محـافظـة مسـيحيـة ام حكم ذاتـي ؟ وتداعياتهـا على الجيـران من عـرب وكورد و ..


حبيب تومي
حبيب تومي

 

 
يعد من الأطناب ومن نافلة القول ان نتحدث عما تعرض له الشعب الكلداني وبقية المسيحيين وكل الأقليات الدينية  في العراق من قتل وتهجير وخطف وظلم اجتماعي وتهميش قومي وسياسي ، ان الأوضاع التي سادت بعد سقوط النظام في نيسان 2003 كان كارثة انسانية بحق هذا الشعب الأصيل ، ونجم عن تلك الأوضاع هجرة جماعية ، ونصفها بالهجرة الجماعية لأنها امتصت نصف هذا الشعب وارغمته الى الهجرة وترك الوطن الأم ، وهكذا لم يبق من شعبنا الكلداني وبقية المكون المسيحي في مدن بغداد والبصرة والموصل سوى نصف الأعداد التي كانت قبل نيسان 2003 ، وأفضل التقديرات تشير الى هجرة نسبة اكثر من 50% ، اليست هذه الهجرة شبيهة بالهجرة المليونية التي حدثت في كوردستان عام 1991 بعد القضاء على انتفاضة الشعب الكوردي في تلك السنة ؟
إن ما يتعرض له شعبنا الكلداني والمسيحيون بشكل عام قد استقطب تعاطفاً محلياً ودولياً ، وثمة احزاب ومنظمات وشخصيات ثقافية وسياسية ، قد تدخلت ورفعت اصواتها ضد الظلم والعنف الدموي الذي طال هذا الشعب الأصيل ، وفي ذروة تلك الأحداث الدامية التي وصلت الى حد الهجوم على المصلين في داخل هيكل كنيسة سيدة النجاة في بغداد ، ومن ثم تهديد وقتل المسيحيين على الهوية وتفجير كناسهم وبيوتهم ، وكانت آخر ضحايا الأرهاب الشهيد الشاب فادي وليد جبرائيل جدو ، وكأننا نعيش في ظروف حرب عالمية .
 في غمرة تلك الأحداث وزخمها والضجة الأعلامية العالمية ، صرح الرئيس مام جلال انه ليس ضد تشكيل محافظة مسيحية ، وكان قبله الأستاذ مسعود البارزاني قد ابقى ابواب اقليم كوردستان مشرعة امام المكون المسيحي ليجدوا الملاذ الآمن مع العمل على ايجاد وظائف وأعمال للنازحين من المدن العراقية والتي تحولت الى خنادق قتال امام المكون المسيحي المسالم .
بعد تلك التطمينات ارتفعت اصوات عراقية شريفة من الأدباء والكتاب والساسة وبعض رجال الدين من السنة والشيعة ، وهؤلاء جميعاً استنكروا الأعتداءات وأيدوا بشكل وآخر نيل المسيحيون لحقوقهم في وطنهم العراقي ، ولكن السؤال هو :
هل يمكن ان نعول على تلك التصريحات الداعمة المؤيدة والبناء عليها لتشكل أساساً لبناء محافظة مسيحية او منطقة تتمتع بدرجة من الحكم الذاتي ؟
 من هنا نتطرق على بعض وجهات النظر فالحركة الديمقراطية الآشورية تتسم رؤيتها بمسايرة الفكر القومي العربي الذي لا ينظر الى فكرة إقامة منطقة حكم ذاتي للكلدانيين وبقية المسيحيين في المنطقة بعين القبول والأرتياح ، وتطرح الحركة البديل عن ذلك مشروع الحكم المحلي الذي تؤيده مواد الدستور العراقي الأتحادي ، ومن وجهة نظري الشخصية فإن الحكم المحلي لم يحقق اية مكاسب لشعبنا إذا ما تتبعنا وضع مدننا وقرانا التي تمارس فعلياً حكماً إدارياً محدود .
وفي مسألة الحكم الذاتي فإنه طرح اكثر شمولية وتطوراً ، ويطرح هذا الشعار المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري ، لكن المجلس يبقى طرحه ضبابياً في هذا الشأن في مسألة تحديد المنطقة الجغرافية للحكم الذاتي الذي يطالب به .
وفي الطرح المثير للرئيس جلال الطالباني بتأييده ودعمه لأقامة محافظة مسيحية نكون قد وضعنا رجلنا على عتبة البداية لهذا المشروع مهما تغيرت تسميته فإطار الفكرة هو تفشي الظلم والأرهاب والقتل والتهديد ، بتزايد وتيرة استهداف منظم لمكون عراقي أصيل في مدن بغداد والموصل وكركوك ، وكل العراقيين الشرفاء يحرصون على بقاء هذا المكون في وطنه العراقي ، فكان احد الحلول هو ايجاد ملاذ آمن لهم وعلى اثرها تبلورت فكرة المحافظة المسيحية وبدأت تتبرعم من رحم الأحداث الدامية لتشكل ضرورة مرحلية ومستقبلية لضمان بقاء هذا المكون الأصيل في وطنه .
لا شك ان مثل هذا المشروع يتسم بتباين الآراء وردود الفعل ونقرأ على موقع عنكاوا من مندوبه في البرلمان العراقي بأن أراء اعضاء البرلمان كانت متباينة
( فقد عبر عدد من البرلمانيين عن ان تنفيذ المقترح فيه تقسيم للعراق على اساس عرقي، ووجد اخرون ان ذلك امر دستوري ومن حق المسيحيين ان يكون لهم حكمهم الذاتي.
وقال عضو التحالف الوطني احمد الجلبي لموقع “عنكاوا كوم” ان مقترح تشكيل محافظة مسيحية “امر مرفوض. ولا يجوز تقسيم العراق على اساس عرقي وطائفي”، مشيرا الى ان تشكيل محافظات عراقية على اسس طائفية او دينية “امر لا ينسجم مع الواقع العراقي ومرفوض من قبلنا”.
واضاف ” نريد ان يكون العراق دولة واحدة لكل العراقيين وان يتمتع كل عراقي بحقوقه في جميع محافظات العراق ولكل الطوائف لكل الاديان”.
وكانت قيادات الاحزاب المسيحية قد شددت على تشكيل محافظة خاصة بالمسيحيين شريطة ان لا تكون مبنية على اساس عرقي او ديني ) .
وتعليقي على ذلك حينما نقول محافظة مسيحية ماذا يعني ذلك ؟ اليس في هذا الأسم إطار ديني بحت ؟
بعد ذلك ماذا عن الجيران في المنطقة من عرب وأكراد وتركمان وأيزيدية وشبك ؟ إلا ينبغي التفاهم مع هذه المكونات المتاخمين للمحافظة المسيحية المفروضة والتي لا زالت على الورق فحسب ؟
نقرأ على موقع صوت كوردستان ،خبراً يقول :(( وصلت صوت كوردستان معلومات سرية حول خطه محكمة لانشاء أقليم خاص مستقل للمسيحيين في منطقة الموصل المتنازعة عليها بين اقليم كوردستان و الحكومة العراقية، تلك المناطق التي يتركز فيها المسيحيون. هذة الخطة معدة من قبل دول و منظمات استخباراتية عالمية و تشارك في تنفيذها قوى متعددة في العراق و عبر تركيا. حسب هذة المعلومات فأن عمليات القتل و تهجير المسيحيين الى أقليم كوردستان هي نتيجة و جزء من هذه الخطة التي لربما ستغير خارطة المنطقة. .. كما نود أن نوضح لكتاب صوت كوردستان و قرائها الاعزاء بأن التطرق الى هذا الخبر يأتي من باب أيصال المعلومات الى القراء و أن صوت كوردستان مع ضمان حقوق الشعب المسيحي بجميع فئاته سواء على ارض كوردستان أو في العراق أو على اراضيه و من ضمنها حق تقرير المصير في أستفتاء حر بهم وبجميع شعوب العراق.. )) .
إن موقف القيادة الكردية الداعمة لحقوق المسيحيين يبدو جلياً لا يساوره غموض  ، وفي نفس السياق الأيجابي نقرأ عن الأستاذ اسامة النجيفي وهو رئيس البرلمان العراقي قوله :
ان بلاده تعمل على تشريع قانون لحماية المسيحيين ومنع تغيير التركيبة السكانية للعراق الذي قال انه بحاجة الى خلق مؤسسات ديمقراطية تعنى بحقوق الانسان ومحاربة الفساد من خلال تشكيل مفوضية مستقلة لحقوق الانسان قريبا لارتباط هذا الموضوع باستقرار الوضع السياسي في البلاد .
اقول :
انها فرصة تاريخية سوف لا تتكرر وجديرة بالأهتمام والأستثمار ، فالفرص التاريخية تعتبر لحظات من الزمن قلما تتكرر ، وعلى شعبنا الكلداني وبقية المكونات المسيحية ان تنتهز هذه الفرصة لوضع لبنة مباركة في بناء رمز مسيحي في المنطقة ، انها البداية إن كانت محافظة مسيحية او منطقة ملاذ آمن او منطقة لحكم ذاتي ، وإن هذه المنطقة سوف تكون آصرة تفاهم وتبادل المنافع لكل المكونات في المنطقة ، وليس لفكرة جمع المسيحيين في منطقة محدودة بقصد سهولة القضاء عليهم إلا خرافة بدون ان يكون لها اي أساس من الصحة .
 اما ان تكون هذه المنطقة برعاية دولية فسوف لا يكون في الأمر غرابة بعد ان علمنا ان مصير العراق برمته قد كتب من خارج حدوده فأين الغرابة في ان تكون هذه المنطقة بوصاية او رعاية او حماية دولية ؟
إن كانت احزابنا وفية لشعبها فعليها ان تتابع امر تشكيل مثل تلك المنطقة اليوم قبل الغد ، وإلا فإنها تتاجر بقضية هذا الشعب لا اكثر . وعلى هذه الأحزاب ان تنأى بنفسها من الهاجس الذي يؤرقها وهو هاجس القضاء على القومية الكلدانية في بلاد الرافدين ، عليها ان تأخذ إجازة في هذه الظروف الصعبة وان تلتفت بعين المسؤولية الى هذا الأمر الخطير ، ( والمقال القادم سوف يكون عن مبادرتي المجلس الشعبي والزوعا الأخيرتين) .
 إن المنطقة التي سيتمتع بها شعبنا الكلداني وبقية المكونات المسيحية بشئ من الأدارة الذاتية او الأستقلال الذاتي ويتوفر فيها الأمان والأستقرار ستكون منطقة جاذبة لرؤوس الأموال والأستثمار في شتى المشاريع ، وستكون نقطة التقاء المصالح ولهذا يمكن التكهن بأن تكون تلك المنطقة منطقة سلام وتعايش ووئام بين المكونات الدينية والقومية المكونة لفسيفساء النسيج المجتمعي العراقي الجميل .
حبيب تومي / اوسلو في 03 / 12 / 10

عن الكاتب

حبيب تومي
عدد المقالات : 252

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى