مرثية ذاتية لها بقية… خاطرة قصصية رقم (5)


الاستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس
الاستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس

                                بروفيسور في مزبلة            

 

 

بقلم: الأستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس

 

 

كان من عادته أن يرتاد سوق “الخردة” كل صباح أثناء العطلة الصيفية، وقبل أن يتوجه إلى سوق “الخضار” الشعبي المجاور له وسط البلد. لم تكن “الخردة” ضالته المنشودة، وإن كان يشتري البعض منها كيفما اقتضت الحاجة، ناهيك عن السعر المعلن. لقد كان في كل قطعة يتلمسها تاريخا يروي له قصة مع مقتنيها الأول، ومع كل من اقتناها من بعده. كان يتأمل الوجوه القابعة خلف “البسطة” وهي تنادي بلهجات عربية مختلفة، جمعها القدر لأن تحاكي “المتبضع” أو “الفضولي” بلسان تخرسه “البلدية”. كان يجد في بعضها الهدوء والسكينة، وكأنه تناول حبوبا مهدئة قبل مقدمه إلى هذا “التجمع العربي” الشعبي التي دأبت “البلدية” على “تمزيق وحدته” في الانقضاض على المعروض ومصادرته من حين لآخر. يبدو أن ذلك اليوم كان استثناء فريدا لكل الأيام التي خلت. كان جميع الباعة في حالة ترقب، لا بل في حالة تأهب للفرار واستنفار ما تبقى من همم.

 

وبينما كان البروفيسور “متقرفصا” عند إحدى “البسطات”، داهمت فرقة من البلدية ” الأقربون أولى بالمعروف !”. فتشت “الجمع”، وقد أصابه الذعر والفزع ، وفر من فر….

 

إنتصب البروفيسور مذهولا، وقد تشتت أفكاره… كان هذا السوق ملاذا له… لم يجد حتى في البحر الذي كان يرتاده مع عائلته كل يوم جمعة هربا من قيظ الصيف ورطوبته بديلا. وإن كان يتأمل في زرقته وعمقه وسحره، ألا أن همومه كانت “كـِبر البحر” الذي تغنت به فيروز التي عشق صوتها مذ بدأ يعشق الجمال من حوله. حتى الكوابيس التي كانت تزوره ليلا عشقت نهاره، فأضحت لها مسميات أدرجها في “سجل الأحوال الشخصية” على وزن “مرثية”، وكأنه  يعلم بان ذلك النهار كان يخبأ له “بقية !” بعدما أخفق في محاولاته مع “مديرية الرقابة المالية” للحصول على مكافأة نهاية الخدمة، وبعدما شهد ما شهد من أفعال “البلدية”.

 

لم تكن الظهيرة قد حلت بعد… ولم يبق أمامه سوى التجوال في سوق الخضار ليقارن بين الأسعار إجمالا،  وقبل أن يتسوق  ويصبح حمـّالا ! وإن كان الحمل بدون أجر، فأجره عظيم… لقد كان ثقل ما حمل من أكياس إلى داره يمتص جزءا مما ثقل به رأسه ويزيده صبرا على صبر…

 

ترجّل عن الحافلة التي أقلته من سوق الخضار إلى الدار الذي تفصله عن الشارع العام مسافة مائة متر تقريبا. وإن كان يترنح تحت وطأة الحمل الثقيل حتى بلوغ العمارة التي يسكن في طابقها الثالث، فقد كان يستعمل منديله يمنة ويسرة كي يخفف عن الضغط الذي شدّ على راحتيه. صعد السلالم الأولى وهو يترنح… أخذ نفسا عميقا… فكر في أن يأخذ كيسين فقط إلى السلالم الثانية… فعل ذلك، ثم نزل إلى الأولى… أعاد الكرة تلو الأخرى إلى أن وصل نهاية السلالم الثالثة قبالة باب شقته حيث تكدست الأكياس جانبا، وهو يتصبب عرقا من شدة الإعياء.

 

طرق الباب…

 

خرجت زوجته وابنته البكر، كعادتهما، لتنقلا الأكياس إلى الداخل. دخل كمن فقد عقله بحثا عن رشفة من الماء البارد ليبلل بها شفتيه… إفترش الأرض القريبة من المطبخ بانتظار طعام الغداء. وعلى مسمع من زوجته، بدأ يروي قصته الحزينة مع “المالية” التي خرج منها خالي الوفاض… حضر الطعام، ولكن معدته لم تكن مؤهلة لهضم ما كان يحتاج فعلا، لذا قرر أن يأخذ قيلولة بعد أن أنهى لفافة تبغه.

 

إستيقظ عصرا طالبا من زوجته أن تأتيه بكيس الزيتون الأخضر الذي اشتراه  من السوق ليريها مهارته في “كبس” الزيتون على طريقته الخاصة.

 

– أي زيتون هذا الذي تتحدث عنه؟

– الزيتون الأخضر… كيس الزيتون الأسود الذي فيه جوازات سفرنا.

– لم أر أي كيس فيه زيتون، ولكن دعني أتأكد.

 

دخلت الزوجة إلى المطبخ بحثا عن الكيس الأسود… لم تجده. سألت إبنتها إن كانت قد أدخلت الكيس، فأجابتها بالنفي. ثم أردفت قائلة:

 

– لعلك نسيته في الحافلة!

 

إستشاط غضبا…

 

– تأكدي من أنه لا يزال في الخارج.

 

فتحت الباب على عجل… إلتفتت يمنة ويسرة… لكنها لم تجد له أثرا.

 

أخذ يلطم على رأسه… ينتحب… يتعالى صراخه:

 

– الجوازات! الجوازات! ماذا حل بنا يا إلهي!

 

هرع إلى علية العمارة بحثا عن الحارس. طرق بابه بقوة. فتح له “عبدو” فزعا.

 

– ما الأمر يا دكتور… “هو فيه حاجة”؟

 

– هل رأيت كيسا أسودا فيه زيتون عند باب شقتنا؟

– لم أر ما في داخله… اعتقدت أنه كيس للنفايات. ولذلك، وكما جرت العادة، أودعته حاوية البلدية خارج العمارة.

– ولكن فيه جوازات سفر العائلة، يا عبدو!

– ما الذي تقوله، يا دكتور؟ هلم بسرعة، ولنبحث عنه في الحاوية.

 

سارعت السيقان الريح… إمتدت الأعناق بحثا… جال البصر ثنايا الحاوية، ولكن عمال النظافة قد سبقوا الحدث الجلل، وباتوا يطوفون أرجاء الحي، جامعين ما تبقى من قمامة. تجمع فتية الحي حول البروفيسور المغلوب على أمره، وتسائلوا:

 

– ما الذي تبحث عنه، يا دكتور؟

– جوازات سفرنا…

-لا إله إلا الله. إلحقوا بسيارة النفايات التي غادرت المنطقة قبل ربع ساعة. إنها في طريقها إلى مجمع النفايات خارج المدينة.

– وكم تبعد من هنا؟

– حوالي عشرة كيلو مترات.

– هيا يا عبدو. بسرعة! جد لنا سيارة أجرة!

 

وفي هذه الأثناء وصل سامر، شاب من “بلديات” البروفيسور، وصديق للعائلة.

 

– ما لي أراك مرتبكا يا دكتور؟ ما الذي حدث؟

– مصيبة! سأحدثك في الطريق. أسرع، فقد أوقف حارس العمارة سيارة أجرة.

 

إنطلقت بهم السيارة على عجل… لم يكن أمام السائق حلا آخر سوى اللحاق بناقلة النفايات بأقصى سرعة ممكنة، غير آبه بقواعد السير. وبينما كان يروي البروفيسور قصته بألم وحزن، كان الجميع يترقب مرور عربات “النظافة” باتجاهي الشارع…

 

– تلك هي واحدة في الأفق، عائدة من مجمع النفايات…  يبدو أنها قد أفرغت حمولتها، وقد أشار سامر بإصبعه إليها… لنطلب من سائقها التوقف.

 

 رصف سائق الأجرة سيارته على جانب الطريق، وانتصب وسط الشارع ملوحا… توقفت العربة… سأل سائقها عن قرينتها التي جابت الحي الذي يسكنه البروفيسور، فأجابه بأنها تفرغ حمولتها الآن… كان سائق الأجرة شهما. ركض إلى سيارته، وانطلق مسرعا… وفي لحظة الوصول، كانت عربة الحي تهم بالخروج من البوابة… بعد أن تأكد سامر من هويتها، سأل عمال النظافة الذين كانوا يقلوها عما إذا كانوا قد  عثروا على كيس للزيتون وفيه الجوازات. فأجابوه بالنفي. صعق البروفيسور عند سماع ذلك، وأصيب بخيبة أمل. وكذا الأمر بالنسبة لسامر، الذي استعلم  عن الموضع الذي أفرغت به الناقلة حمولتها…أشاروا إلى مكان التفريغ… طلب سامر الإذن من حارس المجمع  للنبش في القمامة التي تم تفريغها توا بغية العثور على الجوازات… تقدم البروفيسور وسامر وعبدو، وحتى سائق الأجرة، باتجاه كومة القمامة. وبدأت حملة “العمل الشعبي”، وكأنها موسم للحصاد بالمناجل!

 

لم يكن هنالك معول أو مشبك أو فأس، أو… أو… أي  من أدوات الحفر والتنقيب وتقليب القمامة التي كانت تنبعث منها رائحة الموت البطيء. بدأ البحث بالأيدي، من أسفل وأعلى الكومة التي لا يتصور العقل حجمها، حتى أضحى المنقبون جزءا لا يتجزأ منها… أكياس تنتشل وترمى جانبا، أو تحلق في الهواء من شدة الغضب… تتناثر أشلائها وتتطاير كيفما شاءت الريح الساخنة والنتنة… وكانت النتيجة: الإخفاق!

 

إعتذر سائق الأجرة عن مواصلة البحث لأنه، وكما قال: “على باب الله”، وتمنى لهم التوفيق في مساعيهم. كانت ناقلات النفايات تدخل وتفرغ حمولتها بالجوار، ثم تقفل عائدة من حيث أتت. وعلى مقربة من مكان البحث إنهمك سائقو الجرّافات والحفـّارات بعملية دفن القمامة، هذه العملية التي كان يصورها فريق تلفزيوني، وكأنها نجمة من نجوم هوليود. أدار البروفيسور وجهه جانبا خوفا من أن تلتقطه عدسة المصور، وبدأ يبحث عن أي أداة تمكنه من نبش القاذورات التي علت نعليه وأزكمت أنفه حتى الثمالة… وفي هذه الأثناء، تقاطرت مجموعة من الشباب، من كل صوب وحدب، وبدأت بالتنقيب عن كل ما يمكن بيعه في سوق “الخردة”، وكأنه منجم للذهب. ويبدو أن هؤلاء الشباب قدموا من بلد عربي مجاور مزقته الحرب الأهلية. حدث البروفيسور أحدهم عن محنته، ووعده بان يكرمه وجماعته إذا ما عثروا على الجوازات. كان حارس المجمع حريصا ألا يظهر الشباب على شاشة التلفاز،  لذا بدأ بتشتيتهم رميا بالحجارة. وما كان للبروفيسور فعله سوى التوسل إلى الحارس كي يسمح لهم بتقليب القمامة بحثا عن “الكنز المفقود” خوفا من أن يحل الظلام. حصلت الموافقة، وكأنها صادرة من المدير العام لمديرية “الزبالة”…

 

بدأ البحث الجماعي بهمة يصعب وصفها… كل واحد على طريقته الخاصة، وبمهنية رفيعة المستوى… إنها الجائزة الكبرى! جائزة ثمنها البحث بين فوط الأطفال والنساء المتسخة،  وواقيات الرجال، وزجاجات الويسكي المهرب عبر البحر المتوسط، وبقايا ما ترشح عن ولادة طفل أو هر هرم قضى نحيبه مواء على حبيبته… قمامة… وما أدراك من قمامة! عالم غريب عجيب يصنعه البشر دون عناء… وتعجز الكلمات النثرية عن وصفه، بل ويعجز الشاعر عن نظم قصيدة تتغنى به أو تقبحه… الصورة سريالية بكل معنى الكلمة!

 

وفجأة تعالى الصراخ: وجدتها!

“ماذا وجدت؟”, تسائل أحدهم.

“زيتونة!”

“ما لونها؟”

“سوداء”.

“ولكن الزيتون كان أخضرا”.

“وهل يخلو الورد من الشوك!”

“أصبت”، أيها الشاب. وهنا تذكر البروفيسور قصة “الابن الضال” التي وردت في الإنجيل. “هلموا يا شباب… دعونا ننقب هنا”…

ولكن ضاعت الجهود هباء… كانت الزيتونة اليتيمة التي احتضنتها النفايات…

 

جاء المغيب مشرئبا بنحيب… حل الظلام تماما… وعدمت الرؤيا… يا للخيبة!

لم يبق أمام البروفيسور وصحبه سوى اللجوء إلى الشرطة لتسجيل الواقعة، وإلا المقاضاة بألوف الدولارات، ناهيك عن البقاء في ذلك البلد لأجل غير مسمى.

 

وفي مركز الشرطة… وجها لوجه مع الضابط الذي بدأ يستمع إلى قصة البروفيسور ويدون البيانات المطلوبة. وما لبث إلى أن وصلته الشحنة الأولى من الرحيق المهيج للمجاري التنفسية… سارع إلى فتح النافذة المجاورة متمتما وممتعضا: “ما هذه الرائحة النتنة! لقد تشبع هواء الغرفة بها”. وعلى عجل، تناول علبة معطر الجو وبدأ يرش من حوله وتحت مكتبه… طلب من سامر والحارس مغادرة المركز على الفور والعودة إليه بعد أن يغتسلوا جيدا. وإن كان الضابط مصيبا فيما أمر، ألا أن رائحة الموت كانت قد سكنت كل ثقب وكل نسيج من موجودات الغرفة والمركز.

إنتهت الإجراءات الروتينية…

رجع البروفيسور إلى منزله نادبا حظه العاثر، ولاعنا اليوم الذي وطأت قدمه ذلك البلد.

دخل مترنحا… لا يدري ما يقول… إفترش الأرض… طلب قدحا من الماء البارد، ثم تمتم: “لقد ضعنا وضاع كل شىء…”.

 

بعد دقائق معدودة… ثمة من يطرق على باب الشقة… كان سامر، بعد أن اغتسل، برفقة شابين من بلدته. ألقوا التحية على البروفيسور… أبدوا أسفهم لما حصل له، ووعدوه بأنهم لن يرجعوا  دون العثور على الجوازات… مضوا في سبيلهم…

 

كانت الساعة قد قاربت الثامنة مساء… سمع الباب يطرق بقوة وبشكل متتالي… هرعت الزوجة لفتحه، وإذا ببسام يزغرد فرحا… يبارك الدكتور… يطلب عشاء فخما… يروي حكايته المقتضبة:

“لقد كانت بحوزة الحارس الثاني الذي استلمها أول ما دخلت ناقلة النفايات بوابة المجمع، وغادر على الفور لغرض الإتصال هاتفيا مع المؤسسة التعليمية التي كان البروفيسور يعمل لديها. ويبدو أنه اتفق مع العمال،  الذين أنكروا وجود الجوازات، على كتمان الأمر لحين الحصول على “فدية” يسيل  لها اللعاب، شريطة أن يأخذ هو حصة الأسد. ودون أن يطلب، مددت يدي إلى جيبي وأعطيته مائة دولار. كان فرحه شديدا لأن الدولار في ذلك البلد يباع في السوق السوداء.

 

– سنذهب الآن إلى مركز الشرطة لإبلاغهم وإسقاط الدعوى، بينما تعد لنا أم داني ألذ عشاء”…

 

وإلى الحمّام…

 

وإلى مرثية ذاتية أخرى… لها بقية!

 

في 8/ 8 /2006

 

عن الكاتب

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى