مرثية ذاتية لها بقية…خاطرة قصصية رقم (8) بعنوان:بروفيسور في دائرة تجنيد الرصافة (3)


الاستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس
الاستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس

كانت فرحته لا توصف عندما أنهى متطلبات دراسة الدكتوراه من جامعة بريطانية عريقة في كانون الأول سنة 1982. قرر العودة مع زوجته وطفلتيهما إلى العراق رغم نصيحة أصدقاءه من الإنكليز والعراقيين والعرب بالبقاء. لم يعر للتحذير أهمية، فقد كان الوطن فوق جميع الإعتبارات، وإن كان يعلم جيدا بأن قصف المدن بين العراق وإيران لا يرحم أحدا ولا يمكن لأحد التكهن بنتائجه، ناهيك عن درايته التامة بهول الحرب على جبهات القتال بين البلدين. من أحد الأكشاك القريبة من جامعته أدار قرص الهاتف مرتين فكانت بغداد على الطرف الآخر من الخط مستيقضة على أصوات انفجارات صواريخ بعيدة المدى. لم يبال. زفّ بشرى حصوله على الشهادة التي كان يحلم بها إلى ذويه وأبلغهم بموعد وصوله إلى أرض الوطن. ولكن عوضا عن الفرح المتبادل، جاءه صوت أنثوي ممزوج بالمرارة والسعادة والبكاء المتقطع. كانت كلمات أمه التي مازالت تؤرقه عين العقل. قالت:

–       إبني روح أبعد. هل جننت؟ نحبك. وهل من أم في الدنيا لاتحب أن تشم رائحة وليدها وأحفادها عن قرب؟ إذهب أبعد، يا بني، ولا تقرب النار.

–       لا يا أمي. أنا قادم، وشهادتي في خدمة الوطن.

شدّ الرحال رغم معرفته بالمثل العراقي القائل: اللي ميمشي بشور أبوه وأمه، شغله يجي أعوج (أي بالعربي الفصيح: من يتجاهل نصيحة والديه، عليه أن يتوقع نتائج غير مرضية).

حطت طائرة البوينغ التابعة للخطوط الجوية العراقية على أرض مطار صدام الدولي بسلام صبيحة يوم 25/1/1983. تنفس الدكتور ومن كان معه في الرحلة هواء بغداد، وإن كان ممزوجا برائحة بعض سحب من الدخان المتراقصة في الأفق البعيد والقريب. لم يبال. وبعد انتظار طويل على مشارف الحزام الناقل لأمتعة المسافرين، لم تظهر حقيبتان، وعدت من المفقودات. بداية غير موفقة تنذر بالشؤم. لم يبال. إستقل سيارة أجرة في طريقه إلى بغداد الجديدة، وملخص حديثه مع السائق الشهم وما كان يبثه المذياع لم يتجاوز حدود الديباجة المعروفة: “النصر بعون الله” والأهزوجة الشعبية: “يا حوم اتبع لو جرينا” التي لم يستطع ترجمتها للإنكليزية بما يتناسب وثقافة الإنكليز.

وعند مدخل الدار، تعالت الزغاريد وتناثر الـﭽكليت (الملبس) في الهواء وبودلت القبل ورويت القصص والطرائف على الأقرباء والأصدقاء في سهرة المساء وحتى منتصف الليل.

وقبل أن يتوجه إلى دائرة تجنيد الرصافة الثالثة في الصباح الباكر لتأشير دفتر خدمته العسكرية، سأل الدكتورعن موقعها المتنقل كقطعات الجيش، فقيل له بأنها انتقلت في رحلتها المكوكية هذه المرة إلى ضاحية من ضواحي رصافة بغداد، وتحديدا في بيت عتيق مؤجر كعادتها، يقع خلف القصر الابيض بمنطقة السعدون. لم تكن النداءات المتكررة مثل “باب السرجي .. نفرين .. باب السرجي” التي كان يطلقها “سِكنية الفوردات” (مساعدو الباصات) غريبة عليه. صعد الدكتور إلى الباص الذي أوهمه “السِكن” بأنه يحتاج إلى “نفرين” (أي شخصين). ومع ذلك، تقبل الدكتور الأمر فحشر جسده بين أجساد “العِبرية” (الركاب) التي لم تكن تعلم أين يقودها القدر. صورة متناقضة تماما بين وسائط النقل في بريطانيا وبغداد. لم يكترث.. كفة الوطن كانت أرجح!

وأمام شباك “القلم”، ناول الدكتور دفتر خدمته العسكرية وشهادة الدكتوراه. وبعد بحث بين السجلات القديمة وإدخال المعلومات الجديدة في سجل مواليد 1948، طلب من الدكتور أن يراجع “المقدم” (مدير تجنيد الرصافة/3) في الطابق الثاني من البناية لتوقيع دفتره. بعد انتظار لم يدم طويلا، نادى نائب ضابط على أسم الدكتور. ولما لم يكن الدكتور قد تعود على التحية العسكرية، كانت “صباح الخير أستاذ”، وليس “سيدي” المعتادة، بديلا أزعج سيادة المقدم الذي تعمد في ممارسة الأعراف العسكرية الصارمة:

–       أسمك الثلاثي؟

–       دنحا طوبيا كوركيس

–       مواليدك؟

–       1948

–       لماذا لم تلتحق بالخدمة العسكرية لحد الآن؟

–       دافع البدل النقدي.

–       ولكن جماعتك ممن دفعوا البدل الآن في الخدمة. نحن في حالة حرب.

–       أعلم ذلك، ولكنني مؤجل من إداء الخدمة حسب قرار مجلس قيادة الثورة.

–       كلا. لست مؤجلا. سأرسلك إلى معسكر تدريب الحلة.

–       ولكنني أحمل شهادة الدكتوراه.

–       “علـّكها بط…”!

لم أصدق ما سمعت. ارتفع ضغط الدم إلى رأسي. لم استطع أن أتنفس بيسر. إسودت الدنيا في عيوني. ولكن يبدو أنه شعر بوقع تعبيره النابي، فأردف قائلا:

–       هل لديك شهادة أخرى؟

–       ماجستير.

–       لا أريدها.

–       بكالوريوس.

–       ولماذا لم تقل ذلك منذ البداية؟

–       لأن قرار مجلس قيادة الثورة الأخير يستثني أساتذة الجامعات من حملة الدكتوراه.

–       من أي كلية تخرجت ومتى؟

–       التربية/جامعة بغداد 1972

–       إذن سأستثنيك بصفة “مدرس”.

أجري اللازم وكأن شيئا لم يكن.

وأنا في طريق العودة إلى الدار، بدأت اتسائل: أمعقول أن يكون “مقدم” في الجيش العراقي بهذا المستوى؟ أما كانت والدتي على صواب حينما طلبت مني أن أذهب “أبعد” من إنكلترا عندما أخبرتها بأنني راجع إلى الوطن؟ كيف سأروي قصتي مع السيد المقدم لزملائي في الجامعة ولأهلي وأصدقائي؟ راودتني أسئلة كثيرة لم أستطع الإجابة على أي منها. لازمني صداع لأيام عديدة وصورة “المقدم الشهم” لم تفارق مخيلتي، فتولد عندي شعور بالندم منذ تلك اللحظة.

وفي الدار رويت القصة. صعق الجميع… رفع والدي سماعة الهاتف ليطلب من صديقه الوفي العميد جميل الشيخلي (أبو سعد)،رحمه الله، أن يتشرف بزيارتنا على وجه السرعة. وخلال نصف ساعة كان الرجل في بيتنا. رويت له القصة على الفور. لم يتمالك أعصابه، فأطلق العنان للسباب. رفع سماعة التلفون ليذهب بـ “المقدم” إلى الجحيم. وإن كان الرجل قومي الإنتماء، فقد كان آمرا لموقع البصرة، وقبلها آمرا لمعسكر الرشيد. رجوته ألا يفعل ذلك بينما كان والدي يصر على معاقبة “المقدم” وإقصاءه من مركزه.

وبعد أسبوعين من الحادثة، وصلنا خبر وفاة “المقدم”، وكان لله في خلقه شؤون.

وإلى مرثية تاسعة …

الأردن في 5/11/2009

gorgis_3@yahoo.co.uk

عن الكاتب

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى