متى تتجذر الروح الوطنية الكوردستانية الحقيقية في ضمير عموم أبناء الشعب الكوردي؟! محمد مندلاوي


نادي بابل

لو نلقي نظرة فاحصة بعيون كوردية على الخارطة السياسية لدول وكيانات كوكبنا الأرضي، سرعان ما تقفز إلى أذهاننا تلقائياً العبارة التالية: إن الإنسان الكوردي أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن يكون مخلصاً لوطنه كوردستان ويناضل بلا هوادة من أجل تأسيس دولته الوطنية أسوة بدول العالم، أو يرتمي في أحضان المحتل لوطنه ويكون خائناً له ولشعبه الكوردي الجريح. لكن كيف نستطيع أن نميز بين المخلص لكوردستان وشعبها، والكوردي الخائن لكوردستان وشعبها؟ في الحقيقة ليست هناك وحدة قياسية تقاس بها نسبة الوطنية والخيانة داخل كل الإنسان، كما هي الوحدات القياسية المعروفة في العالم، كالطول وحدته متر، والزمن وحدته ثانية، والكتلة وحدتها الكيلو غرام، الخ. لكن هناك مؤشر جامع بمثابة الوحدة القياسية للإنسان، الذي يظهر من خلاله وطنيته  أو خيانته، هو لسانه وأذنيه ويديه وقدميه، فحب الوطن يحتم عليه أن يجيد لغة أبناء جلدته ويتكلم بها، أعني بلسانه الذي في فمه، إما إذا لم يكن أميناً على عضواً عضلياً ملصق في فمه بطول عدة سنتيمترات فكيف يكون هذا الكوردي أميناً على وطن مساحته أكثر من 500 ألف كيلومتر مربع، وشعب تعداده أكثر من 40 مليون نسمة؟؟ لا زال يرزح تحت نير الاحتلال البغيض. بلا شك، لا ضير إذا أجاد المرء لغات أخرى، لكن يجب أن تأتي تسلسلاً بعد لغته الأم. إن أهمل لغته واستخدم لغة أخرى في حياته اليومية فهذا ضرب من ضروب الخيانة الوطنية، ونكران لجميل الله، الذي يقول في قرآنه في سورة الروم:” ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم  إن في ذلك لآيات للعالمين” وهكذا بالنسبة إلى كلتا الأذنين، باستثناء تعامل الشخص اليومي مع الناس في موقع عمله أو في الشارع، فأن مبدأ الوطنية الصادقة يُحرم عليه الاستماع إلى كل ما تنتجه أدوات المحتل من أغاني وشعر ونثر وأمور أخرى مشابهة تذاع في وسائل إعلامه الصفراء، من خلال مجموع ما يستعمله، كالحرب النفسية، والغزو العسكري، كالذي قام به ما يسمى بالحشد الشعبي عام 2017 لمدينتي خورماتو وكركوك الكوردستانيتين، وكذلك الحرب الثقافية، أو الغزو الثقافي، التي استعمل فيها الأشياع حتى المنابر الحسينية من أجل أن تشويه الإنسان الكوردي كي لا يفتخر بانتمائه القومي والوطني. يجب على الكوردي في مرحلة الاحتلال البغيض، أن يستعمل جميع أعضاء  جسده، كاليدين والقدمين والعينين الخ في خدمة الشعب والوطن، أعني الشعب الكوردي، وأعني بالوطن كوردستان. حقاً لا أدري كيف بإنسان كوردي، يستمع إلى أغاني عربية أو تركية أو فارسية بكل أصنافها وألوانها المتنوعة. الطامة الكبرى، أنهم – أعني المستمعون الكورد- ينطلقون معها، ويحلقون عالياً مع كلماتها.. بعيداً عن الحقيقة إلى عالم الخيال الوهمي، وهذا يدل على أن هؤلاء الذين جرى مسخهم بأدوات القوة الناعمة لقد تحولوا إلى كائنات غريبة، حيث أن قشورهم كوردية، ومحتواهم الداخلي شيء آخر لا كوردي ولا كوردستاني، عجبي، كأنهم لا يعرفون أن هناك سياسة يمارسها المحتل الغاشم في كل وسائله المتاحة اسمها باللغة الكوردية “هێزی نەرم” بالعربية “القوة الناعمة” بالإنجليزية تسمى “Soft power” بالسويدية “Mjuk makt” لو كنت أعرفها بالصينية لكتبتها لهم حتى يعرفوا جيداً الأساليب الخبيثة لمربع الشر – عراق،إيران، سوريا، تركيا- من أجل إدامة الاحتلال لنهب ثروات الشعب الكوردي فوق الأرض وتحتها. عزيزي القارئ الكوردي، إن القوة الناعمة، هي كل شيء باستثناء القوة العسكرية، يستخدمه العدو، الذي له أطماع في أرضك، والذي يختلف عنك لغته، وثقافته، وزيه، وتاريخه، وعرقه، وسلوكه، حيث أنك ليبرالي بالفطرة، وأي واحد من أولئك مربع الشر مستبد ومجرم بالفطرة،الخ، أنه يستخدم مكره وحيله من خلال أدوات القوة الناعمة، من أجل أن يستحوذ على أحاسيسك، ومشاعرك، وخلجاتك، وهكذا بإرادتك الشخصية، بموافقتك، ودون إكراه، يكبلك ويستولي على وطنك وما فيه من ثروات. من الذين يستخدمون القوة الناعمة ضد الكورد، المحتل العربي، الذي يحتل كوردستان، ليس هذا فحسب، بل لديه أحلام.. أن يحكم العالم. ومن هؤلاء، العرب هناك من يدعي منهم أن نسبه مقدس، وكلامه أمضى من القانون ولا يجوز تجاوزه!!. بناءً على هذا، تكون لهؤلاء أصحاب اليد العليا قوة روحية ومعنوية لإخضاع الآخر وإذلاله وكما أسلفت بإرادته، من خلال ما يجسده من مبادئ وأفكار ورؤى وبرامج.. عليها هالة من الحفاوة، مما يؤدي بالمغدور أن يُسر به ويميل إليه ومن ثم إتباعه والانحلال فيها نهائياً؟؟.

طبعاً من مرادفات الخيانة التي تنطبق مفرداتها على هؤلاء الانتهازيون الكورد، أولئك الذين يضعون قدم في (أربيل) أو الـ(سليمانية) وقدم في (بغداد)!!، هي الحيلة، الخدعة، الغش، المكيدة، النفاق، الغل، المداهنة، الغدر، الخ. عجبي، أنهم يقوموا بكل هذا الانحطاط الأخلاقي والسلوكي الرخيص من أجل حطام الدنيا، الذي سيتركوه بعد حين وراء ظهورهم ويرحلوا بلا عودة إلى العالم السفلي؟؟!!.

عزيزي القارئ، حتى فيما يخص العقيدة الإسلامية، لا إشكال أن يؤدي الكوردي طقوسه الدينية باللغة العربية كالصلاة، ويتلو القرآن باللغة العربية، لكن لم يطلب منه الإسلام أن يتخلى عن كل ما هو كوردي، لم يقل له سمي أبناءك بأسماء عربية، ولا تسميهم بأسماء كوردية، مع أن نطق الأسماء العربية وترديدها باللغة الكوردية التي ليست فيها حروف الحاء، والطاء، والعين، والضاد، والظاء الخ تفقدها سمات التبجيل والتعظيم التي تليق بتلك الأسماء، كعلي يلفظ آلي، وعمر يلفظ أومر، وعائشة تلفظ آئشة، وفاطمة تلفظ فاتيمه، وحسين يلفظ هوسَين ومظلوم يلفظ مَزلوم الخ، ثم أن تغيير الحرف أو حروف في الاسم العربي إلى الكوردي كما ذكرنا أعلاه قد يغيير المعنى كلياً إلى شيء غير مطابق للمعنى السليم للاسم.

بمعزل عن هذا، فلينظر الكوردي إلى الباكستاني مثلاً، أنه باكستاني ومسلم في آن واحد، لم يترك خصوصية قوميته ووطنه عندما أصبح مسلماً، وهكذا التركي الوبش، والفارسي المكار، والطاجيكي، والبوسني الخ، لماذا فقط الكوردي مطلوب منه أن يتخلى عن خصوصيته القومية والوطنية!! مع أنه من أقدم شعوب الأرض، وإسلامه طاهر ونقي، ليس فيه أوهام  وخزعبلات كما عند الآخرين المتاخمين لكوردستان شرقاً وغرباً وشمالا.

الذي أريد أن أقوله في نهاية هذا المقال، أن الشعب الكوردي شعب قائم بذاته كأي شعب آخر في أرجاء المعمورة، ووطنه كوردستان واحد من أقدم الأوطان على وجه البسيطة. ونشيده القومي “ئەی رەقیب = AY REQiB” أقدم عمراً من كثير من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة؟. وعلمه الوطني مكوناته متطابقة للمواصفات الدولية، كأعلام الدول المستقلة، هو الآخر أقدم عمراً من العديد من الدول. وعيده القومي “نەورۆز= NEWROZ” أحد أقدم الأعياد في العالم، أن لم يكن أقدمها. بعد كل هذا التاريخ المجيد، الذي حفظ لنا في صفحاتها كيف كنا، وكيف كان أجدادنا العظام يستصرخون الحق عبر التاريخ، وصلاح الدين الأيوبي نموذجاً، لكننا نرى اليوم، أن بعض الكورد.. شطروا ذاتهم إلى نصفين!! في المساء عربٌ قحطانيون، وفي النهار كورد ميديون، أو العكس. أو ترى أحدهم في المساء شيعي متزمت، وفي النهار عضو في حزب الذي يسمى الاتحاد الوطني الكوردستاني لصاحبه جلال طالباني وولديه!!، تماماً كمن يشرب الخمر ويسكر في الليل، ويصلي في النهار لخداع الناس!!، وهناك من الكورد.. من يتباهى بسماع أغاني غير كوردية!!. أو منهم من ينشر قصائد عروبية لشعراء عرب.. أساؤوا للكورد وكوردستان، منهم الشاعر محمود درويش، الذي أبرق إلى المجرم صدام حسين مدمر كوردستان وقاتل شعبها قائلاً له: يا سيادة الرئيس نتوضأ بماء النصر الذي قدتم العراق إليه!! الخ. أو ذلك السوري المدعو نزار قباني، الذي قال عن الديكتاتور صدام حسين: عندما ألتقي بصدام حسين يورق الشعر في داخلي. أو من ينشر في صفحته أغنية للشمطاء أم كلثوم وهي تغني: بغداد يا قلعة الأسود، إلا يعرف عارض هذه الأغنية في صفحته، لماذا بعد أن غنتها أم كلثوم عام 1946  قام الأمير عبد الإله بتقليدها وسام الرافدين؟؟.

حقاً لا أدري، هل يعلم أولئك الكورد أصحاب أم كلثوم وعبد الحليم حافظ و و بأن تأثير الأغنية العربية السلبي على ثقافة مستمعها الكوردي كبير جداً، حيث تجرده من كورديته وتجعل منه إنساناً عربياً دون أن يشعر؟ أي أن الأغنية بنعومة كلماتها ورقة ألحانها وجمال أدائها تستولي على كامل كيان مستمعها، وتأخذه إلى حيث تريد الجهة الرسمية المتنفذة للأغنية؟؟. بخلاف المثقف الكوردي، أن المثقف العربي يعلم هذا جيداً، لذلك شن في حينه هجوماً قاسياً على المطرب العراقي كاظم الساهر عندما ترك الطور العراقي في الغناء، وغناء أطواراً غير عراقية، تصور عزيزي القارئ، أن كاظم لم يغني بلغة أخرى، فقط ترك الطور الغنائي لبلد ناطق بلغة العربية إلى أطوار عربية أخرى، إلا أن المثقفين العرب أو الأصح الناطقون بالعربية في العراق عرفوا أن كاظم ترك الأغنية التي يحمل الهوية العراقية، فلذا انتقدوه أشد انتقاد، يا ترى أين هؤلاء من أولئك الكورد أصحاب أم كلثوم!!. أحلفكم بحق الشعب، أية من هذه الترهات أعلاه لها علاقة بالشعب الكوردي الجريح وبوطنه المغتصب كوردستان!! المصيبة أن هؤلاء.. يعدون مناضلين كورد؟؟!! مع أنهم لا يلتزمون بألف باء النضال، الذي يحتم على المناضل الحقيقي أن يكون مصلحاً اجتماعياً بين أبناء شعبه، ويأخذ بيدهم إلى جادة الصواب، يا ترى كيف يصلح هؤلاء (المناضلون) ما خربه المحتل على مدى عقود في كوردستان؟ أ بالاستماع إلى أغاني أم كلثوم، وقراءة شعر محمود درويش، والتمتع برقص نجوى فؤاد وهي تهز أردافها بحرارة على واحدة ونص!!.

ملاحظة: قد يقول البعض ها أنك تكتب بلغة المحتل الـ(عربي)، أي نعم، أنا أكتب بهذا اللغة للإنسان العربي حتى يعرف من هم الكورد، وكردود على من يجتر من العرب ويمس القامة الكوردية، وأيضاً أكتب لذلك الكوردي الذي بفضل الاحتلال العربي لا يجيد لغته الأم، للعلم أني أكتب بلغتي الأم أيضاً، وهي الكوردية. الشيء الآخر الذي أود أن أقوله هنا، أني لم أقصد في مقالي هذا شخصاً كوردياً محدداً بعينه، بل قصدت الظاهرة الاجتماعية السيئة المتفشية بين أبناء الشعب الكوردي، للأسف الشديد حتى أن أبناء السليمانية  صاروا يستمعوا إلى أغاني عربية دون أدنى شعور بالخجل من هذا الانحطاط المريع. يا ترى أين تأثير حزب طالباني في المدينة المذكورة التي يعتبرها قلعته!، أم أن قيادييه وقاعدته هم أيضاً من مستمعي أم كلثوم وعبد الحليم؟!.

محمد مندلاوي

14 11 2018

عن الكاتب

عدد المقالات : 7109

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى