ماذا سيكون مصير الحضارة التي تمنع التنورة القصيرة (1) !؟


يوحنا بيداويذ
يوحنا بيداويذ

 3 شباط 2012

بعد سنة من انطلاق شرارة ثورة الربيع العربي في 17 كانون الثاني 2011 حينما احرق الشاب الفقير بوعزيزة  نفسه في تونس الخضراء الماً على بؤسه وشقائه  لعدم استطاعته توفير الخبز لعائلته والتي ادت الى تغير انظمة اربعة دول عربية كبيرة ولازالت البعض الاخر في مخاضها العسير، ظهر لنا بوضوح الروح البربرية والهمجية المطمورة في طبيعة الانسان الشرقي،  ظهر لنا بوضوح كيف يجد البعض اللذة في قتل الابرياء و كيف يستمتع في تأذية وتعذيب الاخرين وكأن الكرة الارضية كانت مزرعة لجده فورثها  والاخرون لا حقوق لهم فيها، وان قيمتهم قيمة الحيوانات الاليفة، فلا يحق لاي كائن دخولها الا بحسب نظامه وتعليماته.  

ظن الكثير من المفكرين والكتاب والمعلقين والسياسيين انها ايام ربيعية في تاريخ العرب،  فشبوها بأيام الثورة الفرنسية  حينما قام الشباب من غرب الوطن العربي الى شرقه بمظاهرات لقلب وتغير انظمتها السياسية الفاسدة. ولكن هيهات بين  الواقع والامنيات، فلم يتوقعوا من ظهور الاحزاب الدينية السلفية المتعصبة  بهذه القوة ومن ثم سيطرتهم على الانتخابات باسم الديمقراطية المزيفة(1)  في معظم هذه الدول.

مشكلة  الشرقيين بالاخص العرب اليوم، هي مثل مشكلة الاوربيين في القرن الوسطى، لازالوا  يعيشون في شرنقة التاريخ وقوالبها الجاهزة، ليس لديهم اي اهتمام لاي انتاج او ابداع فكري خاص بهم و لا يحترمون المبدع والابداع، يعيشون في الماضي و يموتون من اجل الماضي. إن وجد من هو متجدد، فكيفما يكون دائما يوضع في خانة الالحاد والكفر والخروج من الصراط المستقيم، كما حصل لغاليلو وكوبنركريوس وغيرهم في اوربا قبل ثلاثة او اربعة قرون. لهذا نرى كثير من الشواهد على فشلهم يوما بعد يوم  في كل المجالات لاسباب عديدة.

من اهم هذه الاسباب هو عدم استعدادهم  لقبول النظام او القواعد او القياسات المستنتجة من ناموس الطبيعة كما فعل الملك العراقي البابلي  العظيم حمورابي قبل اربعة الالاف سنة، او  كما استنتج العالم  الاغريقي اقليدس البديهيات الرياضية والهندسية  قبل 2300 سنة. ان سبب عدم اتباعهم او ايمانهم بضرورة الالتزام بالقوانين المدنية الحديثة (النظام ) لانهم يظنونها مخالفة للعقيدتهم المتطرفة. فحريتهم الفكرية محدودة كما كانت في زمن محاكم التفتيش في اوربا، اصبحت مربوطة بأقوال وتفساير رجال الدين التي هي هي  بعيدة من الواقع بل من الحقائق المثبتة كما قلنا في البديهيات الرياضية. لكن على نقيض ذلك، نرى ان حرية الانتقام واستخدام القوة والعنف مفتوحة المدى لهم الى ما لا نهاية خاصة ضد الضعفاء.

ماحدث قبل بضعة ايام في ملعب كرة القدم في بورسعيد الذي ادى الى قتل اكثر من 76 شخصا هو افضل حدث لنفسر ما معنى ضرورة وجود النظام في المجتمع او ان الالتزام به هو امراً مقدساً.
 وما صرحت به وزيرة شؤون المرأة  في الحكومة العراقية السيدة إبتهال كاصد الزيدي  من ان التنورة القصيرة والأحذية الخفيفة والقمصان المبهرجة هي من الممنوعات (2)،  هو  مثال اخر يكشف لنا العقلية والمباديء المعتمدة عند الهيئة التنفيذية والتشريعية لادارة البلدان العربية و من ثم اية قوانين و حضارة يريدون تسود في المجتمع .

 الشيء الذي يجهله الكثيرون وبالاخص المحافظين على النظام القديم المتعصبين
( اعني المتعصبين اي كانت فئاتهم الغربية ام الشرقية) ، ان عجلة التاريخ ستسير الى الامام شاءوا ام ابوا،  ولا عودة للوراء مهما عملوا الى عرقلة مسيرتها، الشيء الاخر المهم جدا ايضا يجب ان يعلموه، ان الثورة الفرنسية لم تشعلها  اللصوص ورجال السياسة الفاسدين او رجال الدين المتعصبين ، فجرتها اقوال الفلاسفة وقصائد الشعراء ونقد الادباء مثل جان جاك روسو وفولتير لامارتان وفكتور هيجو وغيرهم.
نحن نسأل هنا هل احد من هؤلاء الذين يشرعون القوانين فعلا قرأ قصة البؤساء لهذا الفيلسوف والكتاب والشاعر المبدع ( فكتور هيجو)، كي يتعلموا  ما معنى البؤس في نظر الاطفال و الايتام؟

  لا يمكن تعليم النظام  للكبار او تثقيفهم  بسهولة كزرع قناعات جديدة عندهم ابداً. حب النظام والالتزام به ينبع من السنة الاولى من عمر الطفل، فحينما يفتح عينه ويراقب الطبيعة في محيطه يتعلم هذا الشيء، يلاحظ كيف يتم التعامل معه ومع  كيف يتعامل الاخرون مع بعضهم او مع الطبيعة ، كيف تتعامل امه او ابوه  معه بروح الحنان (3)، حيث يراقب افعال عائلته ويسمع نغمة صوتهم وتصرفاتهم فردا فردا . هذه الملاحظات مهمة جدا لانها المعلومات الاولية في حياته، ستصبح قاموسه الشخصي المستخدم  في بناء علاقاته مع الاخرين و مع الطبيعة، فتصبح كقانون في داخله، هذه المعلومات الاولية تترك انطباعاً كبيراً على نفسية الطفل حتى في مرحلة نضوجه الى يوم مماته.

 ان عملية قبول او الرضوخ للنظام لا تتم بسهولة، ولا تصل الى مرحلة القناعة التامة او الايمان بها الا في المدارس، لهذا كانوا يقولون ( وزارة التربية والتعليم)، ولا يفيد التعليم الا اذا كان المعلم او المعلمة المثال الصحيح بالفعل (4)  لطلبتهم في كل شيء، مثال لعدالة السماء بينهم، النظام لا يترسخ ولا تكون له اهمية ان لم تكن هناك قصص وروايات وافلام كارتون تعلم الطفل مبدأ الخير والشر الموجود في كل الديانات وكل الحضارات زكل القوانين الانسانية الواعية، وان من يعمل الشر يفشل في النهاية، بل يكون مرفوضا من الارض والسماء وصاحبه لا ينال الاحترام.  ومن يعمل الخير ينال الرضاء والمكافأة  من الله والتقدير من مجتمعه فيشهد له في المجالس ويصبح مثالا لاقتداء الاخرين به.

 اذن اول خطوة لبناء دولة متحضرة هي تعليم الاطفال على المباديء الانسانية وحب الوطن، حب المجتمع او حب الخير، ان زراعة المباديء الانسانية من المراحل الاولى من ولادته هي مهمة جدا في تنمية الطبيعة الانسانية الصحيحة البعيدة من الاجرام (وسرقة الملايين وقتل الاخرين)، ان زراعة  حب النظام وتحقيق العدالة الحقيقة المستمدة من عدالة السماء (اي الله)  كان (وسيكون) هو الطريق الوحيد  لتحويل المجتمع الانساني من  تبعيته لقانون الغابة الى مجتمع متحضر ذو قيم انسانية  تحافظ على حقوق وحرية الفرد و سلامة الوطن.

 في الختام نقول لكل عصر مشاكله، ولكن في تاريخ كل الامم المتقدمة والراقية، في كل عصر تظهر  شخصيات نابغة من رجال  ونساء، من علماء ومفكرين وسياسيين ومصلحيين وغيرهم، يُقوِمون المجتمع كي  يسير فعلاَ على الصراط المستقيم او المنطق الصحيح يقودون المجتمع الى اهداف اكثر سامية وانسانية وواقعية. من امثلة هؤلاء النابغة الذين تركوا مكانة مقدسة لدى شعوبهم واقوامهم في التاريخ هو نيلسن مانديلا  في جنوب افريقيا، وجورج واشنطن ومارتن لوثر كينك في الويلايات المتحدة، وغاندي في الهند، طه حسين في تاريخ مصر والشيخ زايد في الامارات المتحدة وجورج بيكون في تاريخ  بريطانيا القديم وبسمارك في تاريخ المانيا الحديث وديغول في تاريخ فرنسا الحديث والام تريزا ويوحنا بولص الثاني في الكنيسة الكاثوليكية في القرن الاخير ومئات اخرين.

 املنا يتعلم قادة شعوب المنطقة من مقولة الفيلسوف الالماني الكبير وزعيم الفلسفة المثالية  شيئا حينما يقول : ” ان تاريخ العالم ليس الا تقدم الوعي  في الحرية”. نسأل السيدة إبتهال كاصد الزيدي  وزيرة المراة في الحكومة العراقية الحالية (5)، الا نوقف هذا الوعي عند الانسان حينما نحرمه من ممارسة حريته بحسب النظام الواقعي والصحيح ؟!!، بمعنى اخر ان لا نرجع الانسان الى حيوانيته القديمة  عصر الكهف والجهل عوضا عن رفع انسانيته عن طريق تربيته على ممارسة حريته حسب النظام الملائم لسلامته وسلامة مجتمعه.  
  لحد الان لم يفهم البعض، انه من الضروري في حياة كل الانسان في هذا العصر ان يقضي يوميا بعض الوقت  في (استمتاع) ممارسة هوايته والا يصبح برميلاً من كاّبة سينفجر في النهاية . فهل الرياضة في نهاية المطاف ايضاً  ستصبح من المحرمات مثل التنورة القصيرة والموسيقى والمسرح والرسم واللعب بكرة القدم؟!!.

 وفي النهاية نسأل السيدة الوزيرة  السؤال الاهم، الا تقودنا هذه التعاليم والاوامر في النهاية الى الانتحار الجماعي لا سامح الله؟!!، بعد ان يفقد الانسان الرغبة في الحياة والوجود لانه يشعر يعيش في سجن كبير كما كنا في زمن النظام السابق. أليس هذا هو السبب  الرئيسي لمعظم عمليات الانتحار في مجتمعاتنا الشرقية المغلقة المقيدة البعيدة  التي تحرم حتى لبس الملابس والسماع الى موسيقى او الفن او ممارسة الرياضة للفتيات.
………
1– ارجو ان يفهم القاريء العزيز هناك تميز بين موضوع الخلاعة ولبس التنورة القصيرة، ان النظرة التي نقصدها في طرح هذا الموضوع هي شرعية ممارسة الرغبة  عند الانسان  للوصول الى حالة الجمال والكمال ( التي هي من مواصفات الله نفسه) والتي تميل الطبيعة الانسانية تحقيقها دوما بصورة غريزية .

2- هناك تناقض كبير بين الايمان بمباديء الديمقراطية وطريقة تطبيقها في الدول العربية الامر الذي يمكنة تفسيره الا بانهم يعيشون قبل 300 سنة من الان.

3- كما فعلوا في بابل حينما حرموا قيثارة سومر من عمل اي ازعاج، او سماع قصيدة اي شاعر او كاتب من جميعة الادباء.

4- يقال ان هتلر كان ملء قلبه من حقد بسبب مواقف امه وعلاقتها برجل يهودي مما ادى الى حقده على كل اليهود لهذا قام بالمذابح والمجازر ضدهم.

5- لحد الان اتذكر اغلب اساتذة والمعلمين الذين درست على ايديهم، ولكن استاذ عبد الكريم الله يرحمه في متوسطة البتاوين سنة 1977 الذي كان يدرس الهندسة الاقليدية  لازال في ذاكرتي ، حيث كان يمنح درجات اضافية للمبدعين في الصف ويحرم ابنه منها لانه لم يكن يستحق ويقولها لابنه بوضوح امام الطلبة.

6– حينما خطب احد النواب  السلفين الجدد في البرلمان المصري المنتخب حديثا قبل بضعة ايام  حينما كانوا يناقشون الاسباب التي ادت الى  حصول المذبحة في بور سعيد  على اثر مقتل 76 شخص في نهاية مبارة كرة قدم . قال هذا النائب” ولماذا يلعبون بالكرة؟!!).

عن الكاتب

عدد المقالات : 49

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى