مرثية ذاتية لها بقية… خاطرة قصصية رقم (7) بعنوان:


الاستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس
الاستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس

بروفيسور في دائرة الأمن و “شيك على بياض”

ذات صبيحة من صباحات عام 1986 كان البروفيسور متواجدا في مكتب رئيس  قسم اللغة الإنكليزية/ كلية الآداب بجامعة الموصل عندما رنّ جرس الهاتف. رُفعت السماعة… وانتهت المكالمة في غضون ثوان معدودة. على إثرها، طلب رئيس القسم منه مراجعة العميد فورا…

– ماذا يريد مني؟

– لم يقل لي أكثر من ذلك…

وعلى الفور نزل البروفيسور السلالم باتجاه مكتب العميد…

تجاهلت السكرتيرة كل من كان في الإنتظار لمقابلة العميد. ومن عند الباب أعلمته بأن البروفيسور قد وصل. أدارت وجهها وقالت:

– تفضل دكتور. العميد بانتظارك.

دخل البروفيسور مرحبا، ورُد بتحية أفضل منها.

– دكتور… تلقيت مكالمة هاتفية قبل قليل من مديرية الأمن، وعلي إبلاغك بضرورة مراجعتهم على الفور.

– على الفور؟ خير إن شاء الله؟

– والله، لا أعلم… إن شاء الله، كل الخير…

خرج البروفيسور من مكتب العميد وهو يضرب أخماسا  بأسداس ويدور في فلك التكهنات… حدّث نفسه:

– يا ترى، هل هنالك مقابلة تسبق التعيينات في مواقع إدارية مهمة، أم لها علاقة بطلبي المقدم لغرض الإشتراك في مؤتمر دولي خارج العراق، أم ماذا؟

شق البروفيسور طريقه إلى مديرية أمن الموصل التي تبعد أقل من كيلومترين عن الجامعة. دخل إلى مكتب الإستعلامات وعرّف بنفسه… طلب منه مسؤول الإستعلامات الإنتظار ريثما يُستدعى… جلس البروفيسور وهو مستغرب من هذا الإستقبال الحار! حتى أن المسؤول لم يقل له: “تفضل دكتور، أو ما شابه. رافقت إنتظاره، الذي دام أكثر من نصف ساعة، علامات إستفهام كثيرة قفزت إلى رأسه، واختلط بعضها ببعض… لم يستطع الإجابة على أي منها…

في هذه الأثناء، دخل شخص متوسط القامة، يرتدي سترة جلدية ذات لون بني فاتح، من الباب الخلفي للإستعلامات (تبين بعدئذ أنه ضابط أمن برتبة نقيب). لم يكن في غرفة الإنتظار ذلك الصباح سوى البروفيسور الذي كان يسمع صيحات من يُضرب (أو ربما يُـعذ ّّب!).

– تفضل معي…

نهض البروفيسور واستغرابه على أشده… إختفت كنية التخاطب تماما، وانعدمت معها القيم العربية في تأدية التحية… زادت مخاوفه:

– يا للهول! يبدو أن هذه المقابلة ستنقلب إلى تحقيق في أمر، ربما يكون “تحرش جنسي” من طالبة راسبة في مادته مما سبب ترقين قيدها من الجامعة.

تبع البروفيسور الضابط إلى الطابق الثالث من إحدى مباني المديرية وهو مضطرب التفكير…

وفي مكتب مسؤول أمني رفيع المستوى (تبين بعدها أنه نائب مدير أمن الموصل، وبرتبة مقدم)… بودلت التحايا، والحمد لله… لقد خفّ التوتر قليلا…

– تفضل دكتور… (مؤشرا بكفه ليطلب من البروفيسور الجلوس)… ثم أردف قائلا:

– لولا مكانتك العلمية وتقديرنا العالي لها، لأتينا بك من الجامعة أو الدار.

– خيرا يا أستاذ؟

أومأ برأسه للضابط الذي أسرع بجلب رسالة بريدية. كان المظروف مفتوحا… أخرج منه رسالة ليريها للبروفيسور…

– هل تعرف صاحب هذا الخط؟

– كلا.

– تمعن به جيدا.

– ولكن إسمك مذكور في الرسالة!

– وإن يكن. ما علاقتي؟

– هل تعرف أحدا بأسم “بنيامين”؟

– نعم. إنه ابن الدكتور (ي)، ونختصره إلى (بن).

– هذه الرسالة واردة من لندن… أنظر الطابع والختم… ألا يعني هذا لك شيئا؟

– أبدا.

– ولكن كاتبها يقول بأنك التقيت به في لندن وحدثته عن مخاوفك ومخاوف الدكتور (ي) في ترك العراق للعمل في الجامعات البريطانية. كما أنه يهنىء فيها الدكتور (ي) على ترشيحه لمنصب عمادة كلية الآداب.

– هذا غير صحيح يا أستاذ… لقد رجعت من إنكلترا عام 1983 بمحض إرادتي في الوقت الذي كان تبادل قصف المدن بين العراق وإيران على أشده… حتى أن مديرة مدرسة بناتي إتهمتنى بالجنون عندما أبلغتها بأنني وعائلتي راجعون إلى أرض الوطن… كما أنني اشتركت في مؤتمر دولي بالنمسا عام 1984 ورحى الحرب ما زالت دائرة. أما كان بأمكاني البقاء في كلتا الحالتين؟

– هل لديك خصوم في لندن؟

– وهل من مبعوث على حساب الدولة لا خصوم له؟!!! ولكنني إنسان مسالم.

أومأ برأسه ثانية إلى الضابط ثم قال:

– هذا كل ما لدي الآن… عسى أن تتذكر وتفيدنا… رافق السيد النقيب.

نهض البروفيسور من مقعده وقد فقد رباطة جأشه إلى حد كبير… رافق الضابط إلى غرفة أخرى… طـُلب منه الجلوس…

– إعترف أحسن لك…

– أعترف بماذا؟

– أنك تعرف صاحب الرسالة…

– ومن أين لي أن أعرف؟

– ربما كتبها له شخص آخر بإملاء منه وقلت له ما قلت…

– صدّقني… لم يصدر عني أي شىء، وشهودي فلان وفلان في الحكومة.

– طيب. أجلب لك كفيلا غدا صباحا… والآن باستطاعتك المغادرة.

توجه الضابط برفقة البروفيسور إلى مكتب الإستعلامات… خروج آمن من مديرية الرعب والخوف والترهيب دون وداع، لأن في الآتي ترحاب ما بعده ترحيب!

وعلم البروفيسور بعدئذ أن الدكتور (ي) كان على موعد متزامن في عملية التحقيق، وفي غرف أخرى…

توجه البروفيسور إلى جامعته… قصّ قصّته على إثنين من زملائه المقربين… طلب من المقرّب الأول أن يتكفله… كان جوابه كالصاعقة:

– لا…لا… كل شىء، ولا الأمن!

واعتذر المقرّب الثاني لنفس المخاوف… كانت الردود قاسية… يالسخرية القدر! يقولون أن الصديق وقت الضيق، ولا يستحون من تلفظها!

لقد كانت سيارة البروفيسور تحت إمرتهما في التنقل والتبضع وفي السراء والضراء… والمصيبة الأكبر هي أنهما يسكنان في نفس الحي الذي يقطنه البروفيسور… قد يكون معهما الحق لأنهما أصحاب عوائل، ولأن من يدخل إلى الدوائر الأمنية قد لايخرج منها!

لم يبق له أحد من المقرّبين في القسم سوى صديقه الحميم الدكتور أمين، الذي كان يقول (رحمه الله) بأنهما مواطنان من الدرجة الثامنة. قصّ له قصته، وقال بأنه سيتصل بوالده في بغداد من أجل الكفالة. سارع المرحوم بالقول:

– إذا لايقدر والدك على المجىء، بسبب كبر سنه، فأنا مستعد للذهاب معك.

– شكرا يا أبا محمد… لقد أثلجت صدري… ولكن والدي سيأتي حتما.

وفي دائرة الأمن صباح اليوم التالي…

تكررت اللعبة المقيتة وطال الإنتظار في مكتب الإستعلامات…

وبعد حين… جاء النقيب وقاد البروفيسور ووالده إلى غرفة أخرى من غرف الطابق الثالث… تقاطرت الأسئلة عينها وبشكل تهديدي أمام الرجل العجوز. ولكن أجوبة البروفيسور لم تتغير… تدخل الوالد:

– يا سيدي، إن إبني نظيف، ويعرف أمن بغداد الجديدة موقفنا من الحكومة والحزب جيدا. كما أن إبني نصيرللحزب.

– يا حجي… كل هذا لايعني شيئا… لقد أعدمنا أعضاء في القيادتين القطرية والقومية ممن خانوا الوطن!

– ولكن الدكتور وطني إبن وطني…

وجاء النقيب بورقة… طلب من والد البروفيسور التوقيع عليها… يجهل الوالد القراءة والكتابة، ولايعرف سوى التوقيع الذي تعلمه ليكون بديلا لبصمة الأبهام… تم التوقيع! ثم طلب من البروفيسور التوقيع على الجانب الأيمن من الورقة…

– ولكن هذه الورقة بيضاء!

– إنه الإجراء المتبع هنا!

– علامَ أوقع؟ على إعدامي؟

– إنها كفالة بخمسة الآف دينار.

– ولكنها لاتنص على شىء!

– أتوقع أم لا؟

وما كان للبروفيسور سوى الرضوخ للأمر الواقع… يبدو جليا أن عدم التوقيع عواقبه وخيمة… تم التوقيع!!!!!!

وبعد مضي شهر من الزمان، طرق مكتب البروفيسور شاب وسيم عرّف نفسه على أنه ضابط أمن الجامعة:

– لاتقلق يادكتور، لقد أمسكنا بالخيط الأول… والآن لي طلب…

– تفضل…

– أرجو مساعدة غادة (في هذه الأثناء، كان يداعب مسدسه المخفي تحت سترته)…

– سأبذل ما بوسعي… إن شاء الله خير… ولكن عليكم بالجاني!

وعلم البروفيسور بعدها أن الملازم الوسيم على علاقة غرامية بطالبته الذكية جدا!!!! وشكك في صدق ادعائه بأن الأمن أمسك بخيوط المؤامرة الدنيئة.

غلق الملف إلى إشعار آخر… ولم يحصل البروفيسور على الموافقات الأمنية لحضور المؤتمرات الدولية خارج العراق، رغم الدعوات الموجهة له، حتى سنة 1999، الذي يعتبره عام الرئة التي يستطيع التنفس بها من جديد.

وإلى مرثية جديدة أخرى، بإذن من الله.

الأردن في الرابع من كانون الثاني 2007

عن الكاتب

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى