هاجس العودة و الانتقال الزمكاني قراءة في قصيدة للشاعرة انتصار مشراح / بقلم هايل المذابي


نادي بابل

 

تقول الشاعرة انتصار حسن مشراح في بيتين من الشعر و هما الفائزين بجائزة كتارا تويتر للشعر الفصيح للعام 2015 :

أيا عمر عد بقديمٍ ذهب

أعد لي دُماي و خيل الخشب

شرائط شعري أعدها إليَّ

أعد للضفائر لون الذهب

الشعر يقتضي تفجر مشاعر و اندياح خيال و من الجميل أن يتخيل الشاعر نفسه ملكاً كل شيء امتداد لذاته حتى الزمن يصبح عجينة يصنع منها ما شاء له و لعل فعل الأمر في صدر البيت الأول من هذين البيتين ” عد” يؤكد هذا بل و الأكثر منه التعبير عن الرفض و التمرد على العمر الذي لا يتوقف أو يعيد لنا ما تسلبه السنون من لحظات جميلة و مواقف فرحة، إنها حالة تشبه البكاء على الاطلال في الشعر القديم..

إن العمر و الصحة هما الشيئان اللذان يستحيل تعويضهما أو استردادهما من يد الزمن إذا سرقتهما، إنها قشة الغريق التي يتناجى بها و يواسي نفسه بها في أزمنة الغرق و مدن الغرق، هي حالة رثاء للذات و لعل الكثير مما يطلبه الشاعر أو قليله لا يغير في الأمر شيء لأن المجموع يساوي المستحيل كقول العرب ” حتى يؤوب الضب ” أو حتى يشيب الغراب أو حتى يشرب الضب دلالة على المستحيل و اللا ممكن..

إن الهوس الذي أصيب به العالم الحديث في ظل الطفرة العظيمة للتكنولوجيا جعلت الأثرياء يبحثون عن أكسير الحياة الذي قد يزيد منه إن لم يكن الخلود هو الهاجس الذي يسكن رأس كل صاحب مال و ترف و لعل صبغات الشعر لمن نالهم الشيب و مظاهر الشباب و الحلم بعودته في عوالم الماكياج لها دلالة عظيمة على ذلك و لا أنسَ الأفلام السينمائية التي تروج لذلك الحلم ، حلم الحصول على الاكسير و طول العمر..

ولعل السينما هي أكثر لون فني تناول هذا الموضوع فمثلما انشغل الإنسان بفكرة الطيران كان هاجس اعادة الزمان للوراء حلما لم يراود النساء الراغبات من خلال الماكياج بنظارة أطول فقط و إنما البشر جميعا و قد غازلت السينما فضاء الزمان في اكثر من فيلم استدعت فكرة «آلة الزمن» المستقبلية أو بالعودة للخلف والماضي ثم الانتقال للحاضر، أو حتى بالانتقال الزمكاني كما تجسد مثلاً في فيلم الأوحد the one  و فيلم الشاطئ THE BEACH أو فيلم فورست غامب و مسلسل fring و حتى نظريات العلماء كانت في بعض أطيافها تطمح لذلك فنظرية النسبية لإينشتاين تنبأت بالثقوب الدودية و الإنتقال الزمكاني و الأكوان المتعددة مستلهمة من كتاب للإطفال لأحد الكتاب و يدعى دود جسون و سميت النظرية باسمه و قد قال أحد العلماء أن السحر علم المستقبل و عودة الزمن و الانتقال الزمكاني هو ضربٌ من السحر كما يراه العالم لكن سيصبح في المستقبل علماً و قد ألف كتاب عرب روايات و قصص تعبر عن هذا الشغف و اعتبروا ذلك نبوءة بالمستقبل و ما سيؤول إليه و منهم سناء الشعلان في روايتها “أعشقني”.

و كنموذج لذلك أيضاً نجد فيلم ” الحالة الغريبة لبنجامين بوتن ” الذي تجسد من رواية لمؤلفها: سكوت فيتسجيرالد F. Scott Fitzgerald إلى فيلم سينمائي يعلم الكثير من الدروس الفلسفية والوجودية و بخاصة تقبل الحياة بدون الاحساس بالوقت فيها ناهيك عن انه مدرسة حتى في الإكسسورات التي لا نعطيها حقها في العالم العربي عامة بمعنى اننا غالبا ما نكتفي بالحديث عن الزمن ولا نراعي ما حاوله ومشتقاته كالملابس والأزياء التي تذكرها الشاعرة في البيتين بل إنها إحالة عظيمة يمكن أن نعتبرها رابطاً يجعلنا نتخيل مشهداً بأكمله بل حياة بأكملها.

إنها حالة رفض تعيد ترتيب الزمان و المكان وفقاً لما نحب أن تكون عليه حياتنا تشبه الحديث عن الحياة الثانية التي يروج لها فضاء الانترنت بما فيه من عوالم افتراضية..

بقلم / هايل المذابي

عن الكاتب

عدد المقالات : 7493

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى