مسيحيو العراق.. صناعة التاريخ بروح التسامح صورة بانورامية لأقدم سكان بلاد النهرين


نادي بابل

شاكر مجيد سيفو

هذا هو عنوان الكتاب لمؤلفه ميشيل شفالييه كما دوّنه صدر بالفرنسية

قبل ربع قرن، ترجمه نافع توسا، راجعه وقدّم له الأب د. يوسف توما،

يقول في معرض تقديمه : ((وما يجعل لهذا الكتاب القيم من أهمية، كونه

يرفع الكثير من الغموض في فترات تميزت بالأحداث والتقلبات الكثيرة

تعرضت إليها منطقتنا وشعبنا، فالمؤلف يتناول بدقة تفاصيل جغرافية

لهذه المناطق ويجمع جوانب مهمة من الحياة الأجتماعية والظروف

التاريخية والتقاطعات الكثيرة التي تساعد علي تسليط الضوء علي جوانب

قد لا نجد لها مصادر في متناول قراء العربية أو لا تذكرها الكتب المتوفرة،

فيساعدنا ” شفالييه” علي قراءة جديدة أفضل لتلك الأحداث وفهمها من

جديد. المناطق التي يتطرق إليها الكتاب يقع أغلبها في تركيا وإيران، وقد

مرّ من الزمان الكثير، بحيث لم يعد في إمكان أغلب الباحثين أن يقوموا

بزيارتها أو البحث فيها أو حتي التعرف عليها، ناهيك عما جري منذ

الحرب العالمية الأولي, من تغييرات علي الأسماء والمواقع، مقصودة

كانت أو غير مقصودة فمسح الكثير من آثار الماضي المسيحي في هذه

المناطق. في هذه الأيام التي كثر فيها البحث عن الهوية واحتفاء الناس

في إطلاق التسميات علي أنفسهم أو علي الأخرين، يأتي هذا الكتاب خير

معين ليوضح أسباب هذا التبعثر والتكلؤ، فكلما كانت الجماعة قديمة

وضاربة جذورها في الماضي تعددت تسمياتها وأضاف كل جيل من

خصوصياته،

لذا يأتي هذا التعقيد الظاهر برهانا علي أصالة تلك الجماعات، فقد توصلت

البحوث الآجتماعية والإثنوغرافية الي منطق يقول إن من غرائب شأن

الوجود أن يذهب ـ مع الزمن ـ نحو التعقيد وليس نحو التسليط، إذن كون

مسيحيّ هذه البلاد من أقدم سكانها، لا نعجب إذن أن يكونوا بهذا التنوع

الكبير وهذه الآنتماءات العديدة الجذور والمتباينة الثقافات. إنّ شفالييه

أهتم بدراسة العلاقة بين العناصر الطبيعية والأنسانية من الناحية

الجغرافية، حسب قول المترجم، ويؤكد المترجم في مقدمتة علي أنّ الكتاب

هذا يبحث في موضوع المسيحيين الذين عاشوا، منذ غابر الأزمان في هذه

المناطق بصورة عامة، ومن المسيحيين أبناء كنيسة المشرق بفرعيها

بصورة خاصة من خلال نصوص البحث، ويضيف قائلاً ((لقد وضع

شفالييه، دراسته هذه بعد زياراته الي بعض المناطق التي سمحت له

السلطات التركية والعراقية بزيارتها، مبتدئاً بالناحية الجغرافية، نظرًا

لأهمية الجغرافيا في حياة الشعوب. بعد ذلك عالج موضوع توزيع السكان

ونظام حياة المجتمع اقتصادياً وحضارياً وفق المنظور الديني والمذهبي

والقومي، بعد أن أصبح المذهب يعني القومية لدي البعض….. تاريخياً

شددّت الدراسة علي الفترة المحصورة بين القرون الثامن عشر والتاسع

عشر وبداية القرن العشرين (أي حتي نهاية الحرب العالمية الأولي)

فسردت بتفاصيل تطورات المجتمع المسيحي والأحداث والنكبات التي

أصابته، وخصوصاً الهروب والنزوح القسري بسبب الإضطهاد الديني

والعنف والإرهاب المبرَّر بفتاوي المراجع العليا المقرّبة من الباب العالي

والسلطان العثماني. إعتمد شفالييه في بحث هذا الكتاب، علي ما تركه

الرحالة الذين سبقوه، إضافة الي ما أختبره هو بنفسه لذا نراه يسجل

حواشي مطولة وكثيرة في أسفل الصفحات مع إشارات واضحة الي

المصادر والمؤلفين ـ


مسيحيو الشرق


إن هذه الدراسة تثبت للقارئ وتوضح بجلاء، إنّ انقسامات شعبنا في

الماضي كانت لأسباب مذهبية أو عشائرية، جعلت جماهير شعبنا

المسيحي علي فئات وتكتلات متصارعة أو متناحرة مع بعضها فلم تقو

علي الدفاع عن نفسها عند حصول هجمات الأعداء، هذا ما يكتشفه

شفالييه عبر دراسته المعمقة لتاريخ هذا الشعب الذي سكن هذه المناطق

منذ القدم. يستغرق المؤلف في توصيف دراسته هذه التي ضمها هذا

الكتاب بمقولات مثيرة ونفسية شخصانية حيث يقول ((كتابي هذا الذي

بين يديك يحكي قصة نهاية حب استطلاع لازمني طويلاً، هدفه معرفة

آحوال العشائر والقبائل المسيحية الغريبة التي سكنت جبال حكاري،

وتولدت رغبة الأستطلاع تلك في أعماقي منذ حوالي ربع قون، عندما

قرأتُ بعض صفحات من كتاب الجنرال ” روندوت ” التي كانت تتحدث عن

((مسيحي الشرق)) بالأضافة الي ذلك كنتُ أحمل أيضاً انجذاباً نحو جبال

الشرق الأوسط. ذلك الأنجذاب الذي افتتن به المستشرقون ((علي الرغم

أني لستُ مستشرقاً)) كما وجدت في باطني إهتمامًا بالجغرافية وعلم

الأجتماع الديني. يغور المؤلف في استعراضه لجغرافية المنطقة

والشعوب، حيث تنتهي آحداث هذا الكتاب بالعام 1914, لكن هدفه

بالتحديد هو سعيه الي إحياء عالم موضوع الجغرافية التاريخية، والتي

يمكن وصفها آيضاً ” بالجغرافية الإستذكارية ” التي هي أكثر عملية في

ميدان الدراسة والبحث وخصوصاً في المناطق الأنكلوسكسونية مقارنة

بالمناطق الفرنسية. حسب زعم المؤلف ـ ويضيف هنا ((يمكن اعتبار

الكتاب مقالة مطولة موجّهة الي إحدي المجلات المعنية بتاريخ العلاقات

بين النساطرة والإرساليات الكاثوليكية والبروتستانتية, أو أن تكون لوحة

جامعة لكل الواقع الفعلي الحالي للمسيحية المنتشرة في الجناح الشرقي

من الهلال الخصيب وخاصة الجهات الواقعة في كهوف الجبال أو حافاتها.

لقد كان للثورات والحروب والآضطهادات والآضطرابات المختلفة التي

حصلت قبل عام 1977 في كل من العراق وإيران, وبدرجة أقل في تركيا

وسوريا، الأثر الكبير في ايقاف مجري البحوث الميدانية… يسترسل

المؤلف في مقدمة الكتاب شارحاً حياة النساطرة، تلك القبائل التي ظلت

متمتعة بنوع من الحكم الذاتي تحت إدارة البطاركة حتي بداية الحرب

العالمية الأولي في عام 1914، هذا بعينه يعد بلا شك أنموذجا فريدا

ومعجزة باهرة في حّد ذاته، أسوة بالقبائل والمجموعات السكانية الأخري

التي كانت منتشرة بين قمم جبال حكاري (هكاري) الواقعة جنوب شرقي

تركيا. هؤلاء هم النساطرة الذين أعاد إكتشاف وجودهم الغرب المسيحي

المتعلم، علي أثر نتاجات يصدرها المرسلون الأنكَلوسكسونيون القادمون

الي المنطقة خلال فترة الثلث الثاني من القرن 19، فالنساطرة الجبليون ـ

هؤلاء يعرفون اليوم بـ ” الأشوريين ” حسب قول المؤلف، واستطاعت

كنيستهم بفضل قوة عملها التبشيري أن تكسب قارة آسيا الي المسيحية،

واستطاعت أيضاً بتبشير الجزيرة العربية قبل الأسلام والبلدان الشاسعة

التركية ـ المغولية، فقد استطاعت التوغل أيضاً الي ربوع الصين عبر

الطرق البرية والخطوط البحرية التي اتبعها واستخدمها التجار السريان

والفرس يظهر هذا في (مسلة سي ـ نغان ـ فو) العائدة الي هذه الكنيسة

العائدة الي هذه الكنيسة أذ يعود تاريخها الي (عام 781م) كذلك وصلت

هذه الكنيسة الي حدود شبه الجزيرة الهندية وخصوصاً القسم الجنوبي

منها، حتي يومنا هذا ـ السرياني، وأخيراً لقد كان لحضور جماعات

نسطورية حتي جزيرة ” سيلان ” وشبه جزيرة ملقا (في جنوب شرق

آسيا بين المحيط الهندي وتألمين وبحر الصين الجنوبي) كانت الكنيسة

النسطورية تضم ثلاثين مترابوليطية ” أسقفية ” يتبعها أكثر من مائتي

أبرشية، يغطي كل منها ليس أراضي الإمبراطورية الساسانية السابقة فقط

بل أيضاً مناطق وبلداناً واسعة من آسيا الوسطي التي تقع اليوم ضمن

حدود دول روسيا والصين وتمتد حتي حدود التبت. آما في العصور

الحديثة، وإثر فراغ دام قرنين من الزمن وهي الفترة التي تزامنت تقريباً

مع نهاية ” السلام المغولي ” وغزوات تيمورلنك وما نتج عنها من

كوارث، فلم يبق لتلك الكنيسة (النسطورية) سوي بطريرك يجلس علي

كرسيه وراثياً ((أو ينافسه علي السلطة بطاركة آخرون)) وهو لاجئ في

الوقت عينه. ويعزو المؤلف خفوت آمجاد هذه الكنيسة، بسبب آهمال

آمجاد العلم والمعارف اللاهوتية التي عرفتها الكنيسة الفارسية خلال

القرون بين الرابع والثالث عشر للميلاد، كما لم يبق أيضاً سوي جاليات

متواضعة العدد من سكان المدن، من جماعات ” الرعايا ـ الريا ” البائسة

المقيمة في السهل والجبل ويستغلها الآكراد والأتراك والفرس وآخيراً

يوجد الجماعات العشائرية في جبال حكاري حسب قول المؤلف، التي

أندمجت تماماً، في النظام الكردي بأسلوب حياتها الزراعي ـ الرعوي كل

الأندماج مع احتفاظها بعاداتها وتقاليدها القتالية، آنّ تواجد النساطرة

انحصر في الجبال الشاهقة حيث تمتعت جموع القبائل بالحرية، لهذا

السبب سمّي مؤلفو القرن الأخير ((19)) ومؤرخوه هذه القبائل بـ ”

القبائل المستقلة ” بمعني أنّ هذه الجماعات من المسيحيين بتجمعها

وانعزالها في المناطق العاصية تخلصت من العجز الذي طبع حياة اليهود

والمسيحيين الآخرين فمن سكنوا السهول والقري التي يسهل الوصول

إليها والتي استطاع المسلمون حكمها والسيطرة عليها…لكن بالحقيقة

كان هؤلاء المسيحيون الآخرون يعيشون كنواة مسيحية صغيرة في وسط

مسلم سني أو شيعي (بالنسبة الي المسيحين الذي عاشوا في حوض

بحيرة أورميا) لكن رغم ذلك بقوا محتفظين بلغتهم وعاداتهم، أي كأنهم

يعيشون في جزيرة صغيرة، يتكلمون بلغتهم الأصلية السامية الآرامية

القديمة ـ رغم التواجد الفعلي في أحضان ربوع كردستان الواسعة لقد

حرص المؤلف علي الدخول في تفاصيل الحياة الادارية والسياسية

والأجتماعية للعشائر الأشورية التي سكنت جبال حكاري، وقد أستعرض

كل هذه البني في مفاصل عديدة هي : النساطرة الباقون علي قيد الحياة

والتعريف بمنطقة حكاري، وفي الفصل الأول بحث المؤلف في البيئة

والجبال. منها جبال مروية طبيعيا وفي الجزء الآخر تحدث عن الأطراف

والحوافي التي انعزل فيها السريان الشرقيون، في القطاع الجنوبي

والقطاع الشرقي والقطاع الكردي، ثم يتحدث عن السريان الشرقيين

والأرمن واليهود والإيزيديين ـ ويستعرض في الفصل الثاني ـ بلاد ” وطن

” النساطرة، والعشائر (القبائل) الرايا ممن سكنوا في الوطن الشمالي

ومنها المناطق العليا المرتفعة في الشرق والأطراف والحافات الجنوبية

ومنطقة بوتان. ثم يتحدث بأسهاب عن الحياة في الجبال، عن السكان

النساطرة والكلدان، بعدها ينتقل الي السكن الريفي، في القري والحياة

الزراعية فيها، البدايات والأصل ثم المشهد الطبيعي والتقنية الزراعية، ثم

ينتقل الي الجبال الشاهقة والوديان والحوافي الجنوبية، ويتحدث بعدها

عن فصول الرعي وتربية الماشية وعن فصل الشتاء وموسم اصطياف

الماشية، والحرف والهجرة ثم التجارة غير القانونية ” التهريب” أما

الفصل الرابع فقد تحدث فيه المؤلف عن الحياة الأجتماعية، منها اختلال

الأمن والحالة في مناطق سكني النساطرة المعروفين بـ الرايا غير

العشيرت: ثم التنظيم الأجتماعي للعشيرة، ثم ينتقل الي الفصل الخامس

الذي يتضمن الحياة الدينية التي تقوم هيكلية نظاماً بـ (البطريرك

والأبرشيات والكهنة والحياة الروحية والكنائس عند النساطرة) ثم يتحدث

عن ظاهرة الأستيطان ومشكلة الأصول، بعدها الآختلافات المحلية وأصل

النساطرة الجبليين (الأرومة)، ويلحق المؤلف في نهاية كتابه هذا عدداً من

الملاحق المطولة بالأحصاء السكاني لمدن ما بين النهرين الشمالية وفق

ما جاء في كتابات الرحالين أما الملحق الثاني فهي ملاحظات عن جبل

طور والثالث يتضمن شرحاً عن تسمية ” آشوريون ” المستعملة للتعريف

بالنساطرة، أما الملحق الرابع فهو عن الرحالة في بلاد ما بين النهرين

خلال القرن التاسع عشر. وتضمن الملحق الخامس شرحاً مفصلاً عن الأب

جاك ريتوري الدومنيكي، ويحتوي الكتاب عدداً من المصورات والخرائط

الخاصة بموطن النساطرة خلال سنوات أواسط القرن 19، وخارطة

للمناطق التي تشمل أعالي حوض نهر دجلة، وآخري لسكن السريان

الشرقيين في منطقة حكاري والمناطق المجاورة الواقعة أسفل المرتفعات

عند بدايات القرن العشرين، وآخري في التكوين الجيولوجي (طبيعة

الأراضي) وأخري توضح التوزيع الديني في سهل الموصل خلال القرن

العشرين، وخارطة آخري تضم إقليم زاخو والحوض السفلي لنهر الخابور

خلال القرن 19 وأخري توضح مواقع الأسقفيات الخاصة بالنساطرة

والكلدان عند نهاية القرن 19، وأخري توضح توزيع اللهجات المحلية ”

السورث ” وخارطة أخري توضح منطقة جبل طور الخاصة باليعاقبة،

وحسب كلام المؤلف شفالييه خلال القرن 19 وبدايات القرن العشرين،،،

ومن الجدير بالأشارة الي أنّ الكتاب يقع في حدود ((400 صفحة)) من

القطع المتوسط، وهو من منشورات قسم الجغرافية في جامعة السوريون.

باريس بالرقم 13 ـ وقد صور بالفرنسية.ربما يكون هذا الكتاب الوحيد

الذي يتناول بالتفصيل حياة وتاريخ الأقوام التي سكنت جبال حكاري

لقرون عديدة.

http://www.azzaman.com/index.asp?fname=2011%5C05%5C05-17%5C699.htm&storytitle

عن الكاتب

عدد المقالات : 7517

تعليقات (1)

  • موسسى العباس

    الحمد لله وحده وبعد .
    لا شك أن التسامح من أعظم خصال البر .وما أريد أن أقوله اليكم في اضذا المنتدا هو,
    اياكم والتخاصم فانه مقطع للرزق . وشكرا
    موسى العباس

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى