نعم الكلدان بحاجة الى التذكير بأصولهم وتراثهم


الدكتور عبدالله مرقس رابي
الدكتور عبدالله مرقس رابي
 
 

استاذ في علم الاجتماع

   يخضع المجتمع البشري بحكم عوامل حتمية التغير الى جملة من المؤثرات التي تحوله من حالة الىاخرى. وقد تختلف هذه المؤثرات زمانيا ومكانيا بحسب طبيعتها وقوة تأثيرها ومدى مقاومة العوامل الداخلية المحافظة لتلك المؤثرات.وبحكم هذا التغير فان العناصر الحضارية التي تتكون منها الحضارة تتبدل لكي تنسجم مع الواقع الجديد للمجتمع.
    كانت الاسرة في المجتمع التقليدي هي المؤسسة الاجتماعية الاساسية التي تقوم بوظيفة الحفاظ على التراث ,لكن بحتمية التغير المشار اليه تحولت العديد من وظائفها الى المؤسسات الاخرى كالمؤسسة التعليمية والاعلامية والسياسية مثل التعليم والاقتصاد والترفيه, واقتصرت على تأدية الوظائف العاطفية والجنسية والانجاب. اما الحفاظ على التراث فكانت الاسرة تقوم كليا بتادية هذه الوظيفة الهامة بالنسبة لموضوعنا (التذكير)قديما انما اقتصر هذا النشاط في التأثير على شخصية الابناء في الفترة المبكرة من عمرهم.ولكن عند مشاركتهم في الانشطة المختلفة عبر المؤسسات الاجتماعية تؤثر في مواقفهم واتجاهاتهم نحو موضوع الاصل والتراث والانتماء,وقد تتفق مفاهيمها مع تلك المفاهيم التي تلقاها الفرد من اسرته فتزيدها دعما واصرارا او قد تختلف معها فتؤثر عليه سلبا .اذ ان بعض الاسر مثلا لاتهتم باي شكل من الاشكال بتنمية روح  الانتماء القومي والاعتزاز بالاصل والتراث وحتى احيانا باللغة التي تحدث بها اجدادهم في تريية الابناء ,وهذه تعتمد على مدى وعي الوالدين باهميتها,او بسبب الاتجاهات السياسية لهما التي لاتكترث اهمية لهذه الظواهرالاجتماعية,وقد تضطلع  الضغوط السياسية السائدة في البلد وفلسفة الحزب الحاكم كما كانت الحال في عهد النظام البائد دورا مهما في تغيير المفاهيم القومية لدى الافراد,وما الزام المواطنين من الكلدان والسريان والاثوريين في تسجيل القومية العربية في خانة القومية الا نموذجا واضحا لدور الضغوط السياسية في التأثير السلبي في مواقف الافراد.ويضاف على ذلك مكونات المادة الدراسية في المدارس التي توضع مناهجها تأثرا بفلسفة الحزب الحاكم,وهذا ما جرى ايضا في عهد النظام السابق.ونتمنى بهذه المناسبة ان لاتحاول اليوم بعض الجهات بالضغط السياسي في الزام المواطنين على تدوين القومية التي تتفق ومصالحهم السياسية في العراق الذي يخطو خطوات في الديمقراطية .وان تتذكر تلك الجهات كيف عانت من هذا الضغط في التعدادات السكانية السابقة.
   ومن العوامل المهمة التي تدفع المسؤولين الى التذكير للاصول القومية والتراث ,الاوضاع السياسية السائدة حاليا في البلد ,تلك الاوضاع التي افرزت المفاهيم الدينية والقومية في تشكيل الاحزاب السياسية ورسم سياسة البلد الداخلية والخارجية وفقا للتقسيم الطائفي والقومي .فما على الكلدان الا انماء الروح القومية والوطنية لكي تمكنهم التواصل والتكيف مع هذه الاوضاع .
   ان الكلدان لايتساوون في مشاعرهم القومية ومعرفة الاصول القومية والتراث- هذا ينطبق على كل الاقوام- بحكم قانون الفروق الفردية, وذلك لتأثير العوامل المشار اليها ,وعليه نرى ان العديد من الاشخاص بحاجة الى التحفيز الغرائزي النفسي للتذكير باصولهم القومية وتراثهم.فهناك من لايميز بين الدين والقومية والطائفة ,وغيره لايعير اهمية لاصوله القومية واخر ليس له المام بالتاريخ لكي يمكنه من التعرف على انتمائه القومي,وبعضهم لايتكلمون لغتهم القومية لاسباب متعددة منها التنشئة الاسرية والخوف السياسي والتغيير الديني فهناك من المسلمين في جنوب العراق مثلا لهم مشاعرهم للانتماء للقومية الكلدانية بالرغم من ذلك لايتكلمون الكلدانيةالمعاصرة  .
   من غرائب الامور عند بعض الكتاب يترفعون عن مسالة تذكير الكلدان بانتمائهم القومي لان الكلدان ليسوا بحاجة لذلك,انما في كل المناسبات والمقالات التي تنشر من قبلهم يشتكون ويتذمرون من رجال الدين في كنيستنا الكلدانية الكاثوليكية لانهم يمارسون الطقوس الدينية ويقيمون الصلاة باللغة العربية واستبدلت الاناشيد والالحان التراثية التي ابدعوا اجدادنا بتنظيمها باخرى غريبة على ذوقنا ومسامعنا ولايشجعون على تدريس لغتنا.الايستحق هذا تذكير بتراثنا واصولنا الكلدانية؟
وهذا يعني بوضوح ان رجال الدين بحاجة الى التذكير بالتراث,فكيف الحال عند البسطاء من افراد شعبنا الكلداني ياترى؟ وعليه يجب ان نركز على ما نكتبه لكي لانقع بالتناقض في التفسير.
    ان مسألة التذكير بالتراث والانتماء القومي مهمة جدا اذ نرى سنويا وبشكل ثابت تقوم الحكومات الوطنية باقامة ودعم مشاريع المهرجانات السنوية التي تبرز التراث الشعبي على مستوى الوطن وتقام ايضا مهرجانات محلية في كل مدينة وقرية للتذكير بالانتماء القومي والاعتزاز بالتراث الشعبي للاجيال الحالية .و نجد في معظم البلدان مراكز علمية اكاديمية مختصة بالحفاظ على التراث وادامته ,وما فائدة مثل هذه الانشطة الا التحفيز للانتماء القومي والوطني لافراد المجتمع.
   ولما ان هذا الموضوع قد طرح بمناسبة التعداد السكاني المزمع اجراؤه في العراق قريبا ,اذا نحن بحاجة ماسة جدا بان تقوم احزابنا القومية الكلدانية بتذكير الكلدان باصولهم العرقية وتراثهم وامجادهم واهمية التاكيد على تثبيت القومية الكلدانية في استمارة التعداد السكاني وابعادها السياسية والاجتماعية ,وذلك عن طريق مختلف الوسائل الاعلامية لتحقيق الوعي القومي لابناء شعبنا ,ذلك الوعي الذي يدعم وجودنا القومي على ارض اجدادنا. اذ ان التعداد السكاني سيبين للجميع الثقل الديمغرافي للكلدان في العراق, وفي ضوئه ستعالج العديد من القضايا التي تهم شعبنا الكلداني. فالاحزاب السياسية والمنظمات المدنية الكلدانية الاخرى هي البديلة عن الاسرة اليوم لتقوم بهذه الوظيفة الاجتماعية .

عن الكاتب

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى