لمزيد من الانسجام السياسي


نزار حيدر

نـــــزار حيدر لـ (العراقية) عن بيان الرئيس الاميركي الاخير:

لمزيد من الانسجام السياسي

   دعا نـــــزار حيدر، مدير مركز الاعلام العراقي في واشنطن، الزعماء وقادة الكتل السياسية في العراق الى الاسراع لوضع حد لمشاكلهم الداخلية لتحمل مسؤولية استحقاقات المرحلة الجديدة التي سيمر بها العراق بعد انهاء الولايات المتحدة الاميركية لعملية سحب القوات نهاية العام الميلادي الحالي.

   واضاف نــــزار حيدر الذي كان يتحدث لمراسلة (العراقية) في العاصمة الاميركية واشنطن، الزميلة زينة ابراهيم، معلقا على قرار الرئيس اوباما بشان اتمام الانسحاب من العراق بحلول نهاية العام الحالي:

   لم يكن القرار مفاجئا، بل انه التزام من الادارة الاميركية بنصوص اتفاق الاطار، فلقد كان الاميركيون قد تعهدوا للعراقيين بانهاء الانسحاب العسكري نهاية هذا العام (2011) وهذا ما يفعلونه الان.

   ان على كل مؤسسات الدولة العراقية ان تكون على اتم الاستعداد لتحمل المسؤوليات الجديدة التي ستترتب على انهاء عملية الانسحاب، خاصة على الصعيد الامني بما يحفظ الاستقرار في العراق، من خلال وضع الخطط الامنية الجديدة التي ستمكن الاجهزة التابعة للوزارات الامنية من تحمل مسؤولياتها الوطنية لضمان الاستقرار والامن في البلاد، وقطع دابر جماعات العنف والارهاب التي قد تحاول ان تستغل بعض الفراغ الامني الذي قد تخلقه عملية الانسحاب الكامل من اجل زعزعة الاستقرار وتوجيه بعض الضربات الارهابية هنا وهناك لاثارة الشك في نفوس العراقيين على قدرتهم في الامساك بالملفات الامنية في مرحلة ما بعد الانسحاب الكامل.

   ان كل ذلك يتطلب من مؤسسات الدولة، خاصة مجلس النواب والحكومة، العمل ليل نهار من اجل وضع الخطط الجديدة للاجهزة المعنية، ليثبت العراقيون من جديد للراي العام، قدرتهم على ادارة بلادهم بانفسهم، وان ذلك بدوره بحاجة الى المزيد من الانسجام بين القوى السياسية، سواء منها المشاركة في السلطة او التي خارجها، كما انه بحاجة الى المزيد من التعاون والتنسيق فيما بينهم، بعيدا عن المزايدات السياسية والدعايات الانتخابية، وبعيدا عن سياسة تربص بعضهم بالبعض الاخر، وعن سياسة كشف الاوراق (الامنية) من اجل اسقاط هذا او خذلان ذاك، والتي تاتي عادة على حساب امن البلد وسيادته وخططه الامنية والدفاعية، فالمرحلة خطيرة ومفصلية بحاجة الى المزيد من الوعي الامني والانسجام السياسي.

   ان انهاء عملية الانسحاب نهاية هذا العام سيسقط كل اوراق التوت التي كانت تتستر بها جماعات العنف والارهاب التي ظلت تستبيح دم العراقيين الشرفاء وتدمر البلاد بحجة الجهاد والمقاومة ضد المحتل، فاليوم اذ تعلن الولايات المتحدة وعلى لسان الرئيس اوباما بانها ستكمل عملية الانسحاب نهاية هذا العام، في اطار بنود اتفاق الاطار الاستراتيجي لم يعد ما يبرر عمليات القتل والتدمير التي تمارسها جماعات العنف والارهاب، الا اللهم ان يكونوا يستهدفون بذلك العملية السياسية والتجربة الديمقراطية برمتها، في محاولة منهم لاجهاض تجربة العراقيين الجديدة التي انطلقت منذ سقوط صنم الطاغية الذليل صدام حسين في التاسع من نيسان عام 2003، تحت مسميات الجهاد والمقاومة، فاذا استمرت هذه الجماعات الارهابية في نهجها التدميري فانها ستثبت للراي العام، خاصة العراقي، بانها عصابات مخادعة لا تلتزم بعهد او دين او حتى اخلاق، وهي خالية الوفاض من كل التزام وطني، والا فان للمقاومة الحقيقية اخلاق لا تدفع بصاحبها الى القتل والتدمير، كما انها ستثبت لكل ذي عين بصيرة على انها سعت طوال هذه المدة الى خداع وتضليل الراي العام عندما ظلت تتلفع بشعارات براقة كالجهاد والمقاومة، ليس لطرد المحتل كما كانت تزعم، او كما كان يسوقها الاعلام الفاسد، وانما لمآرب اخرى، لياتي هذا اليوم ليفضحها ويميط اللثام عما تسترت وراءه.

   ان هذه الجماعات ستبذل قصارى جهدها من اجل الايحاء بان قرار الانسحاب جاء نتيجة جهادها ومقاومتها، الا ان ذلك كذب مفضوح وخداع وتزوير، فاكمال الانسحاب لم يات لهذا السبب، او نزولا عند رغبة الارهابيين، ابدا، بل:

   اولا: انهم على العكس من ذلك، فلقد اخروا بارهابهم الانسحاب، فلو كانوا قد توقفوا عن القتل والتدمير لما قدموا الذريعة تلو الاخرى للاميركيين بضرورة بقاءهم في العراق كل هذه المدة الطويلة من الزمن، بحجة حماية العراق من الارهابيين.

   انهم لازالوا يضربون العراق بارهابهم الاعمى، من اجل عرقلة اكمال الانسحاب، افيعد هذا عمل من اجل صالح العراق؟ ام انه ضد البلاد والعباد والامن القومي والسيادة الوطنية؟.

   ثانيا: انهم فعلوا ما بوسعهم لتدمير العراق وبناه التحتية، ولتشويه الحقائق، وكل ذلك بذريعة المقاومة، وهم يكذبون، والا، فلو كان هدفهم المقاومة فلماذا لا يتوقفون عن اعمال القتل والتفجير والتدمير، في الوقت الذي لا يفصلنا عن اتمام الانسحاب الا اقل من مئة يوم؟.

   هذا، فضلا عن ان جل (مقاومتهم) استهدفت، ولا تزال، العراقيين وليس الاميركان، ما يعني ان شعاراتهم ذرائع مخادعة ليس اكثر، ما سبب كل هذا القتل والدمار الذي لحق بالعراقيين وببلدهم العراق.

   ان من يخشى على بلاده من الاحتلال عليه ان يمحو كل اثر له، لا ان يزيد من آثاره بالقتل والتدمير والتفجير والفساد، فينشر الرعب ويثير الفوضى كما يفعل هؤلاء.

   ومن خلال متابعة سير عملية التفاوض بين بغداد وواشنطن، وعلى مدى السنوات الثمان الماضية، سيلحظ المرء انه لم يتغير اي موعد في الجدول الزمني المنصوص عليه لاي مرحلة من المراحل، ما يعني ان الارهاب لم يساهم في تقليص مدة الاحتلال ابدا، فضلا عن فرض اي تغيير بالقوة، وانه لم يساهم في انتزاع السيادة من حالة الاحتلال ابدا، وانما الذي حقق ذلك هو العملية السياسية والجهد الدبلوماسي الذي بذله العراقيون، خاصة في المحافل الدولية وعلى وجه التحديد في اروقة هيئة الامم المتحدة، فضلا عن الانجازات السياسية التي حققها العراقيون في اطار الجدول الزمني المتفق عليه، بغض النظر عن المشاكل والعقبات التي لازالت تعترضها بسبب فشل السياسيين في التعامل مع بعضهم، وعدم قدرتهم حتى الان على حل مشاكلهم مع بعض، وتمترسهم خلف اجندات خارجية، اقليمية او دولية لا فرق.

   لقد سمعت بعضا ممن يسعى للتقليل من اهمية القرار، او على الاقل يسعى لفك الارتباط بينه وبين اتفاق الاطار، وتصوير القرار وكانه ليس نتيجة حتمية لبنود اتفاق الاطار، بل ان الدافع الرئيس له هو الظروف الداخلية الخاصة والحرجة التي تمر بها الولايات المتحدة، خاصة وانها على ابواب استحقاقات الانتخابات الرئاسية، فهو قرار دعائي انتخابي بامتياز، ولكنني اقول:

   الف: ان اتفاق الاطار الذي نص على ان الولايات المتحدة الاميركية تتعهد بتحقيق الانسحاب العسكري الكامل من العراق نهاية العام 2011، كان قد تم التوقيع عليها قبل ثلاثة اعوام وليس اليوم، ما يعني انها لم تكن كرد فعل على الظروف الصعبة التي تمر بها اليوم الولايات المتحدة، وانما كانت كنتيجة طبيعية للجهد السياسي والديبلوماسي المضني الذي بذله العراقيون من اجل تحقيق هذا اليوم التاريخي الذي تورط به العراق بسبب السياسات الحمقاء التي ظل ينتهجها نظام الطاغية الذليل صدام حسين، فالاحتلال الذي تورط به العراق انما هو ارث ورثه العراقيون عن النظام الشمولي البائد، وليس من نتائج عملية التغيير ابدا.

   ويخطي او يسعى الى تضليل الراي العام، من يقول بان الاحتلال سببه التغيير الذي شهده العراق في العام 2003، او ان التغيير الغى سيادة العراق، ابدا، فسيادة العراق الغيت يوم ان وقع الطاغية الذليل في خيمة صفوان على كل شروط وقف اطلاق النار اثر حرب تحرير الكويت في العام 1991، كما ان سيادة العراق الغيت بالكامل يوم ان كانت فرق التفتيش الدولية تقتحم غرف ومخادع الطاغية الذليل في اي وقت تشاء من الليل او النهار ومن دون انذار مسبق او اذن منه.

   ان سيادة العراق الغيت يوم ان صوتت المجموعة العربية الى جانب بقية اعضاء مجلس الامن الدولي على شرعنة (الاحتلال) بقرارات دولية وضعت العراق تحت طائلة البند السابع من ميثاق الامم المتحدة، والذي اجاز استخدام القوة لردع النظام البائد.

   اما التغيير، فلقد سعى، وعلى مدى قرابة تسع سنوات، الى ازالة آثار ليس الديكتاتورية والاستبداد والنظام السياسي الشمولي، فحسب، وانما ازالة آثار الاحتلال كذلك، والذي ورثه التغيير من النظام البائد.

   لم يكن للعراقيين اي دخل لا بحروب الطاغية وسياساته الرعناء ولا بما انتجته من احتلال وغزو، بل العكس هو الصحيح، فالعراقيون يسعون بكل صبر واناة الى محور الاثار السلبية المدمرة لتلك السياسات الرعناء، والى كنس مخلفاتها، والتي منها الاحتلال والغزو.

   كما انهم يسعون بجد ومثابرة الى كنس آثار العنف والارهاب الذي ابتلي به العراق بسبب المواقف العنصرية والطائفية للنظام السياسي العربي الفاسد ومؤسسته الدينية الفاسدة واعلامه ودعايته الفاسدة هي الاخرى، والتي تدفع اليوم وبحمد الله تعالى ودعوات العراقيين المظلومين، ثمن تلك المواقف المخجلة ازاء ما مر بالعراق، والقادم اعظم عليهم باذن الله تعالى.

   باء: كعراقيين، يهمنا جدا ان تتحقق اهدافنا الوطنية، والتي تقف على راسها اليوم السيادة الوطنية التي ستكتمل بانتهاء الانسحاب االعسكري الاميركي، وخلو العراق من آخر جندي اجنبي.

   ان ما يهمنا هو ان يتحقق هذا الهدف، بغض النظر عن الاسباب والدوافع، اكانت اميركية داخلية او عالمية، فالحمد لله الذي ساق للعراقيين مثل هذه الظروف التي ستفضي الى السيادة الوطنية، وهو المطلوب.

   النقطة المهمة والاستراتيجية التي ينبغي علينا جميعا ان لا ننساها او تشغلنا الدعايات والاعلام المضلل عنها، هي ان اتفاقية الاطار (استراتيجية) وليست امنية او عسكرية، ابدا، انها تحمل في طياتها كل الجوانب التي اذا عمل العراقيون مع الاميركان على تحقيقها فسيستفيد منها العراق، وسينهض وينمو بدرجة كبيرة.

   وبرايي، فان كل الجدل المتعلق بالجانب الامني والعسكري سينتهي بخروج آخر جندي اميركي نهاية العام الميلادي الحالي، وتبقى بعض التفاصيل التي يمكن ان تناقشها لتضع حلولا لها اللجان الفنية والمختصين في هذا الشان، اما الذي سيبقى في اطار الشراكة طويلة الامد بين العراق والولايات المتحدة، فهو بقية الجوانب المتعلقة بالتنمية وعلى مختلف الاصعدة، وهذا ما يجب ان يعمل من اجل تحقيقه العراقيون، حكومة وشعبا من خلال نوابه في البرلمان.

   يجب ان لا يخدعنا التضليل الاعلامي الذي يسعى لتصوير اتفاقية الاطار وكانها اتفاقية امنية فقط، فيخيف الراي العام العراقي منه، بل لابد من الحديث وبشكل مفصل عن بقية الجوانب ليعرف الراي العام العراقي اهمية هذه الشراكة وماذا تعني بالنسبة له ولبلاده.

   واقول بصراحة، فان العراق الجديد بحاجة الى مثل هذه الشراكة الاستراتيجية مع شريك دولي، لا ارى حاليا افضل من الولايات المتحدة الاميركية، وذلك في اطار تبادل المصالح والمنافع واحترام السيادة والقرار الوطني الذي يجب ان يكون منسجما مع المصالح العليا للبلاد وليس متناغما مع المصالح الحزبية الضيقة لهذا الطرف او ذاك، او ياخذ بنظر الاعتبار مصالح هذا الجار او ذاك على حساب مصالح العراق الاستراتيجية، خاصة المتعلقة بالامن القومي.

   نحن نعرف جيدا بان للولايات المتحدة مصالحها الاستراتيجية في المنطقة والعالم، وانها لا تقدم على خطوة قبل ان تضمن لنفسها هذه المصالح، ولكن، في نفس الوقت فان العراق هو الاخر دولة مهمة في المنطقة والعالم لها مصالها الاستراتيجية، فلماذا يحق لغيره من دول الجوار، حتى تلك التي لا ترى على خارطة العالم الا بالمجهر، ان يعقد معها الاتفاقيات وبمختلف الاشكال والعناوين، وفي احيانا عديدة على حساب السيادة الوطنية، ولا يحق للعراق فعل ذلك على الرغم من انه ثبت بالتجربة بانه قادر على حماية سيادته في اطار مثل هذه الاتفاقيات التي يوقعها مع الولايات المتحدة ومع غيرها؟.

   يجب ان يقدم العراقيون مصالحهم الوطنية على اية مصالح اخرى، وليحموها بمثل هذا الاتفاق.

   23 تشرين الاول 2011

مع الشكر والتقدير سلفا

عن الكاتب

عدد المقالات : 21

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى