مرثية ذاتية لها بقية… خاطرة قصصية رقم (10) بعنوان: شتيمة من ناقص في عقر داري


الاستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس
الاستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس

حبّذا لو أخذونا في نزهة بين الحملان برعاية كلب يحمينا من الذئاب وراع يهدينا إلى مراع تتغنى ببرسيم نيساني أخضر تزينه أزهار البيبون ذات اللب الاصفر والأجنحة البيضاء وقالوا لنا: ها هنا أنتم قاعدون سالمون غانمون، ولكن كالدجاج اقتادونا إلى معسكر “درنجوخ” لتدريب الجيش الشعبي وقالوا لنا: ها هنا تصنع الفحول وليس في الحقول. كان ذلك في صيف سنة 1984 من تاريخ جامعة الموصل، صيف لاهب تنقلب فيه المعادلة بين الأستاذ والطالب لتصبح مفردة “الرفيق” جسرا يعبر عليه الأمير والحمير. والأنكى من ذلك، يُخاطب بها من تلصق به تهمة أو يحاكم بالخيانة العظمى. هكذا شاء منظرو “الاشتراكية” و “الوطنية” في العراق، ومن على الجسر سقط أساتذة جامعات أجلاء، ومنهم إبن خالي قرياقوس ميخا خمي الذي ابتلعه نهر “الـﮕارون” في الحرب مع إيران. يبدو أن قيادتنا لم تقرأ مذكرات تشرتشل، رئيس وزراء بريطانيا، الذي رفض أن يرسل أساتذة الجامعات إلى جبهات القتال في الحرب العالمية الثانية. ولكن حصل الذي حصل وما علينا سوى كتابة التاريخ كما عاصرناه بأمانة.

إستغربت من تسمية “درنجوخ” للمنطقة الواقعة في الطرف الجنوبي لناحية الرشيدية/ قضاء تلكيف الواقعة على الضفة الغربية من نهر دجلة. قد تكون الكلمة كردية أو تركمانية لأن أغلب ساكني الناحية هم من التركمان الذين استقبلونا بالأهازيج والتصفيق على حافتي الطريق المؤدية إلى المعسكر ظنا منهم أننا في طريقنا إلى تحرير المناطق العراقية التي وجدت فيها القوات الايرانية “موطأ قدم” بينما تتبادل الدولتان قصف المدن. كان الطلبة، خاصة الراسبين والمكملين في الدور الأول من الإمتحانات النهائية، فرحين بتواجدهم مع أساتذتهم الذين يشاركونهم خيمهم وقصعتهم ودس أصابعهم فيها لتناول وجبات الغداء والعشاء، ناهيك عن انتعاش آمالهم في النجاح. للمقاتل “الصنديد” خياران، إما دس الأصابع في القصعة المشتركة، أو الامتناع عن الطعام بانتظار سائق التموين، الأستاذ سليمان، كي يأتيه بما يتيسر له من السيكاير والمعجنات في طريق عودته إلى المعسكر. كنت أنا وزميلي الأستاذ صبحي نمتنع عن تناول الطعام في الأيام التي يرى أحدنا بأن حاوية الشِـجر (الكوسة، بلهجة الشام) تكسوها طبقة سوداء وخضراء وزرقاء. تأملنا مرة الوعاء (الطشت) الذي يحتويه الشـِجر المقطع. تغاضينا عن الأتربة وحبات الرمل التي كانت تأتي بها الرياح لأن الشـِجر سيغسل بالماء قبل وضعه على النار، ولكن ماذا عن جيوش الذباب؟

علـّق صبحي بفكاهته المعهودة: إشبع اليوم بروتينات!

ولكنه الذباب الأخضر، يا أبا بسمان.

إنفجر صبحي ضاحكا لأنه يعلم بأن هذا النوع من الذباب يعيش على فضلات الإنسان وروث الحيوانات وكل ما هو “فطيس” (أي نافق).

وفي حضرة ملايين المايكروبات، تبدأ الاتصالات والمشاورات للحصول على فتات من الخبز أو بقايا المعجنات.

مرّ أسبوعان على تواجدنا في المعسكر الذي تأقلمنا مع سلوكيات القائمين عليه. إقتصر التدريب على الرياضة والانضباط والتوجيه المعنوي. كنت أنتظر بفارغ الصبر صدور الأمر الجامعي الذي يقضي مشاركتي في مؤتمر دولي بالنمسا. لم يكن صبحي متفائلا حول إمكانية حصولي على موافقة جامعة الموصل بإيفادي إلى الخارج في ظل الحرب الدائرة بين العراق وإيران، ناهيك عن أننا كنا في معسكر تدريبي لا يسمح بالخروج منه سوى للضباط المجندين. إنتهزت فرصة وجود (النقيب) الدكتور مؤيد معنا، وطلبت منه متابعة الموضوع.

وجاء الجواب بالإيجاب…

لم يصدق أحد عينيه وهو يقرأ الأمر الجامعي القاضي بإيفادي، كما لم أصدق سماع سيل من كلمة “مبروك” من أفواه الزملاء والطلبة. هرعت إلى آمر المعسكر، النقيب (م ح) للحصول على موافقته بترك المعسكر. عندما وصلت إلى خيمته كان يتناول طعام الغداء (الخاص) مع معاونه الملازم الأول (س ص). أديت التحية العسكرية التي لم أتقنها، حالها حال الرقص والغناء، في حياتي، وقدمت الأمر الجامعي له. تأمل في الكتاب قليلا، ثم علق ساخرا:

–  هـَم “دنحا”، وهـَم “طوبيا” وهـَم “النمسا”؟

تسمرت في مكاني دون تعليق، وارتفع الدم إلى رأسي، وشعرت بالغثيان بينما راح قلمه يذيّل الكتاب بالموافقة. ومع ذلك، شكرته، لكنني توجهت مسرعا إلى الرفيق (ص م)، عضو فرع نينوى للحزب، آمر القاطع، وشكوته بالذي بدر من المسؤول العسكري. حاول الرفيق امتصاص غضبي بقوله:

–  هذه نماذج سيئة تسىء إلى الحزب والثورة. أما يعلم بأن القائد المؤسس والرفيق طارق عزيز مسيحيان؟ توكل على الله، وامض في مشوارك. رافقتك السلامة.

لم تسعفني مواساة الرفيق كثيرا لأن البيئة التي تخرج منها السيد النقيب موبوءة، بل كانت خشيتي في الذي سيحصل لمسيحيي الموصل تحديدا. لو كان معلمه قد تبرع فعلمه بأن إسم “دنحا” إسم عراقي أصيل وأسمه دخيل على العراق، فضلا عن كونه حاملا لشهادة الدكتوراه، ما سخر هذا الناقص من الأسماء السريانية التي وهبتها السماء.

وإلى الملتقى في مرثية قادمة…

الأردن في 2/2/2010

عن الكاتب

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى