماعة الإنعزالية بعثة التبشير الأنكليكانية التابعة لكنيسة كانتيربري الإنكليزية برئاسة القس ” وليم ويكرام” عام 1884 فكانت تلك فرصة ذهبية لهذا الداهية الخدّاع حيث رأى في هذه الجماعة بغيته المنشودة للإنتقام أولاً من الكنيسة الكاثوليكية التي تعتبرها كنيستُه الأنكليكانية عدوتَها اللدود وعليه الوقوف ضِدَّ امتدادها وتوسعها عن طريق الكنيسة الكلدانية التي هي جزء منها. وثانياً استخدامُ هذه الجماعة وجعل أبنائها وقوداً لنار أطماع مملكته المتحدة الإستعمارية التي كانت تسعى للحصول على موطيء قدم لها في قلب تُراب السلطنة العثمانية ومنافسة نفوذ روسيا القيصرية في فرض رأيها في شؤون السلطنة حيث كان التنافس على أشده بين الدول القوية آنذاك (روسيا، فرنسا، المانيا وإنكلترة) في هذا المجال، وفعلاً استطاع وليم ويكرام إغراءَهم ولا سيما عندما أخبرهم بأن حكومة المملكة المتحدة كلفته بأن ينقل إليهم وعدَها لهم بإقامة وطن قومي لهم في جزء من بلاد وادي الرافدين الذي سكنه يوماً آشوريو التاريخ القدماء، ولكن هذا الوعد لن تستطيع تحقيقه إلا في حالة تغييرقوميتهم من ” الكلدان النساطرة الى الآثوريين النساطرة” لكي يتسنى لأعلامِها نَسبَهم الى الآشوريين القدماء فاستمرأوا ذلك ونفذوا ما أشار به إليهم، وبدوره لم يذخر وسعاً في لعب دور دعائي كبير لنشر هذا الإسم”آثوريين” الذي اختاره لهم من مطاوي الماضي، معرِّفاً العالَم بالمأساة التي تعرَّضَ لها هؤلاء النساطرة الذين دعاهم” أحفاد شلمنصَّر” في الوقت الذي أخذتهم الدهشة من هذا الإسم الغريب عليهم والذي لم يسمعوا به إلا بعد قدوم هؤلاء المبشرين الى منطقتهم. ( مفصل العرب واليهود في التاريخ ص596 – 597 ) هذه خلاصة مختصرة لكيفية تحوُّل كلدان الجبال النساطرة الى آثوريين ثم تحورت هذه التسمية قبل عدة عقود الى آشوريين، وما كنت بحاجةٍ الى تكرارها بهذا الشكل الوجيز جداً لو لم يضطرني جهل كاتب المقال بالتاريخ أو ربما تعمده الجهل دفاعاً عن أسياده مزوري التاريخ بامتياز .

أية امةٍ هذه التي تنادي بها يا أيها الضال، الآشورية لم تكن قومية لأمة على الإطلاق بل كانت تسمية لدولة مؤلفة من مجموعة أقوام كالدولة العراقية اليوم فهل يُمكن اعتبار العراقية قومية؟ وهكذا كانت الدولة الآشورية التي طالها والمنتمين إليها الفناء الأبدي قبل الميلاد بستمائة عام ؟ أليس انتحال الكلدان النساطرة لتسميتها الوثنية ضرباً من الجنون؟ ألا تُشبه هذه المحاولة كإحياء جثةٍ هامدة في لحدها منذ أكثرمن خمسةٍ وعشرين قرناً؟هناك إليوم قومية واحدة للشعب المسيحي العراقي المتعدد الأسماء ما عدا الأرمن وهي القومية الكلدانية! ولا يمكن القبول بغيرها من التسميات. إن الكلدان لا يعترفون باللغة السريانية المحرفة من اللغة الكلدانية من قبل المؤلفين اليعاقبة في العصور المتأخرة أمثال إبن العبري وبعض معاصريه، وسوف يكون لي مقال حولها لإظهار تزويرها إذا سمح لي وقتي الضيق لأنني مشغول بإكمال بقية مجلداتي التاريخية. إن كنائسنا قد افتتحت صفوفاً لتدريس لغتنا الكلدانية الأجمل بين لغات العالَم طُرّاً وهي التي قدَّسها المسيح الرب بتحدثه بها هو والقديسة والدته وتلاميذه الأخيار ولسنا بحاجةٍ الى لغة محرَّفة عوجاء اللفظ والحرف.

إن الكلدان امةعظيمة وكنيسة المشرق نشأت على أكتاف أبنائها الميامين،ولدى ظهورالهرطقتين النسطوريةوالمونوفيزية خلال القرن الخامس الميلادي انقسمت الى شطرين أحدهما تبنى المذهب النسطوري وسمى كنيسته”الكنيسة الكلدانية النسطورية” والآخر تبنى المذهب المونوفيزي ودعا كنيسته “الكنيسة المونوفيزية” وبعد زمن تغلبت عليها التسمية اليعقوبية،وبهذا الإنشطار وُصفت جماعة كُلٍّ من الشطرين بالطائفة، وهذا هو ما يؤكده التاريخ، وفي العهد العثماني أطلق على الكلدان كلمة (مِلّيت) أي الأمة. فكيف تصف الأمة الكلدانية بالطائفة أيها الجاهل، وكيف تريدون  أنتم التزويريون المتعاطفون مع الطائفتين المنشقتين عن امتهما الكلدانية، أن تفرضوا آراءَكم وأفكاركم العفنة على أبناء الأمة الكلدانية! مَن أنتم وما هو حجمكم بالنسبة للكلدان الأحرار، إنكم زوان في حنطة الكلدان فاقتلعوكم ورموكم لتُداسوا تحت أرجل الغرباء أعداء الأمة الكلدانية. إنَّ افتراءَك على القس سرهد جمو( المطران اليوم ) بأنه كان ينادي بالآشورية هو تضليل سخيف لا يمكن أن يُصدقه أيُّ كلداني، والحق يجب أن يُقال إنه كان يُساير هؤلاء النساطرة الإنعزاليين لسبر غور تعصبهم المقيت، وحين تأكد من تحجر عقولهم بعد كُل الجهد المضني الذي صرفه معهم، لم يرَ مفراً غير نبذهم بالمرة، وهو سعيد بما ساعده الله على اقتناء أكثر من ثلاثة آلاف آثوري نبذوا المذهب النسطوري واعتنقوا المذهب الكاثوليكي القويم بهدايةٍ من الروح القدس، ونسأل الروح القدوس ليُلهِم عقولَ وضمائرَ الباقين منهم على عنادهم، ليقتدوا بإخوتهم الأعزاء هؤلاء.

لماذا العجب يا أيها المغالط عميلُ الإنعزاليين المتهورين عديمي الحكمة والرؤيا، الكلدان يتصفون بالحكمة وبعد النظرلا يتهوَّرون. في كُلِّ العهود وحتى في عهد صدام برهن الكلدان على إخلاصهم الوطني ولم يجدوا حاجةً لتشكيل أحزاب، حيث كانت كُل الحكومات في العهد الملكي تُشيد بالكلدان ولا تعترف بغيرهم كالسريان والتيارية وإنما تُراعيهم إكراماً لهم، فكان للكلدان عضو في مجلس الأعيان ومابين ستة الى سبعة نواب في البرلمان، وزير واحد وفيض من المدراء العامين، فبماذ يطالبون أكثر مِمّا أعطوا! وحين تغيَّر نظام الحكم من الملكي الى الجمهوري انقلبت كُل الموازين، عِندها انخرط ابناء الكلدان في الأحزاب الوطنية ولم يشعروا بحاجتهم الى أحزاب قومية كلدانية، ولكن بعد سقوط النظام البعثي ظهرت أحزاب إسلامية غلبت عليها النزعة الراديكالية المشحونة بالتطرف والى جانبها ظهرت أحزاب لمنتحلي التسمية الآشورية المزيفة وفي مقدمتها ما تُسمى  “الحركة الديمقراطية الآشورية” وفي الحقيقة لم تمارس الديمقراطية قدر ذرة، بل بَزَّت كافة الأحزاب الإسلامية في تطرفها وتعنصرها ضِدَّ الكلدان وقوميتهم، وإزاء هذا الموقف العدائي الغير مسؤول والتطاولي الخاطيء والإفترائي، إضطرَّ الكلدان الى تأسيس أحزاب كلدانية لصد هجمة منتحلي الآشورية المزيفة الشرسة ضِدَّ قوميتهم ووجودهم وتاريخهم بكُل خزينهم من الحقد الحاد والتزويروالتشويه.

أما الإنتخابات الأخيرة التي تتباهى بها فأنت أول مَن تعلم مقدار التزوير الذي شابها، وكم صرف نساطرة الأمس آشوريو اليوم المزيفون من الأموال لشراء ذمم أبناء شعبنا الكلداني الذي خدعوه بقولهم ” كلنا مسيحيون” فصدقهم البسطاء من الكلدان، وبهذا الإسلوب الشيطاني اللاإنساني تمَّ لكم الحصول على أصواتهم، وفي حينها سألت العديد منهم فاعترفوا أنهم خُدعوا وضلِّلوا، أبهذا الشيء تتباهى يا جاحد امته، فأنت وأمثالك جعلتم من أنفسكم موضع ازدراء الكلدان المخلصين الأحرار لأنكم قبلتم الذل والإنكسار، تنازلتم عن المباديء والقيم وتمرغلتم في المستنقع العفن !
وعندما تستشهد بالأستاذ ليون بَرخو، أقول ما الفرق بينكما؟ فكلاكما تخزنان حقداً مكبوتاً ضِدَّ أبناء الكلدان وضِدَّ كنيستهم الكلدانية الكاثوليكية المقدسة، والسبب هو الغيرة القاتلة التي تتقد في داخلكما. كنت ناويا ومنذ زمن أن لا أرد على الأستاذ برخو الغريب بتصوراته وأفكاره التي تُمثل انعكاساً وردَّ فعل لطرده من الدير بعد أن احتضنه مدة تسع سنوات اكتشف خلالها الغرورالذي لا يليق بمَن يُخصص ذاته لخدمة ربه كلياً، فصمم على الإنتقام من الكنيسة الكلدانية ورعاتها من خلال انتقادات تحاملية لاذعة مُستغلاً استاذيته في جامعةٍ سويدية دون أن يدري بأن ما يقوم به هو انتقاص لمركزه الوظيفي وكرامته!

وها هو اليوم يفتري على القس نوئيل ويحوِّر أقواله كما أخبرني بعض الحاضرين الى المؤتمر، وكلما قاله القس نوئيل كان تعريفاً مقتضباً للحضور بمقدرة المطران سرهد جمو على شرح القضية القومية الكلدانية بكل أبعادها التاريخية. فقد سُئل الأستاذ برخو بعد انتهاء محاضرة المطران سرهد فيما إذا كان لديه أسئلة أو تعليق وكُرر السؤال ثلاث مرات وأخيراً أجاب كلا.
فلماذا اللجوء الى الكذب والتحريف يا أيها المنظر المأجور. أخيراً أقول لهذا المتأشور بأنك عديم الفاعلية والفائدة حتى في دفاعك عن أسيادك، فعليك الإنسحاب مِن ميدان الكتابة وتعلم الصياغة اللغوية أنت واستاذك ليون برخو قبل السباحة في بحر الكتابة العميق، وبالرغم من انشغالي، سوف اعرّيكما وأكشف كامل زيفكما إذا تماديتما في نهجكما القذر!

الشماس د. كوركيس مردو
عضو الهيئة التنفيذية
للإتحاد العالمي للكتاب والأدباء الكلدان
عضو قيادة التجمع الوطني الكلداني
في 1 / 11 / 2011

عن الكاتب

عدد المقالات : 218

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى