لذكرى السادسة والخمسون لأستشهاد المناضل البطل كوريال قينيثا!


ناصر عجمايا
ناصر عجمايا

 


في هذه الذكرى الدامية الأليمة، قبل ستة وخمسين عاماً من الدمار والخراب للعراق وشعبه،ومعاناة مستمرة لا تنتهي في ظل حكومات متعاقبة فاشية قبل 2003، وفاسدة حد النخاع ما بعد الأحتلال الأنكلوأميركي اللعين، في ظل الحكم الأسلامي السياسي البغيض المليء بالفساد والخراب للنفوس العراقية البريئة، عبر تاريخها القديم والحديث بحكم الثقافة والأدب والعلم والحضارة الفريدة من نوعها، والشعب يعيش على المعاناة الجمّة، بأخفاق حاصل في جميع مجالات الحياة، نقص خدمات حياتية أساسية من ماء وكهرباء وتعليم وصحة وحالة أجتماعية متردية ووالخ، لتزيد المعاناة ما بعد الأحتلال البغيض دون التفكير بالمعالجة والعكس هو الصحيح، بالرغم من واردات العراق النفطية التي تجاوزت بليون وخمسة مائة مليار دولار لمدة اكثر من ستة عشر عاماً. بعد أن كان الشعب يريد الخلاص من النظام الفاشي البعثي ليطلع نحو الديمقراطية، والأنفتاح السياسي برفض القديم الدكتاتوري الفاشي وصولاً لحية جديدة متقدمة ومتطورة لخدمة العراق وشعبه. ليحصل العكس تماماً حتى بات الشعب يترحم على الدكتاتورية والفاشية، في ظل فقدان الأمن والأمان والأستقرار، نتيجة الفوضى الخلاقة العارمة بحجة التقيد بالديمقراطية المزيفة بحق وحقيقة.
كشاهد عيان وأنا طفل صغير أتذكر الأحداث الدامية التي وقعت قبل وبعد الأنقلاب الفاشي الدمويالقاتل للشعب والمدمر للوطن، في 8 شباط عام 1963 قبل نصف قرن وستة أعوام مضت في العراق ، ولا زالت الدماء والدموع تسيل وتسكب في بلد مليء بالعنف والدمار والتهجير والخطف والقتل على الهوية ، بفعل ممارسة أنسان عراقي بالضد من أخيه العراقي، طمعاً بالمال والمنصب والكبرياء والضعف وهلم جرا ، نتيجة ضعف الوعي الأنساني عبر ممارساة مشينة للسلطات العراقية الاستبدادية الرعناه ، على حساب قيّمه وخصاله وحقوقالأنسان العراقي المستباحة.
رغم صغر سني في حينها لكنني كنت واعياً جداً للأحداث الدامية ، بسبب الألتزام التنظيمي للمرحوم والدي صادق عجمايا حينما أصطحبي معه الى بيت أوراها قينيثا والد المرحوم الشهيد كوريال عام 1959 عندما تم أطلاق سراحه من السجن في الموصل بكفالة ضامنة ، حيث كانت آثار التعذيب الجسدي والنفسي ظاهرة عليه بشكل كبير ، كان يلتحف فروة والده في عز الصيف ونحن جالسون على السطح ، وبعد مشاهدته والأطمئنان على صحته المتدهورة ذات القوام النحيفة جداً بسبب السجن والتعذيب ، بادرت بسؤال عفوي طفولي لوالدي.. لماذا كوريال جالس ويغطي نفسه بالفرو ونحن في الصيف الحارق ؟! جاوبني المرحوم والدي:في السجن كانوا يفرشون الأرض بالماء والسجناء السياسيين نيام لتتبلل أفرشتهم للقضاء عليهم وهم أحياء ناهيك عن التعذيب والمعاناة اللاأنسانية داخل السجن!!
بعد الأنقلاب الفاشي في 8 شباط عام 1963 كان المرحوم الشهيد من اوائل المعتقلين من قبل الحرس القومي في الموصل ، ليتم تحويله ضمن المعتقلين السياسيين الشيوعيين الى سجن الكوت السيء الصيت ، وبعد حدوث الأنتفاضة الشعبية لأهالي الكوت تم كسر أبواب السجن المذكور ، ليتم تحرير السجناء جميعاً والشهيد كوريال أحد الفارين منه ليختبأ في بغداد مدة من الزمن ، ومن ثم يرتب التحاقه مع قوات الأنصار وفق خطة رسمت من قبل الأنصار وعائلة الشهيد بالتنسيق عن طريق منظمة الحزب الشيوعي في تللسقف ، بممارسة عمله كمساعد سائق الباص الكبير (النيرن)الناقل للركاب من القوش الى بغداد وبالعكس.
التحق الشهيد مع قوات الأنصار للحزب الشيوعي التي تواجدت أحدى قواعده في دير الربان هرمزد بعد الأنقلاب الفاشي ، تميز الرفيق الشهيد كوريال أوراها قينيثا بخصال فريدة من نوعها في الجانب السياسي الوطني والطبقي والقومي ، حيث كان محباً فذاً لوطنه ومضحياً فريداً لحزبه وأهدافه النبيلة في حب الأنسان وعدم أستغلاله ، ومع الفقراء والكادحين من العمال والفلاحين والكسبة ، كما كان يسهر على راحة أبناء شعبه وتوفير أمنتهم وسلامتهم ، وأرتبط بالحزب الشيوعي وأتحاد الطلبة العام منذ كان طالباً في المجموعة الثقافية في الموصل ، ليتخرج معلماً ومربياً للأجيال وبعدها مباشرة أدخل السجن اللعين في الموصل نتيجة الوشايات المتعددة من قبل حذالة المجتمع في تللسقف ، التي كانوا يطلقون عليها الرجعية المحلية في حينها، متعاونين مع رجعية الموصل بالضد من أبناء جلدتهم، وخصوصاً الطبقة المثقفة التي نذرت نفسها لخدمة الفقراء والمحتاجين والكادحين ومحبتهم لشعب قومهم ، ومنهم الناشط الشاب الشهيد كوريال المتمتع بثوريته المعتادة وجرأته التي لا تلين، دون خوف ولا مجاملة لأحد ، صادقاً مع نفسه وشعبه لا يهاب الموت من أجل الحق ، نذر نفسه وضحى بمستقبله وشبابه من أجل سعادة شعبه وحرية وطنه، دون أن يمارس وظيفته التعليمية بأعتباره خريج معهد المعلمين.
بعد ألتحاقه بقوات الأنصار في قاعدة دير الربان هرمزد ، لم تثنيه قوة وجبروت السلطة الدكتاتورية،بالرغم من قسوتها وجبروتها وهو هارب من السجن ، حيث كان يتردد بأستمرار على قريته تللسقف،بصورة سرية مشياً على الأقدام لمسافاة طويلة لأكثر من عشرة ساعات، حيث كان متزوجاً من جليلة شمعون شوريس عمها كان المرحوم المطران شليمون شوريس – مطران أبرشية أيران ، وعند أستشهادهبالقرب من دير الربان هرمزد المثبت على قبره في 9 -7-1963 ، كانت زوجته حامل فانجبت طفلان توئمان سموهما صلاح وكفاح وفي المعمودية كوريال وبطرس ، تيمناً بوالدهما الشهيد وبرفيق دربه الذي أستشهد معه الشهيد بطرس جركو من القوش.
قصة أستشهاده:
آخر مرة كان المرحوم كوريال قينيثا لوحده زارنا في الكبرة(بستان البطيخ) كالعادة يوم 4-7-1963 حاملاً بندقية أنكليزية طويلة شبيهة بالبرنو تسمى فورتين حسب ذاكرتي ، تحمل في داخلها خمسة أطلاقات فقط ، وفي الصباح الباكر بعد منتصف الليل من يوم 5-7-1963 غادر الشهيد كوريال تللسقف للألتحاق بقوات الأنصار في جبل القوش.
في ليلة 6 على 7- تموز عام 1963 شاهدنا قوة كبيرة جداً من الجيش والجحوش متوجهة الى القوش مروراً بتللسقف ، كان المرحوم والدي قلقاً جداً على المرحوم الشهيد كوريال متوقعاً وقت وصوله للقاعدة الأنصارية لم تكن لصالحه ، وفعلاً تبين حدسه فيما بعد خروجه ومعه رفيقه بطرس جركو باكراً في يوم 9-7-1963 من القوش قاصدين القاعدة في الدير، دون علمهم بقرار الأنسحاب الصادر من مسؤول القاعدة ، وعند وصولهما الى دير مار هرمزد تفاجئوا بعدم تواجد رفاقهما في المقر ، ففرضت عليهما المعركة الغير المتكافئة بعددها وعدتها وهما في ريعان شبابهما ، قاوما الجحوش والجيش ببسالة قل نظيرها حتى فقدا عتادهما وهما جريحين حسبما قيل في حينها ، ولكنهما سمعا أشخاصاً يتوجهون اليهما ناطقين بنفس لغتهما (الكلدانية) ومرتدين ملابس شبيهة بقوات الأنصار (شال شبك) ، فأختلطت الأمور عندهما متوقعين رفاقهم وليسوا أعداءاً لهما ، فتبين أنهم من الجحوش وقيل في حينها ريكانيين جندتهم سلطة الحرس القومي البعثية ومعهم الجحوش الكرد من الزيباريين والهركيين ، فوقعوا في خدعة كبيرة ليدفعا بحياتهما ثمناً لحرية الوطن وسعادة الشعب.
في عصر نفس اليوم وصلنا خبر أستشهادهما عن طريق أحد رفاق القوش قاصداً المرحوم والدي ليعلمه بالخبر المؤلم الدامي وحسب ذاكرتي أسمه الرفيق سادونا ، فلم يستطع المرحوم والدي من كتم الخبر حتى غلبت عاطفته وأغرفت دموعه بغزارة ، وبعد برهة من الزمن أستفاق وأمرني بالتوجه الى بيت والد الشهيد كوريال المرحوم أوراها قينيثا لأبلغهم بالتوجه الى دارنا فوراً ، فعلم والد ووالدة الشهيد كوريال بالحدث الدامي من دون احداث أي ضجيج عاطفي، فتم ربطهما بسيارة من الدير وحتى القوش، لأرهاب الشعب بخلق الهلع والخوف في نفوس عامة الناس ليتم دفنهما من قبل بلدية القوش في المقبرة، وبعد ستة أشهر أمر القائد المرحوم الفقيد توما توماس وبقرار من الحزب بنقل رفات الشهيدين الخالدين كوريال وبطرس بدفنهماقرب دير ربان هرمزد وعلى الجانب الأيمن منه ، فأقيم أحتفالاً مهيباً في المناسبة الأليمة بحضور الرفاق الأنصار وغالبية الشيوعيين في التنظيم الحزبي في المنطقة وأولياء وأقارب الرفيقين ، وأتذكر تم دفنهما في صناديق محترمة بمقامهما مع أطلاقات نارية كعرس حي لشهادتهما.
أخيراً بعد السقوط تم تكريم الشهيد كوريال بتسمية أحد الشوارع الرئيسية في تللسقف بأسمه بعد 2003 ، تلك المدينة الخالدة بخلد مناضليها، وهذه حالة مقيمة ومثمنة للسلطة العراقية الحالية بالرغم من النواقص والأخفاقات الحاصلة ضمن الوضع العام.
في 7-8-2014 وقعت تللسقف كأخواتها في سهل نينوى تحت سلطة داعش الأجرامي، وبعد عشرة أيام تم تحريرها من قبل البيشمركة الأبطال الذين دفعوا دماء زكية بتحريرها من داعش قرابة خمسة شهداء وعدد من الجرحى ، ولحد الآن القوات الكردستانية متواجدة فيها من الناحية الأمنية متحملة ذلك. بعد أن تحرر سهل نينوى والموصل وبقية مدن العراق الخاضعة لداعش حتى منتصف عام 2018.
لذا نطالب حكومتي كردستان والمركز العراقي بالتعويض الكامل لجميع البيوت في مدينة تللسقف التاريخية المستباحة ، ورد أعتبار لشعبها المضحي دوماً من أجل أحقاق حقوق الشعب الكردستاني بجميع مكوناته القومية والأثنية طيلة الفترة التاريخية للثورة الكردستانية ، يمدونها بالرجال والمال والسلاح والتموين والملبس والمأكل وأستشهد من أستشهد من أبناء مدينة تللسقف من شيوعيين أنصار وبارتيين وديمقراطيين ، بالرغم من قوة وجبروت السلطات الأستبدادية الجائرة عبر الزمن الدامي العاصف ، حتى أن شعبها منح غالبية أصواته لمرشحي كوردستان في الأنتخابات البرلمانية الأتحادية ، بالرغم كان من أهل تللسقف مرشحين ذو قاعدة جيدة وسمعة وفيرة ونضال دؤوب ، حجبوا أصواتهم عليهم بحجة القوات الكردية تحمي الديار وتؤمن الأمن والسلام.
ما يؤسفنا حقاً هو تشرد شعب تللسقف وبقية قصبا سهل نينوى، مهاجراً الى دول مختلفة من العالم، ليضحي شعبنا في سهل نينوى بتاريخه العريق وممتلكلته العامة والخاصة حفاضاً على النفس البشرية لشعبنا الكلداني في المنطقة، وعله فالواجب الأدبي والأخلاقي تعويض الشعبللأضرار التي لحقت به، لتتحمله الحكومتين المركزية والأقليم، وهو حق يجب أن يكون مكفولاً لأبناء تللسقف وبقية المدن المدمرة في سهل نينوى وخصوصاً باطنايا المدمرة تماماً، أحترماً وتقديساً للتضحيات الرخيصة من جميع النواحي من أجل الوطن والشعب والثورات الكردستانية في العراق.
صدق المثل القائل: مصائب قوم عند قوم فوائد…ولكن أية فوائد هذه يا ترى!!! 
منصور عجمايا
9 تموز-2019

عن الكاتب

عدد المقالات : 207

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى