من يقف وراء تهميش الكلدان وماهي الخيارات السياسية لشعبنا؟


الدكتور عبدالله مرقس رابي
الدكتور عبدالله مرقس رابي

النص الكامل للمحاضرة التي القيت في ندوة مشيكن في 9/3/2012
برعاية المنبر الديمقراطي الكلداني الموحد

الجزء الاول

د. عبدالله مرقس رابي
استاذ وباحث اكاديمي

ساتجاوز في هذه المحاضرة من تقديم شرح مفصل عن الكلدان، لان وجود الكلدان اصبح جليا منذ بدء الحضارة البشرية قبل الاف السنين في بلاد النهرين، هذا ما أكدته التنقيبات الاثرية لمختلف الفئات من الاثاريين، واقصد الكتاب الوطنيين، الكتاب المستشرقين والكتاب من مفكري شعبنا. وحصل ان جماعة بشرية توجهت شمالا من جنوب بلاد النهرين واستقرت في موضع الذي يطلق عليه اليوم “الشرقاط” حيث الاله اشور يتعبد هناك من قبل السوبارتيين، فسميت تلك الجماعة البشرية نسبة اليه “الاشوريون”. وأما السريان فهي تسمية حديثة اطلقت على الاراميين اي الكلدان الذين عاشوا في الجزيرة العليا من بلاد النهرين فيما بعد، قد تكون قبل دخولهم المسيحية أو بعدها واني ارجح الرأي الثاني.

على كل حال منذ عام 1998 بدات الكتابة والبحث عن الاثنيات الثلاث وحصلت لي قناعة تامة وهي: ان تراكم العوامل التاريخية والسياسية والاجتماعية والانثروبولوجية في بلاد النهرين سبب التملغم البايولوجي والاقتباس الحضاري في العادات والقيم والتقاليد لتعاقب الحضارات الوطنية والاجنبية. مما أدى في النتيجة تاريخيا واجتماعيا وسياسيا ظهور جماعات اثنية ثلاثة وهم الكلدان والاشوريون والسريان في بلاد النهرين المعاصر. وعليه انطلاقا من فلسفة علم الاجتماع ومنهجيته اشير دائما في طروحاتي الى ان مسألة الانتماء القومي يجب ان تترك للفرد، فهو تحت تأثير ما تلقاه من التنشئة الاجتماعية التي ستحدد مشاعره القومية وهذا فعلا ما حصل ويحصل، ولا يجوز فرض عليه المشاعر القومية فذلك ضد المبادىء الاجتماعية والقوانين الوضعية. واني اتعامل في التعاطي مع هذه الاثنيات وفقا لمبدأ الاحترام المتبادل للمشاعر القومية للاثنيات الثلاث، وأما اذا تلكأت احدى هذه الاثنيات من الاحترام المتبادل فحينها ستتلقى الرد الاجتماعي المماثل وفقا لمعطيات مبدأ لكل فعل اجتماعي رد فعل اجتماعي.

وقبل البحث في موضوع اسباب التهميش الذي نحن بصدده، لابد من تحديد معنى “التهميش”. فمن الناحية اللغوية لم نعثر في معجم لسان العرب عليها، ولا يمكن اجراء تصريفات الميزان النحوية الاربعة عليها المعروفة في اللغة العربية: فعل، يفعل، فعلا، فاعل.. أي همش، يهمش، مهمشا، هامش. ويشير علماء اللغة العربية الى عدم وجود معنى لكلمة همش، أما كلمة (هامش) تأتي اسم مكان ويرادفها كلمة “حاشية”. وتعني المساحة خارج الاطار الاحمر المعد للكتابة في الدفتر.

وقد استعملت كلمة التهميش مجازيا في الكتابات السياسية والاجتماعية والاقتصادية لتعني: غياب الاعتبار، القيمة، المعنى، عدم الاعتناء، حرمان المشاركة، والتجاهل. والتهميش بمعنى التجاهل يظهر بمستويات اجتماعية وعلائقية مختلفة، فمثلا يظهر بين الاصدقاء، الاقرباء، وبين أفراد الاسرة الواحدة، وبين الجماعات الدينية، الجماعات العرقية، المستويات الفكرية، الايديولوجية، والطبقات الاجتماعية، أي بمعنى الاهمال واللامبالات لفرد تجاه الاخر أو جماعة تجاه الاخرى في المجتمع، ويفسر التهميش عدم الاعتراف بالجماعة أو الفرد، أي بوجودهما، وعدم اعطاء الفرصة ولو بسيطة لتقديم ما يمتلكون من قدرات ذاتية على جميع الاصعدة. فيجد أحد الاطراف انه مهمش، أي أنه موجود كوجود فعلي ولكن مبعد من مزاولة العمل المجدي والحقيقي. وهذه الظاهرة تحصل نتيجة وضع الطرف المتسلط الاقوى العراقيل أمام الطرف الاخر مما يحبط عنه فرصة العمل أو طرح الأفكار، أو المشاركة بمختلف أنواع الاعمال وابعاده عن المركز تجاه الاطراف.

يبدو واضحا ان استعمال مفهوم التهميش يأتي في المناسبات والاحداث والعلاقات والظواهر السياسية، سواء على المستوى العالمي أو المحلي، فمثلا نجد ان الدول الكبرى التي تبحث عن مصالحها مع الدول الاخرى تهمش تلك التي لا تؤيد سياستها الخارجية، وتبعدها من عملية صناعة القرار السياسي على المستوى العالمي. فالدول المهيمنة والتي تمتلك القوة العسكرية والاقتصادية والنفوذ السياسي تعتبر المركز، وأما الاخرى فهي على الهامش في كل المحافل والعلاقات الدولية، وهذا ما نلاحظه جليا في علاقة الولايات المتحدة الامريكية ودول العظمى الاخرى في تعاملها مع البلدان الاخرى وحتى على منبر الامم المتحدة وما يرتبط بها من المنظمات والمؤسسات.

وأما على المستوى المحلي في عالمنا اليوم يبدو أن المجتمعات التي تدار الديمقراطية فيها بشكل حقيقي تخلق توازنا في القوى السياسية بحيث انها تشارك بصناعة القرار على حد ثقلها وامكاناتها ورضى الشعب عنها والذي يلعب دورا مهما في مؤازرة حزب سياسي دون آخر معتمدا على البرنامج السياسي الذي يطرحه ذلك الحزب. وأما البلدان التي لا تتحقق الديمقراطية في تداولها السياسي، فهي على نوعين: الاول ذات الانظمة الدكتاتورية التي تعتبر كل الجماعات غير الموالية للنظام في موضع التهميش. وأما النوع الثاني تلك الحكومات التي تتعاطى مع الديمقراطية لكن بطريقة عبثية، فتحاول الجماعات الاكثرية الاستحواذ على نظام الحكم ولو بتدبيرات تهديدية واستفزازية وتسلطية، فتصبح الجماعات الاخرى مهمشة، فكل جماعة سياسية أو دينية أو مهنية، واجتماعية لم تحصل على حقوقها ومشاركتها الفعالة بادارة البلد تشعر بالتهميش. وبعبارة أدق ان الديمقراطية في البلدان النامية لم تستند على الاسس الصحيحة لتطبيقها فهي هشة وقابلة نتائجها للتزوير طالما هناك الاكثرية المتنفذة.

وفي العراق امتاز الوضع السياسي قبل عام 2003 بنظام دكتاتوري اعتبر كل الجماعات السياسية هامشية في ادارته السياسية التعسفية، اذ تبنى فلسفة الحزب الواحد في ادارة شؤون البلد، فاصبح الحزب البعث الحاكم هو المركز وأما الباقون هم الاطراف المهمشة. وعلى أثر سقوطه في العام المذكور دخلت الاحوال السياسية في العراق طورا جديدا وشاذا بكل المقاييس السياسية، فعمت الفوضى لضعف المؤسسات القضائية والتنفيذية وظهور أحزاب موالية الى الانتماء الطائفي المتخلف وتضاعفت المحسوبية والتناحر على المناصب القيادية، وانتشر الفساد بانواعه المختلفة الاداري والاجتماعي والاقتصادي والمالي والتربوي.

الاخطر مما ظهر هو استغلال احزاب ذات التاثير السياسي الطائفي النظام الديمقراطي الجديد الذي جاءت به امريكا دون تمهيد الرأي العام له والمجتمع العراقي الذي تحول فجأة من الحكم الدكتاتوري الى الديمقراطي وهذه من الحالات الخطرة التي يتعرض لها المجتمع وفقا للتفسير السوسيولوجي (لست الان بصددها)، استغلت الاحزاب الطائفية المشاعر الدينية والمذهبية لافراد المجتمع لتسلق السلم القيادي في البلد وبدأت تدريجيا تستحوذ على مرافق الدولة المتنوعة.

وقد خلقت هذه الحالة اعتراضات من احزاب وجماعات اثنية على طريقة واسلوب الحكم ومدى مشاركتهم فيه فاعتبرت وضعها وضعا مهمشا قياسا للاحزاب الكبيرة لعدم قناعتها بما يجري في الساحة السياسية، فاعتبرت الاحزاب العلمانية نفسها مهمشة، وعلى الصعيد المذهبي تعتبر الاحزاب السنية مهمشة والمسيحيون واليزيديون والصابئة، وأما على المستوى القومي يعتبر التركمان والكرد الفيليين والشبك والكلدان أنفسهم في وضع التهميش.

فماهي مظاهر تهميش الكلدان؟

يعتقد بعضهم ان الكلدان غير مهمشين لوجود وزراء وكلدان في مناصب عليا ووسطى في الحكومة المركزية وحكومة اقليم كوردستان. ويذهب بعضهم ايضا القول كيف يعد الكلدان مهمشين وان الخدمات العامة تشمل كل القرى الاشورية والسريانية والكلدانية، وان الاعلام الاشوري هو في خدمة الجميع. ولكن هؤلاء اما لا يمكنهم تفسير وادراك معنى ومظاهر التهميش او يتظاهرون بذلك فهم لا يعون ما يقولون لانهم تحت تأثير المخدر الايديولوجي.

ارى بالنسبة الى الادعاء الاول الذي يشير الى وجود كلدان يتقلدون مناصب ادارية في مختلف المستويات، ان هؤلاء ليسوا كلدانا لانهم منتسبين أو موالين لاحزاب غير كلدانية مثل الحركة الاشورية اوالمجلس الكلداني السرياني الاشوري، وعليه منطقيا سيخدمون مصالح احزابهم ولا يمكنهم العزوف عن فلسفتها والا سينالوا الجزاء من حزبهم السياسي. فلو اعتبرنا ان (زيد) من الكلدانيين تقلد منصب وزاري بترشيح من قبل الاحزاب الاشورية أو المجلس الشعبي، وكلا الحزبين لا يعترفان بالقومية الكلدانية في نظامهم الداخلي، فهم علنيا واعلاميا يحاولون بشتى الوسائل المتاحة التأثير واقناع الرأي العام في العراق ان الكلدان هم طائفة دينية أو مذهب ديني وهذا ما حدث فعلا على لسان مسؤول الحركة الاشورية. ونرى مثل هذا الادعاء ايضا في الانظمة الداخلية لجميع الاحزاب الاشورية بدون استثناء. فهل يا ترى سيحيد هذا المرشح للوزارة من قبلهم عن فلسفتهم؟ ذلك ليس من المنطق فهل يعتبر هذا فعلا كلدانيا ويدافع عن حقوق الكلدان؟ بالطبع لا.

أما الادعاء الثاني بأن الخدمات المقدمة من قبل الدولة تشمل كل القرى والبلدات بدون استثناء، هل هؤلاء يخاطبون المغفلين ام انهم مغفلون؟ كيف ستفرق الدولة في تقديم الخدمات بين القرى سوى المسيحية منهأ أو غيرها أو الكلدانية والاشورية؟ الاحزاب لا تقدم الخدمات وانما الدولة وسلطتها التنفيذية هي التي تقدم الخدمات. فاذا تميزت الحكومة في تقديم خدماتها فانها بلا شك حكومة عنصرية فهل يرضى هؤلاء ان تكون حكومتهم عنصرية؟ قد يتصور بعضهم ان سركيس آغا جان لم يفرق في اعمار القرى. نعم لم يفرق ولماذا؟ هل ان الاموال التي نفقت هي من صندوقه الخاص؟ لا بالطبع فمهما كانت مصادرها فهي اموال مشروعة للشعب المسيحي بمختلف فئاته.

ما هو راي الكاتب في الحركة الاشورية الذي قال في احدى مقالاته ان الاعلام الاشوري او اعلام المجلس لا يفرق؟، لينظر ويستطلع هو وامثاله الى المواقع او عندما يجري التحقيق التلفزيوني عن قرية كلدانية او سريانية ماذا يسميها المعلق التلفزيوني، هل سمع ذلك؟ يسميها القرية الاشورية الفلانية، فعندهم كل القرى والبلدات الكلدانية اشورية اليس هذا صحيحا؟ هل قامت قناة عشتار أو القناة الاشورية بتقديم الدعاية الاعلامية لمرشحي الكلدان اثناء الانتخابات؟ بالتأكيد انها بثت الدعاية المضادة لهم. هل هناك اكثر من هذا التهميش من قبل الاحزاب الاشورية بما فيهم المجلس الشعبي؟، والذي ادى الى ارباك الحكومتين المركزية والاقليم في التعاطي مع الجماعات الاثنية الثلاث؟ فكم من مرة سمعنا من المسؤولين يقولون احترنا ماذا نسميكم؟ وكيف نتعامل معكم؟

اذن ما هي العوامل التي جعلت الكلدان الذين هم القومية الثالثة وسكان البلد الاصليين في وضع التهميش؟ أو بعبارة اخرى من يقف وراء تهميش الكلدان؟ للاجابة على هذا السؤال تمكنت من خلال متابعتي للاحداث السياسية والاجتماعية والادارية منذ سنة 1992 في العراق ان اصنف هذه العوامل وفقا للتحليل السوسيولوجي، فالجماعة البشرية التي تخفق في تحقيق أهدافها لابد ان تتعرض لجملة من العوامل، ومهما بلغ حجمها واختلفت عناصرها الحضارية فهي تتعرض الى العوامل المذكورة أدناه، وتختلف شدة التأثير من جماعة الى أخرى لارتباطه بالحجم ونوع العناصر الحضارية والتكنولوجية التي تمتلكها، وقوة العوامل الموضوعية ونوعها اضافة الى الخصائص الديمغرافية للجماعة مثل معدل الاعمار والتعليم والمهن ونسبة الجنسين وغيرها. ولما كان الكلدان جماعة بشرية لها خصوصيتها الحضارية وعليه يمكن تطبيق منهجية دراسة الحال عليها – ويمكن تحديد العوامل المؤثرة في تهميش الكلدان- ومن خلالها سيتبين من الذي يقف وراء تهميشهم – كما يأتي:

يتبع في الجزء الثاني

عن الكاتب

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى