هل نجحت عملية تصدير الثورة الاسلامية في ايران الى العراق؟!


يوحنا بيداويذ
يوحنا بيداويذ

في البداية اود ان اوضح ان نقد هذا المقال، موجه الى كل من يشرع او يسلب الحريات او حق

التعبير عن الراي لاي فرد او ديانة او مذهب او قومية عراقية بدون تميز .

 

في نهاية العقد السابع من القرن الماضي، انقلبت موازين القوى في الشرق الاوسط، حيث

 صنعت الدول الراسمالية الغربية طوق ديني متعصب حول الكتلة التي كانت تتألف منها دول

الاتحاد السوفياتي والدول المهددة بتغير نظامها الى المعسكر الاشتراكي،كان الهدف منها هي

وقف المد الشيوعي في اسيا والشرق الاوسط.

 

 

ومن ضمن هذه الخطة، كان تغير نظام الحكم في ايران كشيء حتمي. نجحت الثورة الاسلامية

 في ايران اعلاميا واستقبل الامام خميني في طهران شعبيا وجماهيريا بصورة منقطعة النظير

في بداةي سنة 1979 ( لكن القرار الحقيقي كان من صنع الغرب). لم تمضي اشهر قليلة حتى

 اصبح واضحا معالم النظام الديني الذي تبعه الامام خميني في ايران، فضرب النظام الجديد

(ولاية الفقه) جميع التيارات المدنية والديمقراطية والشعبية والقومية والديانات والاحزاب

التي كانت موالية او تعمل تحت حكم شاه ايران . اما قادة الجيش وجهاز المخابرات وحزب

تودة الاشتراكي قد ازيلوا من الوجود، فاعدموا كل من مس    وا به. تلت انقابات بعد انقلابات

 في ايران، حتى ان اقرب شخص الى الامام خميني ( قطب زاده) قد اعدم على يد الملالي

الجدد.

 

 

ثم بدأت القلاقل تحدث في المجتمع العراقي، على الرغم من ان معظم العراقيين كانوا متأكديين

من ان مجيء صدام حسين على الحكم لم يكن اعتياديا ، بل انقلابا داخليا، الا ان متطلبات

حصول الحرب بين العراق وايران كانت قد اعدت تماما .

 

فمن جانب الثورة الاسلامية بقيادة الامام خميني ارادت تصدير ثورات شبيه لها الى بلدان

 الشرق الاوسط وبقية الدول الاسلامية وبالاخص العراق الذي هو المعقل التاريخي للمذهب

الشيعي قبل ان تصبح ايران شيعية ( تاريخيا ايران تشعيت على يد اسماعيل الصفوي في

القرن السادس عشر).

 

 

ومن جانب الاخر بدأ صدام حسين بحملته بتقديم تحفيزات ومنح لتشجيع الشباب للانخراط

والتطوع في صفوف القوات المسلحة براتب ضعف الموظف مع منح سيارة برازيلي وقطعة

ارض وقرض للبناء كذلك ادخل تدريب الطلبة بصورة الزامية من مرحلة الاعداية والجامعات.

وبدا صدام بشراء الاسلحة الغربية والشرقية ومن عالم الثالث.

 

 

المهم في ذلك الربيع بدأت شرارة النزاع بين ايران والعراق، فحدثت انفجارات في الجامعة

المستنصرية وفي بعض شوارع بغداد .رد صدام عليهم بقرار ترحيل عدد كبير من الاكراد

 الفيليين والايرانيين والعراقيين الذين لم يكونوا يملكون الجنسية العراقية والذين كانوا

يعيشون في العراق منذ عقود طويلة.

 

 

في نهاية شهر اب سنة 1980 بدأت المناوشات العسكرية على الحدود، في الرابع من ايلول

بدات عمليات القصف بين الطرفين وفي 22 ايلول اعلنت الحرب بين الطرفين، ودخل الجيش

العراقي الذي كان متهيء لانجاز مهماته المحددة التي كانت تتلخص اعادة الشط العربي

والاراضي التي استقطعت من العراق في قاطع خانقين ومندلي (حوض سومار) حسب معاهدة

جزائر سنة 1975 بين صدام حسين وشاه ايران وبإشراف الجزائر وبرضا الولايات المتحدة

و على حساب الثورة الكردية وقائدها الملا مصطفى البارزاني.

 

 

حسب تصريحات السياسيين العراقيين في تلك الايام (من امثال طه الجزراوي وطارق عزيز

 وسعدون حمادي) ان مدة الحرب في فكر صدام حسين لن تطول اكثر من اسبوع واحد

 وتتدخل الامم المتحدة ودول عالم الثالث ومؤتمر الاسلامي ويتم حل النزاع بين الطرفين

بالمساومة والسياسة مرة اخرى.

 

 

لكن الحرب العراقية الايرانية اصبحت فيما بعد مصيبة كبيرة للعراقيين، فالامام خميني رفض

اي نوع من المفاوضات بل لم يعد يريد مفاوضات وصدام حسين من الطرف الاخر كان يزيد

زيغير من شروطه. بعد هذا مضت ثمانية سنوات من القتال بين الدولتين .ففقد العراقيون

مليونين من ابنائهم بين شهيد ومفقود ومعدوم واسير( بعض المسيحيين الاسرى لم يعدوا

لوطنهم لحد الان، لانهم اجبروا الاستلام او الموت).

 

 

المهم في 8/8/1988 وافق الامام خميني على وقف اطلاق النار وقال في حينها بما يشبه كان

يفضل شرب السم من التوقيع على وقف اطلاق النار مع صدام حسين.

 

 

النتيجة من الناحية المبدئية هي انتصار العراق في الحرب، فنجح صدام حسين في صد الثورة

الاسلامية اعلامياً ( هذه حقيقة شئنا ام ابينا وارجو المعذرة ممن لا يتفق معي) وحفظ الجيش

العراقي وصدام حسين عرب الخليج الذين يتنعمون الان بالميارات ويتسابقون في بناء اعلى

ابراج في العالم من الزوال . لكن فكرة تحقيق (اصدار) الثورة الاسلامية للعراق لم تنتهي، بعد

 مرور سنوات قليلة مات الامام خميني، والعراق وقع في مأزق دولي جديد بعد ان ضرب

صدام حسين ثوار الاكراد والمعارضة العراقية من المسيحيين والشيوعيين واليزيديين في

حلبجة وفي الانفال بالاسلحة الكيمائي في جبال كردستان..

 

 

حينها نسى صدام حسين ان الغرب وبالاخص امريكا هي التي قررت ان تنتهي الحرب مع

 ايران لصالحه بضربها سفينة ايرانية تراقب السفن التجارية في الخليج العربي و مساعدته

لتحرير فاو عن طريق تزويده بمعلومات مهمة عن مواقع الجيش الايراني عن طريق الاقمار

 الصناعية. فراح صدام حسين يظهر يوميا في بدلته العسكرية مسده على خصره ، على

شاشة التلفزيون ولساعات طويلة في اجتماعات وخطابات فارغة بعيدة عن الواقعية. ما زاد

 الطين بلة هو ان الدينار العراق اصبحت قيمته درهم كويتي، كذلك اعدم الصحفي البريطاني

 الايراني الاصل بازوف وقضية منع تصدير متسعات ضمن برنامج النووي الذي كا  ن العراق

 يريد اعادة بنائه في تلك السنين. شعرصدام حسين الذي كان يظن اصبح قائدا للامة العربية

( بسبب حصول اول انتصار عربي في عصر الحديث على يده) ان عمليات الغدر تحوم حوله

مرة اخرى ، وبالاخص من قبل اسرائيل و ابناء اعمامه الخليجيين الذين انقذهم عن طريق

دماء ابناء العراق وابنائه من السقوط تحت اقدام الثورة الاسلامية.

 

 

راح صدام حسين يطالب سرا وعلنا دعما للدينار العراقي، و اعفاء الديون التي اعطاها اهل

الخليج له اثناء الحرب، في نفس الوقت كان العرب يزداد خوفهم منه يوما بعد يوم، وكانت

 امريكا تهمس في اذنهم سرا عن المخاطرالقادمة في حالة عودة القوة العكسرية والقوة

المالية ليد صدام حسين، كما ان قضية كويت التي اعتبرها معظم قادة العراق بعد الجمهورية

 انها عراقية الاصل.

 

 

بعد ان غدرت السفيرة الامريكية صدام عن طريق عباراتها الغامضة المبهمة حول موقف

 الولايات المتحدة عن الخلاف الذي كان موجود بين العراق والكويت، وقع صدام في الفخ،

فحدث مالم يتوقع اي شخص في العالم ان يحدث، ففي اليوم الثاني من ايلول سنة 1990 وفي

 الساعات الاولى من الصباح، دخل الجيش العراقي حدود الكويت الدولي وخلال ساعات وصل

بدون سابق انذار الى مركز المدينة، وهربت العائلة الحاكمة هناك بعد وشى احد الضباط

العراقيين لهم الخبر مقابل صفقة كبيرة من المال. فاصبحت كويت عراقية بين ليلة وضحاها،

ادان العالم هذه العملية وطالبت جميع الدول الانسحاب بدون قيد وشرط.

 

 وكادت عملية انسحاب تتم بسلام بعد حصول تفاهم بين قادة العرب، الا ان عدم وجود الثقة

بينهم الت الى استمرار الوضع على حاله.

 

 

منذ اليوم الاولى فرض حصار عالمي على العراق والذي طال 13 سنة فيما بعد الى 2003،

بعد خمسة اشهر كان العالم بقيادة امريكا قد هيأت جيشا جرارا مكون من 32 دولة في اراضي

 السعودية. على الرغم من ان جميع دول العالم كانت تطالب بحل المشكلة سليما الا ان الامور

 اصبحت معقدة ودخلت القضية في مساومات دولية اقليمية وعالمية. صدام حسين الذي لم

يكن يطبق الا قاعدة واحدة في حياته التي هي عدم الوثوق بأحد، والهجوم خير طريق للسلم،

تركته ان يدفع ثمنا بالغة في هذه المرة.

 

 

في الساعة 12.30 صباحا من يوم 17 كانون الثاني سنة،199 اعلنت الحرب ضد العراق من

 القوات التحالف الدولي، و بدات هذه قوات التحالف الدولية بقصف مواقع الجيش العراقي في

 الكويت ومعسكراته داخل العراق عن طريق القاذفات العملاقة ب 32 والصواريخ الموجه عبر

 القارات من المحيطات. ظن الكثير من العراقيين ان امريكا صادقة معهم، انها سوف تقضي

على صدام حسين وتنتهي مشكلة العراق بمجيء حاكم اخر يكون عادل، هرب الكثير من

الجنود من الجبهة و لم يقاوم الجيش في هذه المعركة بسبب عدم وجود القناعة عند قادة

الجيش العراقي في قضيتها.

 

 

في 28 من شباط 1991 كانت الجيش العراقي خسر الحرب وعادت الكويت الى اهاليها.

العراقيون المعارضين في الخارج شكلوا جبهة معارضة عريضة، وقاموا بوضع بمحاولات

عديدة لاسقاط صدام حسين لكن لم يفلحوا ابدا.

 

 

بعد ان ضربت القاعدة برجي مدينة نيوورك في 11 ايلول 2001، عاد صدام حسين الى

الشاشة السياسية العالمية، خافت امريكا وبريطانيا منه قد يكون زود او سيزود جماعة

القاعدة الارهابية بالاسلحة النووية او الجرثومية. فقررت الولايات المتحدة اسقاط صدام

حسين وان لم يكن السبب مقنع للجميع العالم و لا الوقت لصالحها.

 

 

سقطت بغداد على يد القوات الامريكية في 9 نيسان 2003، واختفى صدام حسين وقيادته من

 الوجود، في هذا الاثناء جاءت المعارضة العراقية (الحكومة الحالية) لتستلم الحكم، او تشارك

 الحكم مع الحاكم العسكري الامريكي بريمر.

 

 

نحن الان في نهاية سنة 2010 اي بعد سبع سنوات من ااستلام القادة الجدد السلكة في

العراق وحصول ثلاثة دورات انتخابية اي تشكيل ثلاثة حكومات ونجاح التصويت على

الدستور العراق الجديد. لكن بوادر حصول استقرار في العراق لازال بعيدا في نظر الشعب

العراقي.

 

 

ففي هذا الاسبوع ظهرت بوادر وعلامات غربية وخطرة على مستقبل العراق. حينما قررت

مجلس محافظة بغداد غلق النوادي والجمعيات في مدينة بغداد بحجة الدعارة وشرب الخمر

 فيها كما كان حصل في البصرة قيل سنين و كذلك حرم الموسيقى والغناء في مهرجان بابل.

 الامر الذي يخالف الدستور وحق الحريات المحفوظ لهم.

 

 

وما زاد الطين بلة هو خروج اصوات من المراجع الدينية الشيعية مؤيدة لقرار مجلس محافظة

وكأنهم يقولون ان العراق اصبح تحت ولاية الفقه او ان المراجع الدينية هي التي تقرر مصير

 الدولة، وان الدستور ورقة فارغة لا قيمة لها حسب العرف الدولي و ان مواثيق التي وقع

العراق عليها في الامم المتحدة والمحافل الدولية كلها باطلة. كذلك سكوت رئيس الحكومة

ورئيس الجمهورية والاحزاب الكبيرة وحتى المحكمة الدستورية التي لم تنطق بشيء لحد الان

 عن هذه القرار، فقط الكتاب والمفكرين العلمانيين والديمقراطيين والاقليات اظهروا

معارضتهم لهذا القرار.

 

 

السؤال الذي بدأ يساله كل عراقي الان، هل اصبح العراق على مفترق الطرق فعلا؟ هل ان

الاختلافات التالية ليست خطرة على وجوده :-

 

 

1- ان الحكومات السابقة لم تكن مستقرة ولا الحكومة الاتية ستكون مستقرة، لان بنيتها

الاساسية هي على الطائفية والمذهبية والقومية وان الوزارات اصبحت هي حصص للاحزاب

 الكبيرة حسب نسبة اصواتهم كما كانت حصص تموين في زمن صدام حسين معتمدة على

عدد افراد العائلة. اي اي هي حكومة توزيع العلاوات وليست حكومة حماية الحريات والحقوق

 والدستور والنظام؟

 

 

2- ان الدستور على الرغم من وجود نقص ونقائض فيه، لكن فيه فقرات تحمي حرية الراي

 والفرد والعبادة والتعبير. لكن من يحفظ هذا الحق الدستوري من التزوير؟ هل المحكمة العليا

في الدولة تستطيع قول كلمتها في هذا الصدد؟.

 

 

3- وجود خلاف كبير بين حكومة اقليم كردستان والحكومة المركزية حول قضايا كبيرة

ومهمة وجوهرية لها ارتباط بمستقبل العراق ووحدته.

 

 

4- ضرب وتهجير الاقليات في العراق من قبل أيدي خفية و ظاهرة السكوت مطبق من قبل

مسؤولي الحكومة بالاخص نوري المالكي الذي عاهد بإنزال اشد العقوبات بالمجرمين في

مناسبات عديدة. لكن في الحقيقة لم نرى اي شيء عملي لهذه الوعود سوى اعلانات وبيانات

 اعلامية فارغة. الامر الذي ادخل الشك قلوبنا جميعا حول مصدقية اقواله.!!!

 

(فمثلا المسيحيين الذين كان يتجاوز عددهم مليون وثلاثمائة الف نسمة، لم يبقى فيها الا

اليوم الا اقل من نصف مليون، اغلب هؤلاء موجودين في المناطق الشمالية في منطقة اقليم

 كردستان).

 

 

نستلخص من قراءة هذه الاحداث التي طالت ثلاثين سنة، ان العراق في هذه الايام يمر في ايام

حرجة ، فهل سيصبح دولة اسلامية على غرار الجمهورية الاسلامية في ايران؟ ام سيحافظ

على نهجه ومسيرته في التاريخ، اي العيش المشترك لجميع الاقوام والاديان والمذاهب

والفئات العراقية بدوت تميز؟؟.

 

 

اما اذا استمر اصوات رجال الدين تعلو بتأيدها لرئيس مجلس محافظة بغداد، فلن يكن هناك الا

 تفسيراً واحداً له كما يبدو لنا، هو نجاح الثورة الاسلامية في ايران بقيادة خميني من بعد

ثلاثين سنة من تصدير ثورتها الى العراق!! . الامر الذي يجعل كل العراقيين قلقين ويتسألون

هل الشعب الايراني الان راضي عن مسيرة ثورته كي ينتقل الى العراق؟ ام ماذا اختلف الامر

لناس العاديين بين حكم صدام ودكاتوريته وبين نظام ولاية الفقه الذي يرديون تطبيقه .

 

 

لكن السؤال الاهم هو هل لازالت الديانات السماوية وبالاخص الاسلام منها، تظن تستطيع

فرض الايمان على الانسان بالقوة في هذا العصر، وهل الايمان بالقوة هو ايمان؟!!. وهل هذه

هي ارادة الله نفسه؟ ام ان مسؤولية رجال الدين تختصر في الوعض وتعليم الانسان للابتعاد

عن كل انواع الشرور واعمال الفاحشة منها قتل الانفس البريئة والالتزام بتعاليم ديانتهم

بدون الضغط او الجبر او توجيه اي تهديد لاحد–

عن الكاتب

عدد المقالات : 49

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى