هل من زلزال آخر يا عراق؟


كفاح محمود كريم
كفاح محمود كريم

كفاح محمود كريم

 

     في العراق انتهى عصر الرئيس القائد والضرورة رغم انه هناك من يريد دكترة دولة الرئيس او فخامته او سعادته وتكثيف بعض السلطات بيده او تحت إمرته، الا انه لم تعد هناك آليات وارضيات لقبول حكم مركز بيد شخص واحد او حزب اوحد او نظام بذاته وذلك لاتفاق الجميع على مرجعية وقانون عام هو الدستور العراقي الدائم، وهذا ما يفرح فعلا ويبعد تماما فكرة انجاز أي انقلاب يحاول السيطرة على كل البلاد، أو مركزة الحكومة والسلطات بيد شخص ما او مجموعة حزبية او قومية تخرج علينا بما كان يسمى دوما في فلكلورنا وموروثنا السياسي بـ (مجلس قيادة الثورة)، ورغم ان أي تغيير في طبيعة النظام ارتبطت بحدوث عمليات للنهب والسلب كما فسرها احد الفلاحين وهو يسأل عن طوابير الاهالي المتراصفة في انتخابات كانون ثاني 2005م حينما قلت له انهم ينتخبون مجلس للنواب وحكومة جديدة فضحك قائلا: 

 

  يعني هم راح ايصير خوذ وماخوذ وفرهود مرتللخ !؟

 

   الا ان انتخابات اذار 2009م اثبتت ان التداول السلمي للسلطة ممكنا في العراق دون ان ترافقه عمليات الفرهود والحواسم بشكلها الذي شهدناه سابقا.

 

     ومع ذلك استطاعت القوى المضادة من انشاء عناقيد طفيلية متعددة لا على المستوى السياسي فحسب، وانما في ميادين اخرى ايضا على شكل دكتاتوريات وكارتلات مالية واقتصادية نشأت طفيليا بشكل عمودي وانشطرت افقيا في ظل ظروف انهيار الدولة ومرحلة التأسيس من خلال الأحداث التي وقعت بعد الاحتلال مباشرة، وبروز طبقات تمكنت من استغلال الصراعات والفوضى للاندساس الى مفاصل الدولة وبناء اهراماتها المالية في الفساد والإفساد، حتى نجحت بالاستحواذ على رؤوس اموال ضخمة مكنتها من التأثير الجدي على حركة الحياة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا مما ادى الى توصيف البلاد بانها واحدة من البلدان الاكثر فسادا وفشلا!؟

 

   لقد كان في العراق عوجة واحدة وهي قرية الدكتاتور السابق، تحولت في عصره الى أم القرى وما تعنيه من امتيازات في كل شيئ، فيها وعلى اطرافها عشيرة او اسرة واحدة متنفذة وبيد افرادها زمام السلطة والمال، وحزب متسلط ومستحوذ على كل شيئ في البلاد، ودكتاتور واحد بيده كل مفاتيح الدولة والشعب، فاصبح لدينا اليوم عشرات العوجات التي ينتمي اليها زعماء القبائل السياسية وكتلها واحزابها وبالذات التي ولدت وترعرت بعد الحواسم، اضافة الى عشرات العشائر وشيوخها وافخاذها التي تحولت الى جيوش للصحوة والاسناد وميليشيات دينية او مذهبية او قاعدية، ولم يعد العراق يكفيه دكتاتور واحد فاصبح لكل من هؤلاء دكتاتور على مقاسه؟  

 

    صحيح ان الفرهود بشكله المعروف لم يحصل بعد الحواسم، الا ان الفرهوديين والحواسميين استطاعوا تطوير تلك المفاهيم والياتها بحيث نجحوا في تحقيق نتائج باهرة فاقت ما انتجوه في فرهودات الأربعينات  ببغداد او في الستينات في كركوك او نهاية الثمانينات في كردستان واخيرا في الحواسم، فهم يفرهدون البلاد باكملها تحت يافطات مختلفة اقلها بل اكثرها رقة وحنان مرتبات ومخصصات ونثريات الرئيس ( بكل انواعه ) ونوابه، والوزير وعضو مجلس النواب ومجلس المحافظات ومن هم بدرجتهم ليوم الدين ( التقاعد ) وكل ذلك بقانون ولكن خارج قانون الخدمة والتدرج الوظيفي وسنوات الخدمة ونوعها كما هو معمول به في كل دول العالم، وكما انه لا يشبه أي معدل او متوسط او سقف اعلى لمعاشات أي رئيس او مسؤول في العالم اذا تتراوح مرتبات او مخصصات أي من الرئاسات الثلاث ما بين ( 360000 الى 700000 دولار سنويا ) فقط،  حسبما ذكرته النائبة شذى الموسوي، وتناست انها ايضا تتقاضى مع 324 نائبا آخر ما يقرب من 25 الف دولار شهريا أي بما مجموعه 300 الف دولار سنويا لكل نائب وتصور كم هي مرتبات ومخصصات مجموع اعضاء مجلس النواب؟ وفي هذا الصدد يعلق احد المراقبين في جوابه عن ضخامة تلك المعاشات والمخصصات انهم انما يقلدون رئيس النظام السابق حينما كان يعطي راتبا ضخما للقاضي لكي لا يرتشي او يتم اختراقه، فتبين بعد سنوات ان اعلى نسبة في الارتشاء كانت عند اصحاب الرواتب والمخصصات الكبيرة سواء كانوا قضاة او محافظين او جنرالات!؟

 

     يبدو واضحا اليوم ان ما يحدث في كثير من البلدان من انتفاضات مرده ليس مشكلة الديمقراطية وتداول السلطة فقط، بل اكثر ما يجعل الناس تحرق اجسادها هو العوز والفاقة والفوارق الهائلة في مستويات المعيشة بين الاهالي وانعدام العدالة الاجتماعية والاقتصادية وتدهور الخدمات، ولذلك يعتقد الكثير من الناس ان البلاد تحتاج فعلا الى زلزال شعبي توقده هذه التناقضات والاحباطات التي انتابت الاهالي وهم  يزدادون فقرا وبؤسا بينما تتعملق تلك الطفيليات فتصبح حيتانا وديناصورات، زلزال شعبي يحدثه حماة الدستور والمخلصين للعراق الجديد، يسجل هزة ربما تتجاوز درجات مقياس ريختر التي اعتدنا عليها في قياس ارتجاج الارض، زلزال تصاحبه عواصف تجرف اهرامات الفساد والفاسدين الذين سرقوا احلامنا وامنياتنا طيلة نصف قرن من العبودية والاستبداد، زلزال يطبق الارض على اولئك الذين كانوا اكثر الناس فائدة من تلك العقود الغابرة واكثرهم عمالة وارتزاقا لكل الانظمة الساقطة منذ تأسيس الدولة وحتى سقوط نظامها السياسي في نيسان 2003م، فاصبحوا اليوم قطعانا من الحيتان والديناصورات التي تسحق امامها الاخضر واليابس منذ سبع سنوات عجاف. 

 

kmkinfo@gmail.com

 

عن الكاتب

عدد المقالات : 41

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى