من سميل الى سيدة النجاة


عمانوئيل تومي
عمانوئيل تومي

 

بين سميل مرورا بمذبحة صورية وصولا الى سيدة النجاة , ثلاثة احداث ماساوية كبرى في خضم  سلسلة طويلة من  الماسي التي تعرض لها ابناء شعبنا ابناء بابل واشور على مر العصور, ثلاثة جرائم ترتكب بحق شعب مسالم طيب يتعرض وفي  اوقات ومراحل زمنية مختلفة وتحت ظل انظمة سياسية متنوعة شكلا ولكن متشابه مضمونا. والنتيجة واحدة الا وهي استمرارية الاضطهاد والقتل والتهجير لابناء شعبنا المسيحي في العراق موطن ابائنا واجدادنا , هذا الشعب الذي عانى ولا يزال يعاني على يد اشباه بشر اوباش لا ينتمون الى الانسانية بشئ ولا يتوانون ويترددون عن القتل والارهاب والاغتصاب والتهجير , والغريب ان كل هذا يحدث تحت مظلة الدين مدعين ان هذا لنصرة الله !!!

شعبنا المسيحي , هذا الشعب الاصيل على هذه الارض الطيبة المعطاء ارض الرافدين التي استقبلت وقدمت الخير لكل الشعوب التي سكنتها والتي وفدت اليها عبر الدهور . هذه الارض التي ابتلت من جانب اخر  بانها كانت ولا زالت دائما مسرحا للحروب والغزوات وتصفية الحسابات بين الحكام والظالمين , في صراعات وحروب كان ولا يزال وقودها دائما الناس البسطاء المحرومين والمسالمين وخاصةابناء  الشعب المسيحي المسالمين .  

لقد ازدادت الهجمات العنصرية والطائفية تحت عناوين مختلفة بحيث اصبحت ارض الرافدين اليوم مسرحا ومرتعا للقتلة والارهابيين الذين رفعو رايات الطائفية والعنصرية المقيتة , اصبح العراق مرتعا وماوى لذئاب ووحوش كاسرة تقتل على الهوية وتنتقم ممن يختلف عنها في الدين وحتى في المذهب بالاضافة الى  تصفية حسابات وصراعات  اقليمية من اجل بسط النفوذ في المنطقة .

هذه المشاهد المروعة والجرائم البشعة مستمرة على ارض العراق والساسة العراقيون وقوى الامن يقفون مكتوفي الايدي لا حول ولا قوة لهم لمجابهة هذا المد الارهابي . هذا الواقع المؤلم هو نتيجة طبيعية لانشغال الساسة العراقيون في لهاثهم وراء تقاسم المناصب وبالتالي المغانم والمكاسب الشخصية والحزبية والطائفية من جهة وعدم جدية واهمال رجال الامن والجيش لواجباتهم وحتى تواطئ بعضهم مع الارهابيين .

ثمانية اشهر مرت على الانتخابات البرلمانية الاخيرة ولا يزال هؤلاء البائسين يتزاحمون ويساومون من دون خجل على المواقع السياسية والسلطوية والبلد يحترق والشعب يتلضض ويكتوي بنار حارقة وفقر مدقع والاسوأ من هذا وذاك قد ابتلى بارهاب ومؤامرات طائفية وتمييز على القومية والدين وحتى المذهب  , نعم حققتم انجازات عديدة منذ سقوط النظام البائد وحتى الان وعلى راسها مسلسل القتل والدمار والارهاب وبخاصة الارهاب والتهجير المسلط على الفئات الاجتماعية المسالمة الاقل عددا .

ان الجريمة النكراء في كنيسة سيدة النجاة في قلب بغداد , جريمة يندى لها جبين الانسانية, جريمة ما كان يمكن لمنفذيها ان يمروا لو لم يكن هناك متواطئين من قبل بعض الجهات المتنفذة في المواقع  الامنية المهمة وبمباركة من جهات مهمة سواءا في الحكومة او البرلمان.

انها جريمة وما بعدها جريمة والا كيف يمكن ان يتغلغل مجموعة من المجرمين الى احدى المناطق التي من المفترض ان تكون محصنة وامنة فيدخلوا الكنيسة/ بيت الله/  ليقتلوا ويفجروا ما يقارب الستين انسان وجرح عن ما يزيد عن السبعين منهم بينما كانو يصلون ويبتهلون الى الله كي يعم السلام والطمانينة على ربوع وطننا الحبيب ؟ كيف يحصل ذلك ان لم يكن هناك  تواطئ من قبل بعض الجهات المتنفذين في الحكومة ؟؟  المضحك المبكي ان يخرج علينا احد هؤلاء الوزراء الامنيين ويصرح امام عدسات التلفزة  بان العملية انتهت بسرعة وبنجاح كبير !!!!! يا للعار نعم لقد نجح وقواته البلهاء بالتسبب بقتل قرابة ستين انسان برئ وجرح قرابة السبعين ويدعي انها عملية ناجحة بكل المقاييس , على ذقن من تضحكون يا سيادة  الوزير, من جانب اخر يطلع علينا احد قادته الكارتونيين  من عمليات بغداد الذي لا يتوانى عن اطلاق تصريحاته الببغاوية (واسطوانته المشخوطة) بعد كل عملية ارهابية  , ففي الوقت الذي لا زالت الدماء ساخنة في اروقة الكنيسة ولم تجف بعد ولا زالت بقايا اشلاء جثث الضحايا يلتقطها اهاليها من على ارضية الكنيسة والملتصقة على حيطانها,  وفي الوقت الذي لا زال الخيرين المتواجدين حول الكنيسة يبحثون عن والدي طفلة رضيعة تبكي , تبين فيما بعد انهما قد قتلا اثر الانفجار ليطلع علينا بطل امني اخر ليصرح  (ان عملية انهاء الرهائن, نوعية) ! اني اسال هذا الوزير او ذاك او هذا المسؤول الامني او ذاك لو كانت زوجاتكم واطفالكم قد قضوا في داخل الكنيسة في ذلك الاحد الدامي هل كنتم خرجتم علينا بنفس التصريحات ( الدونكيشوتية) مدعين البطولة والنصر المبين  كعادتكم ؟  

قليلا من الحياء يا اعضاء البرلمان قليلا من الخجل يا حكومة , وقليلا من الشعور بالمسؤولية يا ( مسؤولين) .

لو حدث هذا في بلد يحترم سياسييه انفسهم لاستقالوا على الفور وغادروا المسرح السياسي من غير مطرودين الا في العراق وبلدان الشرق الاوسط طبعا  فعلى الرغم من هذه الماسي والمعاناة والدمار الا ان السياسيين لا يزالون مستمرين ومتشبثين في مناوراتهم ولهاثهم على السلطة,  اما البرلمان المعطل فاقولها لكم وبملئ فمي (اخس عليكم ) حقيقة لا تخجلون !!؟ ثمانية اشهر مرت منذ ان تم انتخابكم وانتم لا وجود لكم البتة بل ان غالبيتكم في السفرات السياحية والمنتجعات متنعمين بالرواتب والمخصصات الضخمة التي لا تستحقونها لا من قريب ولا من بعيد .

ولكن في الحقيقة الذنب ليس ذنبكم , بل ذنب من انتخبكم ووضعوكم في مواقع لا تستحقونها البتة كفى لقد تعب وسأم الشعب من تصريحاتكم وخطاباتكم القرقوزية امام شاشات التلفاز والمؤتمرات الصحفية لقد طفح الكيل وزاد السيل الزبى .

نصيحة صغيرة اوجهها الى قادة الكنيسة بمختلف طوائفها والى (القادة ) السياسيين المسيحيين , كفاكم ضعفا وخنوعا , وكفاكم كذبا ورياءا , قفوا اذا كانت لكم الشجاعة والرجولة موقف شجاع ومسؤول وانطقوا الحقيقة ولو مرة واحدة في حياتكم  والا اتركوا الساحة لمن هو مؤهل ان يدافع وبحق عن حقوق رعيتة , لان الانسان – موقف –  ولان التاريخ لا يرحم . وعندما تواجهون رب العالمين تواجهوه بضمير مرتاح وقلب مطمأن  فلربما يرأف بكم .

ان الدماء الزكية التي سالت في كنيسة سيدة النجاة والشهداء الذين ذهبوا ضحية الاعتداءات الوحشية الجبانة في مناطق بغداد يوم الثلاثاء المروع والذي ذهب ضحيته كذلك العشرات من العراقيين الابرياء العزل , ان دماء هؤلاء ستكون وصمة عار في وجه كل من خطط لها وامن تنفيذها وقام بها , ستظل ارواح الشهداء تحوم حولكم لتوقض مضاجعكم لربما توقظ ضمائركم يوما … ولكن هيهات فلا حياة لمن تنادي . لقد مر العراق بفترات مظلمة في العديد من مراحله التاريخية كانت الاقليات الدينية والقومية دائما الضحية الاكبر ووقود حروبها الا ان المرحلة المظلمة التي يمر بها العراق اليوم لا سابقة لها ولا ابالغ ان اقول ان العنف والقتل والارهاب  الذي عانيناه في الفترة الصدامية المقيتة  لا يزيد شدة عن ما نعانيه اليوم , على الاقل كنا نعرف من هو عدونا ومن اين هو مصدر الظلم والاضطهاد اما الان فلا نعلم من اية جهة ستكون الضربة القادمة ومن يخطط لها ومن منفذها …؟؟ فقد اختلط الحابل بالنابل .

اخيرا اريد ان اقول لهؤلاء السفلة المجرمون الذين يقفون وراء هذه الجرائم باننا مسيحي العراق عراقيين اصلاء ابناء الرافدين ابناء دجلة والفرات منبعنا هذه الارض ومنذ الاف السنين كنا هنا قبل ان ياتي اليها الوافدين والغزاة , تحاولون  بجرائمكم هذه ان تزيلونا من خارطة العراق البشرية ,ان محاولاتكم هذه ستبوء بالفشل  لان عزائنا وقوتنا تاتي من اننا محفوظون في ذاكرة التاريخ وحضارة وادي الرافدين ومنجزاتنا تجدونها في كل زاوية من زوايا العراق العزيز , هذه حقيقة لا تستطيع ان تغيرها اعمالكم الارهابية ومهما زادت جرائمكم وتصاعدت شدتها وعنفها , كذلك يجب ان تعلموا ان العراق من دون مسيحييه لن يكون عراقا , عراق من دون سكانه الاصليين لن يكون اصيلا, عراق من دون من وضعوا اللبنات الاولى لحضارته وحضارة البشرية وحافضوا عليها على مر الدهور , سيفقد وجهه الحضاري  .  

اخيرا وليس اخرا اقول انه ليست هناك كلمات من الممكن ان تخفف من شدة الالم والحزن الذي يكتنف ذوي الضحايا في كنيسة سيدة النجاة وكل ضحايا العراق , نشاطركم المكم …… لنصلي جميعا من اجلهم .

عمانوئيل تومي

فنان وناشط سياسي

عن الكاتب

عدد المقالات : 11

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى