مفارقات مع الحلال والحرام من الطعام


زيد ميشو
زيد ميشو

Zaidmisho@gmail.com
لما آلت إليه مجتمعاتنا من تفرقة وتعصب ديني مقيت ، لم يعد بإستطاعتنا أن نأخذ الأمور التي تخص علامات التدين  بشكل عفوي ، بل نفكر أحياناً بأبعاد الكلمة ومدلولاتها ونتائجها على فئة من الناس . وكلمة حلال التي تكتب على الطعام تستحق التوقف عندها ” والتفحيص والتمحيص ” بتأثيرها الإيجابي والسلبي .
إذ كثرت هذه الكلمة على شتى أنواع الطعام الشرقي ( وليس العربي )  وعلى واجهة المحلات للدلالة على أن هذا المنتوج والسلعة المتواجدة داخل المحل هي حلال لإخوتي المسلمين .
أوليس في هذه الكلمة إجحاف لحقوق الآخرين لمن لايعنيهم تطبيق الشرائع الدينية الإسلامية ؟
جرت العادة عند المسلمين على أن تكون ذبائحم متجهة نحو قبلتهم ، وعند نحرها  يسمون بإسم الله ويتم إفراغها من الدم ، وبذلك يحلّ لهم لحم الضحية ، وهذا يسمى ذبح على الطريقة الإسلامية ، وخلافه يحرّم أكله من قبلهم إلا بحكم فتوى . إذن الحلال والحرام يخص شريحة من الناس وليس جميعهم ، وبما أن هذا القانون خاص ، لذا يجب إختيار تعابير تخص تلك الشريحة ، أما أن يكتب على الطعام حلال وكأن أي طعام آخر حرام ، فأعتقد بأن هناك خطأ وجب تصحيحه . فالعالم ليسوا جميعاً مسلمون يخضعون للقانون نفسه . لذا أرى من الأصح كتابة للمسلمين بعد كلمة حلال ، أو مذبوح حسب الشريعة الإسلامية كما كنا نقرأها سابقاً على اللحوم المستوردة .
كمسيحي ، ليس لي أي ممنوعات على أنواع الطعام والشراب ، كما يقول بولس الرسول ” كل شيءً يحل لي لكن ليس كل شيء ينفع ، كل شيء يحل لي لكن لن أدع شيئاً يتسلط عليّ ” ، لذا لاأستسيغ مصطلح حلال لأنه يدل على أن الطعام الذي أتناوله  حرام . وبالمقابل لو كتبت على لحم الخنزير حلال وأقصد بذلك حلال للمسيحيين ، أو أن أبيح أنواع المشروبات الروحية وأكتب ، ويسكي جوني ووكر حلال ، وفودكا أبسلوت حلال ، وعرق هبهب حلال ، أفلا يعتبر البعض ذلك تعدياً  ، بالمقابل ، اليس هناك تعدٍّ عندما يقول أحدهم بأن طعامي حرام ؟
وما يدعو للسخرية بن غالبية المسيحيين في المهجر من أصحاب المحلات يكتبون لحم حلال على واجهات محلاتهم بالخط البارز والعريض ، وبهدف إستمالة المسلمين للتبضع منهم ، وإن سميّ ذلك شطارة تجار ، فسأضيف عليها صفة التملق ، لتصبح شطارة وتملق التجار .
جميل أن يكون للمرء إلتزام ديني أو غيره ، لكن على ان يحسن إختيار الألفاظ التي تدل على إلتزامه ، وأن يتأكد من إن ذلك صالحٌ له لايصل بدرجة الوسواس .
البعض من أصحاب المخاخ المقفولة يضحكوني أحياناً ، وخاصة من جنوب أسيا ، يسألون عن الخبز  إن كان حلالاً وأقسم بان ذلك حصل معي مرتين ، وسألوني نفس السؤال عن الحلويات وأنواع الكعك ، وقد أصبح ذلك من المواضييع الفكاهية الممتعة والمستهجنة في عين الوقت  لأصحاب المحلات الشرقية ( وليس العربية ) ، إذ لجميعهم تجارب معهم ، فهناك من يسأل عن البازلاء والباقلاء والطحين والرز ، وآخر صيحة كانت من محل يملكه أحدهم حيث يبيع قلماً جافاً كتب عليه حلال . والأغرب من كل ذلك هو التمر الإيراني والذي كتب عليه تمر حلال  وكذلك زيت الزيتون التركي نوع سلطان ، صدقوني ماأقوله ليس فيه مزح ، ولاتستغربوا إن قلت بأن هذا المصطلح كتب أيضاً على نوع من أنواع الصابون !! .
ومع ذلك فكلمة حلال لوحدها لاتعني كامل مصداقيتها عند البعض ، إذ للسنة شروط وللشيعة شروط أخرى . أذكر شخصاً أراد يوماً أن يتأكد من اللحم الموضوع في الكبة العراقية المصنعة في كندا وقد كتب عليها حلال ، فسأل هذا الشخص من أين يؤتى باللحم ، وبعدها علمت من أنه لايقبل باللحم إلا إذا كان هناك قصاب من طائفته يتعهد بأنه من ذبح الذبيحة أو أشرف عليها ، بينما أتذكر قبل أكثر من عشرين سنة عندما قطعت رأس دجاجة ، طلب مني أخي المسلم ان اوجهها للقبلة وأسمي ،  لم أكن متديناً حينها ،  فقلت له ، من السهل أن أوجهها للمكان الذي تريد ، وأن أقطع رأسها ، إنما أن أسمي فهذا الطلب مرفوض ، فذبحتها وهو تكفل بشرعيتها الإسلامية وأكل منها الجميع بإختلافهم بفرح دون أي توجس ، وكان ذلك في أيام الطيبة والعيش المشترك والتي لن يفهمها ويدركها الأجيال القادمة في شرقنا العزيز ، بل ستكون لهم من أمجاد التاريخ .
لذا أقترح أن يوضع على الطعام رسم أو شعار يدل على إنه يحق للمسلمين أكله ، لأن ذلك يخصهم وحدهم فقط ، أفضل من الإختصار غير المبرر بكلمة تهين الآخرين بطعامهم

عن الكاتب

عدد المقالات : 72

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى