متى يستدرك الإنسان الكوردي مدى التأثير السحري للقوة الناعمة عليه؟! بقلم محمد مندلاوي


نادي بابل

إن الكورد في هذه المرحلة الحرجة، التي يمرون بها من الصعب أن ينشأوا مؤسسات “القوة الناعمة” كبعض الدول والكيانات على كوكبنا، حتى تستطيع هذه القوة من خلال برامج موجهة تغيير الصورة النمطية عن الكورد عند الشعوب التي تعيش حول وطنهم كوردستان، أو تلك الأقليات والطوائف التي تعيش في كنفهم، حتى تغزوا عقولهم، وتوجه أسلوب تفكيرهم في الاتجاه التي تريد، وبعدها تستطيع أن تسيرهم كما تشاء، حتى لا تستطيع حكوماتهم المستبدة بتحريضهم لمعاداة الكورد، وذلك بسرد الأكاذيب السياسية والطائفية ضدهم. لكن، الكورد بعد حرب العالمية الأولى وإلى الآن أصبحوا أسرى لقرارات عواصم الشر الأربعة المجحفة بغداد، طهران، دمشق، أنقرة، بالإضافة لاحتلالها كوردستان تضع العصا في عجلة تطور شعبها وتمنعه من مواكبة التطور والتحديث، الذي أخترعه العقل البشري في العقود الأخيرة في شتى المجالات والميادين، السياسية والإعلامية والعلمية والاقتصادية الخ.

عزيزي القارئ، من الابتكارات السلبية التي خرجت من جعبة العم “سام” (Uncle Sam) هي تلك التي تسمى القوة الناعمة (Soft power)، التي تتسلط على”العقول والقلوب” معاً، أي: تتحكم في خصائص سلوك أولئك المستهدفين.. وتحدد نمط تفكيرهم، وتوجه بالاتجاه الذي تريده. إن مبتكرها في تسعينات القرن الماضي ،هو أستاذ في جامعة “هارفرد” (Harvard University) والمساعد السابق لوزير الدفاع للشؤون الأمنية الدولية في إدارة الرئيس الأمريكي السابق (بيل كلينتون) (جوزيف س. ناي)، الذي عرَّف من خلالها عناصر القوة دون إكراه، وذلك عبر الآداب والفنون، ويقول: أحياناً عبر الدبلوماسية الرشيقة.

بلا شك أن تأثير القوة الناعمة السلبي والتدميري على المجتمعات يفوق تأثير القوة الصلبة (القوة العسكرية) أو أية قوة أخرى على الأرض، لأنها تخرب العقول. لكن هناك شيئاً من التشابه بين أساليب القوة الناعمة وأساليب الـ”جيوبوليتيك” (Geopolitics)، التي تحلل العوامل الجغرافية، التي لها علاقة بالأرض وما فوقها وما في جوفها. بينما تلك – القوة الناعمة- لها علاقة بالإنسان، وتحديداً  منظومة أفكاره، لذا إنها تسعى بتلك الأدوات المتعددة كالآلية التي تمتلكها، والبشرية التي تغدق عليها الأموال بسخاء، أن تغيير المحتوى الداخلي؟ للضحية لصالح الجهة التي تديرها، كما أسلفت، الممول والمالك لوسائل وأدوات القوة الناعمة.

من الدول الكبيرة التي لحقت مؤخراً بركب العالم الغربي في هذا المضمار هي روسيا الاتحادية، التي قال رئيسها  فلاديمير بوتين: إن القوة الناعمة تتألف من مجموعة أدوات وأساليب لتحقيق أهداف سياسية من دون استخدام القوة، من خلال المعلومات وغيرها من وسائل النفوذ.

ومن الدول التي أسست مجلساً خاصاً للقوة الناعمة هي “دولة الإمارات العربية المتحدة” الصغيرة بنفوسها وكبيرة بتأثيرها العالمي دبلوماسياً واقتصادياً. يتكون هذا المجلس من:1- محمد بن عبد الله القرقاوي وزير شؤون مجلس الوزراء، رئيس المجلس. 2- ريم بنت إبراهيم الهاشمي وزيرة الدولة لشؤون التعاون الدولي. 3- الدكتور سلطان بن أحمد الجابر وزير الدولة. 4- الدكتور أنور محمد قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية. 5- نورة بنت محمد الكعبي وزيرة الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي. 6- محمد خليفة المبارك رئيس مجلس هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة. 7- سامي أحمد القمزي مدير عام دائرة التنمية الاقتصادية بدائرة دبي. 8- هلال سعيد المري مدير عام دائرة السياحة والتسويق التجاري بإمارة دبي. 9- محمد سعيد عطر الظنحاني مدير عام مكتب الدبلوماسية العامة عضواً ومقرراً للمجلس. 10- خليفة سالم المنصوري وكيل دائرة التنمية الاقتصادية بالإنابة بإمارة دبي. أتلاحظ عزيزي القارئ، أن دولة الإمارات تعرف جيداً حجمها الحقيقي في عالم الفيَّلة، لذا خصصت تحرك مجلسها للقوة الناعمة في مجالات علمية وثقافية واقتصادية وسياحية وإنسانية وفنية، بعيداً عن الصراعات السياسية والعسكرية التي سادت في العديد من البلدان العربية وخلقت ديكتاتوريات وضعت نفسها في مصاف الإله لا يُسأل ولا يُحاسب فعليه دمرت اقتصاد بلدانها وأنهكت القوة البشرية فيها، وفي النهاية لم  تطل لا بلح الشام ولا عنب اليمن. إلا إن قيادات الإمارات تعرف جيداً أنها ليست أهلاً للقوة التقليدية، وهذا عين العقل، وعرفت جيداً في أي حقل تستطيع أن تستثمر وتتوسع وتحقق نجاحات كبيرة، حتى لا تكون كحمار العنب تحمله على ظهره ولا تذوقه؟. بمعنى، أن كل بلد يجب أن يوجه قوته الناعمة حسب إمكانياته وقدراته المؤثرة بشكل إيجابي في تلك الحقول، التي يستطيع أن يطل فيها بلح الشام وعنب اليمن؟.

هناك في منطقتنا كيان غاصب يسمى تركيا، زرع بعد الحرب العالمية الأولى كخنجر غدر في خاصرة الشعب الكوردي، ومحتل شمال وطنه كوردستان، ويتدخل بشكل سافر في أجزاء كوردستان الأخرى المحتلة عربياً وإيرانياً، ويعلن جهاراً نهاراً بأنه ضد الأمة الكوردية، ولا يقبل قيام دولة كوردستان أسوة بدول العالم حتى لو على القمر. إلا أن هذا الكيان اللوزاني نجح من خلال القوة الناعمة أن يخترق دولاً عديدة كانت دخولها محرمة عليه لعقود طويلة، إلا أن التي فتحت الأبواب أمامه هي القوة الناعمة، من خلال مسلسلاته التلفزيونية، التي روجت لشركاته وللسياحة، خاصة حين جعلت من عارضات الأزياء ذات القوام الممشوق الشبه عاريات ممثلات بارعات بعرض أجسادهن! لجلب السياح تركز كامراتها في مسلسلاتها على المناطق الطبيعية التي فيها شيء من الاخضرار وتظهر تركيا للمشاهد كأنها مملكة السويد بخضارها. للعلم، أن التقارير أشارت في العام الماضي أن المسلسلات التركية حلت في المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات الأمريكية المتحدة؟. ويقول الأتراك: إن المسلسلات التركية يتم تصديرها إلى 102 دولة حول العالم، وتأتي الدول العربية في مقدمة المستوردين لها؟. عزيزي القارئ، بالإضافة إلى الدعاية التي تقوم بها هذه المسلسلات للأتراك، إلا أنها تدر أموالاً طائلة أيضاً على الكيان التركي الذي يُصدر معها أيضاً سياسة تركيا.. الممنهجة، التي تلمع وجهها الذميم عند العالم، وبشكل خاص عند العرب، الذي صرح الممثل السوري عباس النوري بحسرة: أن المسلسلات التركية حولتنا من أمة محمد إلى أمة مهند. إن مهند هو ذلك الغلام التركي الهجين، الذي اشتهر في إحدى المسلسلات التركية.  

إن البيت القصيد في مقالنا هذا، في الأعوام السابقة أشرت عدة مرات في كتاباتي عن هذه القوة الشيطانية اللعينة (القوة الناعمة)، كان هذا عام 2013 في مقال باسم “الفن هوية القومية 1/3″ وفي مقال آخر عام 2016 كان تحت عنوان” إطلالة على الصحافة الالكترونية والمواقع الإخبارية” وكررت رجائي وطلبي منهم عام 2018 في مقال بعنوان” متى تولد الروح الوطنية الكوردستانية الحقيقية في ضمير عموم الشعب الكوردي”  وحذرت بعض ضحاياها من الكورد، إلا أنهم لم يهتموا بالأمر، أو أنهم لم يستوعبوا مضمون كلامي، لذا تعاملوا معه بسطحية كبيرة، واستمروا بترويجهم لما بثته وتبثه وسائل القوة الناعمة للدول التي تحتل كوردستان أو الشقيقة و الصديقة لها، التي تجعل من المحتوى الداخلي للمواطن الكوردي كما يريد المارد الذي يقف وراء تلك الوسيلة اللعينة عربية كانت أو فارسية أو تركية.

الذي يحز في النفس، ذات مرة قلت لأحدهم لا تستمع إلى أغاني التي تبثها الدولة الفلانية، التي تحتل جزءًا من وطننا كوردستان، وهي التي تقول بأعلى صوتها لا يوجد شعب كوردي، ولا وطن اسمه كوردستان، بل أنهم جزءًا منا، أي أن الكورد وكوردستان جزءًا من الأمة المضطهِدة لها، في رده علي، قال: لا، أنا واعي، لا يقدروا أن يصهروني في بوتقتهم الخ. لكن للأسف، أنه لا يعلم أنه انصهر منذ أن اختار بمحض إرادته أن يصغي إلى ما يبثه ذلك العدو الغاشم من سموم مدسوسة في عسل،أنه لا يعلم، لو لم يكن منصهراً في بوتقتهم لم يستمع إلى نتاجاتهم الأدبية والفنية، ليس هذا فقط، بل حولته القوة الناعمة إلى أداة من أدواتها لنشر أدب وفن وثقافة المحتل.. في صفحته على الفيسبوك!! هذه هي قدرة القوة الناعمة، التي تجعل من المواطن الكوردي المستسلم لها يتصرف في حياته اليومية كأي عربي أو فارسي أو تركي قومي دون أن يشعر بأنه صار مطية لهم؟. يجب على المواطن الكوردي أن يفكر قليلاً في هذا الأمر، لماذا الدول تصرف مئات الملايين من الدولارات على وسائل إعلامها المرئية والمسموعة والمقروءة؟. هناك قناة فضائية خاصة تبث باللغة الإنجليزية على مدار الساعة أفلام الكرتون فقط (Cartoon films)، يا ترى لماذا؟، إذا ليس الهدف من ورائها خذوهم صغارا واحشوا رؤوسهم بثقافة تلك الدولة الممولة للقناة من خلال “توم وجيري”  (Tom and Jerry)الخ.

آمل أن الذي سطرته أعلاه، يصل إلى عقل المواطن الكوردي بصورة صحيحة وسليمة، كي لا يكون لقمة سائغة للذئاب البشرية، التي تحيط به من كل حدب وصوب؟. وأرجو من حكومة إقليم كوردستان وأحزابه أن تحمي المواطن الكوردي داخل وخارج الإقليم من الهجمة الثقافية الخطيرة التي تريد مسخه، ومن ثم إظهاره للعالم كإنسان غير كوردي، لدينا نماذج كثيرة من هؤلاء في بغداد وطهران ودمشق وأنقرة واسطنبول الذين  سلختهم القوة الناعمة من بين شعبهم الكوردي ووطنهم كوردستان وحولتهم إلى عرب وفرس وأتراك من الدرجة الثانية.

“عندما تتغلب قوة الحب على حب القوة سيشهد العالم السلام”

محمد مندلاوي

04 01 2019

عن الكاتب

عدد المقالات : 7137

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى