منذ نشأة الحضارة كلدانٌ نحنُ ونَعرِفُ أصلنا رسالة مفتوحة لنيافة الكاردينال ساكو ورجاء اخوي /  د. عامر حنا فتوحي


نادي بابل

 رجاء حار وصادق عن محبة جامعة وإحترام لمنزلة نيافة الكاردينال ساكو، ولكن قبل أن أدرج رجائي هذا أتمنى أن لا يُؤخذ هذا الموضوع بشكل غير صحيح، لذلك أقول السيد المسيح بيني وبين من قد يفهم كتابتي هذه بغير مقصدها الواقعي الحريص على أن نعطي “لقيصر ما لقيصر وما لله لله”، وأذكّر هنا كل من سيقوم بتؤويل هذا الموضوع وفقاً لأجنداته الخاصة أن يرعوي ويتذكر ما جاء في أفسس 4 : 26 وخلاصته (لا تغضبوا فتخطئوا). أنا لست غاضباً على نيافته ولا أضمر غير المحبة لجميع البشر “من معي ومن عليّ” فليس أعظم من المحبة. لكن واجبي كمثقف كلداني هو تصويب ما هو غير صائب وفقاً للمنطق والمعرفة العلمية الخالصة التي تؤكدها كتبي الأكاديمية التي أغاظت من لا يريدون الخير للكلدان وأثلجت قلوب الكلدان وأصدقائهم وحصدت ثناء الأكاديميين دونما إستثناء من أجانب وعراقيين. لنيافة الكاردينال أقول: “أرجوك … من زاوية الحرص على مكانة كنيسة بابل على الكلدان الكاثوليك المتميزة في العراق والعالم أن تبعد نفسك عن الإدلاء بأي تصريح مرتبط بالشأن القومي أو بالتفاصيل التاريخية الرافدية القديمة” لأنك كما يبدو تريد أن تجمع فتفرق، ذلك أن الغالب الأعم من تصريحاتك المتلاحقة المتسارعة كما يبدو ذلك جلياً من فحواها، لا علاقة لها بتخصصك الروحي الذي هو مبرر تعهدك الكنسي الوحيد لخدمة المؤمنين. المثير للدهشة حقاً أنك تطالب الآخرين بالعلمية فيما تأتي تصريحاتك بعيدة عن أي منطق علمي، وعلى سبيل المثال تصريحك الأخير على (ألپ نيوز) والذي مفاده (لا أحد يقدر أن يؤكد علمياً أنه حفيد آشور أو كلدو أو سومر والدليل أن أحد رجال الدين … ألخ) … أن هذا الخلط المعلوماتي المريع والتناقض الفظيع وإنعدام أبسط حد من المعرفة بالحقائق العلمية والمادية التاريخية الموثقة قد أوقعك في أربع أخطاء علمية فاضحة ومميتة في مجرد سطرين، وبحساب بسيط، فأن ذلك يعني خطأين علميين جسيمين في السطر الواحد! ودعني أشرح أخطاءك اللا علمية هنا وبمنتهى الحرفية، لكي لا تعتقد بأنني أسعى للإساءة من منزلتك الكهنوتية، ذلك أنني كنت قد قررت منذ سنوات أن أغض النظر عن كتاباتك وأتحاشى تصريحاتك البعيدة عن العلم والمنطق فأتفرغ لكتاباتي ورسومي، كما آليت على نفسي أن لا أتدخل في شؤون المؤسسة الكنسية التي ليست من إختصاصي، ولكن هنالك يا نيافة الكاردينال حدوداً للصبر وخطوطاً لتحمل الإساءة “مقصودة كانت أم عفوية”، لذلك أجد أنه من الأجدى اليوم أن أقوم بتصويب وجهة نظرك التي لا تخدم إلا من لا يريدون الخير للكلدان (بالمعنى القومي للكلمة). آملاَ أن لا يهرع الببغاوات والقردة وثلة المطبلين الذين لا يميزون بين الخيارة والجزرة ممن يحسبون أنفسهم عناترة القوميين وبأنهم العاملون الوحيدون في الساحة، فيُنصِبون أنفسم على عادتهم السفيهة محامو دفاع عن غبطته وكأن لا حول أو طول له. الأنكى، أن يسمحوا لأنفسهم التي تعاني من (عقد الدونية) للتجاوز على المختصين، بحجة الدفاع عن رمز الكنيسة، مع أن رمز الكنيسة هو من أجاز كتاف نفسه (خسر النقاش)، تؤكد ذلك المساجلة ما بين (عبد أﷲ بن إسماعيل الهاشمي وبين صديقه المسيحي عبد المسيح بن اسحق الكندي) التي علق عليها المأمون بواقعية مؤكداً قوة حجة المسيحي، والتي أوردها البيروني في مؤلفه (الآثار الباقية عن القرون الخالية). المنطق والعلم يا نيافة الكاردينال فوق الطوطمية والمراءاة والذيلية الفكرية دائماً وأبداً

بحق كل ما هو حق أسألك يا نيافة الكاردينال، كيف تقبل على نفسك وأنت رأس كنيسة تمثل أكبر الكنائس العراقية أن تدلي بتصريح هوائي مثل هذا، ولماذا وأنت الأنسان المتعلم لا يمكنك أن تميز أو في الأقل أن تستوعب بأن آشور (كتابياً) هو أبن الملك البابلي نمرود ، بمعنى أنه ليس رأس قوم لأن نمرود الذي كان جبار صيد أمام الرب هو رأس هذا البيت البابلي، إما إن كنت تقصد بكلمة (آشور) هنا ما يتعارف عليه تاريخياً بإقليم آشور، فليس هنالك ملك أو رأس عشيرة بأسم آشور إنما دخلت تسمية الإله الوثني (غير الرافدي) آشور في أسماء عدد من الملوك بحكم ما كان شائعاً ومكتسباً عن الغزاة الشوباريين (الآسويين الأنضوليين) الذين أسسو مدينة آشور، وهؤلاء الغزاة هم غير مؤسسي مملكة آشور البابليين الكلديي الأصول منذ شمشي أدد الأول الذي أسس أول مملكة في آشور حتى آخر سلالة كلدانية في إقليم آشور وهيّ سلالة سرﮔون الثاني التي أسقطها ملك كلدي آخر هو نبوبلاصر، علماً بأن الصراع ما بين بابل وآشور كان صراعاً على شرعية حكم وادي الرافدين ولم يكن صراعاً أثنياً لأن كلاهما أصلاً من البابليين الكلدان، تؤكد ذلك الحقائق العلمية التاريخية المادية مثلما تؤكدها آيات الكتاب المقدس (تكوين). الجدير بالذكر، أن مفهوم آشور يختلف جملة وتفصيلاً عن مفهوم كلدو الرسي (العرقي) الذي بينته بكل وضوح وجلاء في كتاب (الكلدان منذ بدء الزمان)، كما يختلف الأثنان عن مفهوم (سومر)، لأن مفهوم سومر ليس أسم ملك أو رأس قوم كما تتصور نيافتكم، وإنما هذه التسمية تشير إلى (ثقافة ولغة) أنتقلت في حدود العام 3500 ق.م. من شمال الرافدين وشاعت في جنوبه حسب، وقد جاء الأسم (سومر) عن موضع في مدينة نيبور يدعى [كي إن ﮔﻲ (إر)] بمعنى أرض سيد القصب وهيّ إشارة دالة على الإله إنكي / أيا وهو إله المعرفة والفنون والسحر والكلمة القادرة، وتقرأ هذه الرموز الصوتية المقطعية في اللغة الأكدية (شوميرو). أن هذه المعلومات المؤكدة يعرفها المبتدئون في دراسة التاريخ الرافدي، فكيف فات على نيافتكم مثل هذه المعلومات الأولية فخلطت الحابل بالنابل ومن أجل ماذا؟ أما دليلك الذي أعتمدته يا نيافة الكاردينال من أجل تأكيد وجهة نظرك الخاطئة فإنما يدل على ضعف الحجة وإفتقادك للعلمية، فما هو دخل تصنيف الحمض النووي لرجل دين في مؤسسة كنسية بتصنيف أمة، ومن قال لك بأن الحمض النووي هو ما يعتمد عليه علمياَ من أجل تأكيد إنتماء رسي معين، وبالتالي هل فاتك أن كنيسة المشرق الكلدانية عرفت بطاركة لا ينتمون أصلاَ لما يُعرف بالعرق السامي، وعلى سبيل المثال لا الحصر البطريرك (المغولي الأصل) يهبالاها الثالث المتوفى في مطلع القرن الرابع عشر للميلاد. فهل يعني هذا أن جميع الكلدان في العالم هم منغوليون لأن بطريرك الكنيسة كان منغولياً؟ أتمنى عليك يا نيافة الكاردينال أن تميز بشكل علمي وواقعي ما بين (المؤسسة الكنسية) و(الإنتماء القومي) الذي هو أوسع وأشمل من إنتماء ديني معين أو طائفة ما، وإلا فأن بوصلتك المعرفية في مجال التاريخ الرافدي وعلاقتها بالمفاهيم القومية الكلدانية ستضيعك وتؤدي بمن يتبع أهواءك وميولك ومفاهيمك الخاطئة عن القومية إلى الفرقة والتهلكة … أخيراً أؤكد لنيافتكم وبخاصة إذا ما قمت نيافتكم بدراسة عاجلة لماهية التعاريف الخاصة بالمفهوم الرسي (الأثني) فسيتبين لك وبكل سلاسة ووضوح بأن العنصر الرسي هو آخر ما يعول عليه المختصون في تحديد الهوية القومية للشعوب، لاسيما وأن هنالك اليوم ما يزيد على 300 تعريف لمفهوم القومية. فلماذا تعول يا نيافة الكاردينال على الزبد وتترك البحر، ولماذا تعول تحديداَ على ما لا يعول عليه أصلاَ؟

مرة أخرى أؤكد لك بأننا بحاجة إلى بركتك الأبوية وعون جميع رجال الأكليروس الأفاضل من خلال الدعم المعنوي والإعتزاز بالإنتماء القومي الكلداني كما أحيي نيافتك على إهتمامك بجمع كلمة المسيحيين العراقيين، ولكن أرجوك … أرجوك يا نيافة الكاردينال أن تتفرغ لشؤونك الروحية المسيحانية وتدع (القومجية) لكي يديروا شؤونهم بأنفسهم، فنحن قد نخطأ مرة ونعثر في أخرى ولكننا مؤمنون وقادرون على تجاوز كل العقبات التي قد تقف في طريق وحدة البيت الكلداني وإزدهاره … الكلدان أمة عصية على الفناء لو وقفت كل قوى الأرضِ والشرِ في وجهها لما تمكنت منها لأن قدرنا الحتمي هو البقاء … دمت بخير وسلام

د. عامر حنا فتوحي … فنان تشكيلي وباحث أكاديمي وأستاذ زائر في مجال حضارة وادي الرافدين
www.NativeIraqis-Story.com

عن الكاتب

عدد المقالات : 7483

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى