ماذا لو ظهر ان القوش تعوم على بحيرة من الذهب الأسود؟


حبيب تومي
حبيب تومي

habeebtomi@yahoo.no
القوش لم تزل تنسج من تفاصيل حياتها اليومية حكايات سمر دافئة في الليالي القمراء المزدانة بشبكة الكواكب الفضية المتلألأ ، وتحكي حكايتها ليوم لم يأت بعد ، وحين الحديث عن القوش تتداعى الأفكار والذكريات وتنساب مع ايقاع سنين العمر في لحن يتناغم مع خرير الماء المنسكب بهدوء في وديانها القادمة من اعماق وهاد جبلها الخالد .
القوش تملك أرث حضاري إنساني يتجسد ذلك في معالمها الآثارية القديمة وثقافتها ومدرستها ومواقفها المتميزة ، من بعيد يتراءى للقادم الى القوش جبلها الشامخ الذي يحتضنها بحنان ويجعلها مواجهة لنور الشمس ، وعلى مقربة من القوش يعاود الجبل احتضانه لدير الربان هرمز التاريخي ، ومنه نستشرف على دير السيدة حافظة الزروع ، وفي المدينة تتشابك ازقتها القديمة مع عبق التاريخ ليمتزج مع النسيم العليل عطر الزمن الماضي . فتقودك الأزقة الضيقة ومنعطفاتها الى الكنيسة العامرة والى مدرسة مار ميخا النوهدري العتيقة والى ( قوناغ ) المقر التاريخي للبطريركية الكلدانية وأخيراً نعرج الى اطلال بناية مرقد النبي ناحوم الألقوشي . وإذا تواصلنا مع تقلبات صفحات الزمن فسنجد ان المكان هو نفس المكان والأنسان هو نفس الأنسان والذي تغير هو الوسائل والأدوات والعقول ، فنحن اليوم نملك ثروة كبيرة من الأفكار والنظريات وتراكم هائل من التجارب والمعارف التطبيقية والنظرية .
كان القوام الأساسي لاقتصاد القوش يحوم حول زراعة الأرض وبعض المهن اليدوية التي تمكنها من الأكتفاء الذاتي في المأكل والملبس والمسكن ، إلا ان التطور والنمو في مختلف مرافق الحياة اصبحت تلك الأرض وتلك المهن عاجزة لا تستطيع احتواء الزيادة السكانية ومتطلبات حياتها ، فكانت الهجرة كنتيجة حتمية لأسباب المعيشة ، ولكنها كانت هجرة في حدود المعقول تفرضها القدرة الأنتاجية المحدودة للبلدة ، إلا ان ظاهرة الهجرة ، بعد عام 2003 نحت منحاً خطيراً حينما عكفت عوائل بكاملها تشد الرحال وتتوجه نحو الهجرة الى دول المهاجر فتصبو الى الاستقرار النهائي لتلك العوائل في دول الشتات .وهكذا نشاهد عوائل كبيرة ( اوجاغي : عشائر) قد غادرت بشكل نهائي ، وربما تخلف وآثر البقاء في القوش بعض الأجداد او الأباء من كبار السن . والذين بقائهم وسفرهم ، ديموغرافياً ، لا يعني شيئاً .
يأتي في مقدمة دواعي الهجرة ، من بين اسباب اخرى ، عوامل المعيشة الصعبة التي تتمثل في صعوبة أيجاد عمل او إشغال وظيفة حكومية ، التي يبدو انها محصورة لانصار وموالي الأحزاب السياسية وأحزاب شعبنا المتنفذة لا تشذ عن هذه القاعدة المستهجنة في التعامل مع ابناء الشعب الواحد .
ونعود الى الخبر السعيد الذي يفيد بأن حكومة اقليم كوردستان قد عقدت اتفاقاً مع الشركة الأمريكية العملاقة ( إكسون موبيل ) وستقوم هذه الشركة بأعمال التنقيب في مناطق من السلمانية وأخرى في منطقة اربيل والثالثة في منطقة محافظة دهوك وتشمل الأخيرة منطقة القوش والشيخان وبحزاني وبرده رش .
في اواخر الستينات او بداية السبعينات من القرن الماضي اجريت بعض المسوح الجيولوجية في منطقة الكنود ( جبل قند ) حوالي 4 كيلومترات جنوب القوش ، وثمة بئر محفور وقد سدت فوهته ، وقيل في حينها ان الكميات غير مشجعة وليست تجارية ، وكانت شركة النفط الوطنية العراقية هي التي قامت بتلك التنقيبات ، ولم يكن اختيار المنطقة ( جبل قند ) اعتباطياً ، إنما كان معتمداً على تنقيبات سابقة في اواخر الثلاثيات او بداية الأربعينات من القرن الماضي اجرتها شركة (IPC) شركة النفط العراقية التي كان مقرها في كركوك . مما ريب فيه ان إمكانيات المسح الجيولوجي قد تطورت اليوم بخطوات كبيرة نحو الأمام مع التطور الحاصل على الأجهزة التكنولوجية الحديثة طيلة المدة التي تزيد على ثلاثة عقود مقرونة بخبرة الشركات العملاقة بهذا الجانب .
لقد كتبت جريدة الشرق الأوسط اللندنية بتاريخ 15/11 / 11 ان الدكتور آشتي هورامي وزير الموارد الطبيعية في اقليم كوردستان قد صرح بأن :

حكومة الإقليم أجرت مفاوضات مباشرة مع شركة (إكسون موبيل)، وأن لجنة النفط والغاز بالإقليم عقدت اجتماعا برئاسة برهم صالح ووقعت عقدا مع وفد الشركة المذكورة في الثامن عشر من شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وأن ذلك العقد سيصب بالتأكيد في مصلحة جميع العراقيين لأنه سيجر استثمارات كبيرة إلى العراق».
واضاف الوزير الكوردي قوله :
«أن حكومته لا تمانع قيام مكتب شركة (إكسون موبيل) الأميركية في بغداد بالإشراف على أعمالها في إقليم كردستان، أو فتح مكتب جديد لها في أربيل لذلك». وكشف هورامي عن «أن شركة (إكسون موبيل) ستقوم بأعمال التنقيب في حقول نفط عربت بمحافظة السليمانية، وحقلي القوش وبردرش في حدود محافظة دهوك، إلى جانب حقل آخر هو بيرمام بمحافظة أربيل الذي تم تأشيره كحقل احتياطي لنفط إقليم كردستان العراق، وبذلك ستتوزع نشاطات الشركة المذكورة على محافظات الإقليم كافة»
إن الشركات المنتجة هي التي تعمل على تطوير البلد ، ومن المؤكد ان هذه المناطق التي تمتد بين القوش وتلسقف وحطارا مروراً بالخط المؤدي الى بردة رش وبحزاني .. هذه المناطق سيعمها الخير والرخاء .
فهل يأتي اليوم الذي نندم فيه على مغادرة بلداتنا وقرانا الكلدانية وفي مقدمتها القوش ؟
لكن تبقى معضلة الهجرة قائمة ، فالأنسان لا يعيش بالخبز وحده ، اي ان الرخاء الأقتصادي ليس نهاية المطاف فحرية الأنسان وأمنه واستقراره واستكمال لوائح قوانين تضمن حقوقه الأنسانية والوطنية هي العوامل التي تشد الأنسان الى ارضه ووطنه ، فهل نشهد يوماً وقد منح الشعب الكلداني وبقية مسيحيي العراق حقوق المواطنة في وطنهم العراقي ؟
لا شك ان المناطق المشار اليها في محافظة دهوك هي مناطق تدخل ضمن مفهوم المناطق المتنازع عليها ، وثمة حساسية من قبل اطراف حكومية بالنسبة للعقود التي تبرمها حكومة الأقليم مع الشركات الأجنبية بشأن الفحوصات الجيولوجية في هذه المناطق ، وخير ما نتأمله ان تكون تلك الثروات فاتحة خير لاهل العراق عموماً واهل المنطقة خصوصاً .
حبيب تومي / اوسلو في 21/11/11

عن الكاتب

حبيب تومي
عدد المقالات : 252

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى