لا نريد دولة إسلامية هدفها هدم الكنائس وظلم اتباع الديانات الأخرى


حبيب تومي
حبيب تومي

 

ونحن نلوج في العشرية الثانية من القرن 21 تتعالى الدعاوي والأصوات بضرورة إعادة المجد الإسلامي عن طريق تأسيس دولة إسلامية في العصر الحديث وذلك على غرار الدولة الإسلامية القديمة قبل 1400 عام ، وبدأت المظاهر العملية لهذا التأسيس في الربيع العربي ، الذي ترجم على انه ربيع إسلامي وكاد ان يولد دولة إسلامية في مصر على يد الإخوان المسلمون ، إلا ان انفاسها اخمدت وهي في المهد من قبل الجيش والشعب المصري ، فلم يثمر لحد اليوم اي دولة اسلامية من التي قرأنا عنها في التاريخ .

ومن قراءتنا للتاريخ عرفنا ان الإسلام نشأ على يد نبي الإسلام محمد بن عبدالله بن عبد المطلب من عشيرة قريش ، وكان ذلك في صحراء الجزيرة العربية في المجتمع البدوي الذي كان يمتهن الرعي وطبقة صغيرة منه تزاول التجارة ، ولا يتقن الزراعة او الصناعة ، وفي اواسط القرن السابع الميلادي كان نبي الإسلام محمد قد اثبت حكمه في ارجاء جزيرة العرب ، وكانت الثقافة المنتشرة في جزيرة العرب ، الفقيرة في مياهها ومواردها ، هي ثقافة بدو الصحراء في الغزو بين العرب انفسهم لكسب بعض المغانم البسيطة المتوفرة لديهم يومذاك ، ولكن بعد الإسلام توسعت تلك  الأحلام للاتجاه لأصحاب الحضارات المتقدمة ( الرومان والفرس ) ، فكان بدو الجزيرة غير مصدقين ان يخرجوا من فقرهم الى الأرض المليئة بالكنوز والخيرات الوفيرة .

 لقد كان كسب الأموال والمغانم وسبي النساء هي الدافع الأكبر في الأندفاع العربي الإسلامي  نحو الغزوات وكان الدين غطاءً لهذه المكاسب ، لقد قال نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم قولته المشهورة : ( أغزوا تبوك تغنموا بنات الأصفر ونساء الروم ) .وكان سبي النساء والبنات الروميات الشقراوات والأسلاب من الأسباب  الرئيسية في التوسع الإسلامي ، وهكذا دأبت الدولة الإسلامية على  غزواتها وفتوحاتها ، واستطاعوا في وقت قصير نسبياً من بناء امبراطورية عربية إسلامية لتغطي نصف العالم ولينشروا دين الإسلام وأن يملؤا مخازن بيت المال من اموال الشعوب المحتلة ، وكان من نصيب الشعوب التي لم تترك دينها وتدخل في الدين الجديد ان فرضت عليهم ضريبة الجزية مع احكام عرفت بأحكام اهل الذمة التي تدني من قدر الإنسان ولا تحترم كرامته الإنسانية . وهذا هو سر الأنضمام الى الدين الجديد عبر الأجيال ، فكانت الزيادة في عدد السكان المسلمين وانخفاض في عدد السكان من الأديان الأخرى : اليهودية والمسيحية والمندائية والإيزيدية لحد اليوم .

الإسلام الآن

اليوم يختلف وضع العالم الإسلامي ، إنهم ليسوا في جزيرة مقفرة وليسوا بدو رحل وليسوا اصحاب قطيع صغير من الأغنام ، ولا يمتهنون الصيد البحري لكسب رزقهم ، اليوم للعرب ورادات هائلة من النفط الذي يستخرج من البلاد العربية ومن المملكة العربية السعودية بشكل خاص ، فالعربي لم يعد بحاجة الى الغنائم والأسلاب من العالم ، ومن ناحية الدين فإنهم ينشرون الدين الإسلامي في الدول المسيحية ، ومقابل ذلك هم لا يسمحون للمسيحيين بالتبشير بديانتهم المسيحية في الدول العربية والإسلامية ، وبينما نجد الآف الجوامع والحسينيات قد بنيت في اوربا وامريكا بينما الدول العربية لا يقبلون ببناء كنيسة واحدة على اراضيهم ، وأجد مئات الآلاف من النسخ من القران تطبع في اوروبا وتوزع بكل حرية بينما لا يجوز ترويج الأنجيل في الدول الإسلامية ، بل ان حمل الأنجيل من الجرائم الكبيرة التي تصل عقوبة حاملها الى الإعدام .

نحن نقرأ عن حوار الأديان والحضارات ، ولا ادري كيف يكون هذه الحوار ، في الوقت الذي يأخذ المسلمون حريتهم الدينية والأجتماعية في الدول الغربية المسيحية ، بينما الدول العربية والإسلامية لا توفر واحد بالمئة من الحرية الدينية  لأصحاب الأديان الأخرى ، فالسعودية تبني مئات الجوامع في الدول الأوروبية ، بينما هي لا تسمح ببناء كنيسة واحدة على اراضها لمليون ونصف المليون مسيحي اجنبي يعملون على اراضيها ، والسعودية تدعي دائماً على انها دولة معتدلة تدعوا لحوار الأديان ، فأي نوع من الحوار تدعو اليه لست أدري ، وعلى  الأرجح هو من نوع : تريد ارنب خذ ارنب تريد غزال خذ ارنب .

الصحوة الإسلامية اليوم

بعد سقوط النظام في عام 2003 شعر السنة بغبن كبير في وطنهم العراقي ، فإنهم كانوا هم السادة في العراق ، لكن يبدو بعد سقوط النظام كان يعني سقوط لتلك السيادة ، وأصبح السنة مواطنون عاديون اي ليس من درجة (السوبر) إن صح التعبير ، كما ان الشيعة الذين منح الحكم لهم على طبق من ذهب من قبل الأمريكان ، فإنهم لم يكونوا اهلاً للمسؤولية ، تماماً كما فعل الأخوان المسلمون في مصر حينما استلموا الحكم ، سارعوا على ( اخونة ) كل شئ ، فمصر يجب ان تخدم اجندة الأخوان وليس العكس ، فكانت نكستهم التي كانوا السبب الأول فيها ، هكذا الشيعة في العراق ، رغم موقفهم المعتدل نوعاً ما بالنسبة لعلاقاتهم مع المكونات الدينية غير الإسلامية كالمسيحيين والمندائيين والإيزيدية ، لكن كان لهم موقف حدي بالنسبة لمكونات الشعب العراقي ، ونفخوا في الرماد ليظهر جمر العداوة التاريخية بين السنة والشيعة ، لقد اختزلوا الوطن في مكون الشيعة ، وأصبحت المظاهر الدينية الشيعية وكأنها المظاهر الدينية لكل العراقيين .

 لقد قادت الطبقة السياسية الشيعية ، عملية سياسية عراقية فاشلة ، ورغم مرور 11 سنة عليها فقد فشلت في جمع اللحمة العراقية بل وسعت في الهوة الطائفية ، وفشلت في بناء بنية تحتية ، وفشلت في تقديم الخدمات من النوع الجيد للمواطن العراقي ، كما اخفقت في ردم هوة الخلاف مع اقليم كوردستان ، ولم يكن للحكومة العراقية اي قراءة صائبة للواقع العراقي ، بل كانت قراءة حزبية طائفية لا اكثر وكانت النتيجة ، أيصال العراق الى حالة التقسيم ومن الصعوبة بمكان العودة الى ما قبل غزوة داعش للموصل في العاشر من الشهر الحالي ، حيث انقسم العراق عسكرياً الى المنطقة الكوردية المعروفة باقليم كوردستان ومعها المناطق المتنازع عليها بما فيها مدينة كركوك .

ومنطقة ثانية وهي منطقة السنة التي تمركزت في الموصل وصلاح الدين والأنبار وكل منطقة ومدن حوض الفرات ، ومنطقة الشيعة المرتكزة في المحافظات الوسطى والجنوبية .

من الواضح للعيان ان هناك عدة جهات دولية ضاغطة ولها مصالحها ونفوذ في العراق ، وفي الوضع الجديد في الموصل والمناطق القريبة من مدننا وقرانا فهناك فرض واقع جديد للحياة يتعلق بحياة المرأة والأقليات والفن وأسلوب العيش والعبادة ، فهم ( دولة الإسلام في العراق والشام : داعش ) معنيون بهدم المعالم الفنية والثقافية باعتبارها رموزاً شركية ، ولتفرض على غير المسلمين نمطاً معيناً من اللبس والعيش .

 إن الذي يساعدهم على ذلك هو البيئة الدينية المحيطة ، فبعد اكتسابهم لأرضية او موطئ قدم في الموصل كان الترحيب بهم ، وزيادة على ذلك كان  خطباء جوامع يباركون لداعش سيطرتها على الموصل و يدعونها لطرد المسيحيين  والمكونات الاخرى من المدينة ، وقد تناقل موقع عنكاوا خبراً مفاده :

أن عددا  من خطباء الجوامع في الجانبين الايمن و الايسر من مدينة الموصل يوم امس الجمعة باركت ما قامت به المجاميع المسلحة التابعة للدولة الاسلامية في العراق و سوريا – داعش من احتلال المدينة. و اضافت المصادر بان الخطباء طالبوا داعش  بتطبيق الشريعة الاسلامية وطرد “الكفرة و النصارى و المكونات الاخرى من المدينة”

حسب الرابط ادناه :

http://www.ankawa.com/index.php?option=com_jfusion&Itemid=139&jfile=index.php&topic=743252.0

كيف نفسر هذا الموقف من رجال الدين في الموصل ؟ المسيحيون من الكلدان والسريان  والآشوريين ، ابناء هذا الوطن الأصليين ؟ أقل ما نقول عنه انه موقف غير واقعي وغير منطقي وغير وطني ، وإلا كيف يوصف ابن الوطن بهذا التوصيف لسبب عنصري واحد وهو انه يختلف عنه في الهوية الدينية .

نحن الكلدان وبقية مسيحيي العراق نقف بين سندان الشيعة ومطرقة السنة ، وليس لنا اي مصلحة في الخلاف المذهبي بين الطرفين ، نحن نريد ان يسود السلم بين الطرفين لكي ينعم العراق بالسلم والأمان ولكي يتفرغ للبناء والتعمير كما هو اقليم كوردستان . نحن نقف بين نارين وغالباً ما يصلنا الكثير من ذلك النار .

نحن نتساءل دائماً اليس الأفضل للسنة والشيعة في العراق ان يتفاهما ؟ وينهيا العداء التاريخي ولغة الثأر والأنتقام السائدة بين الطرفين على مدى عقود عشناها ، ومن المؤكد ان جذورها ممتدة الى قرون ..

إذا خرجنا من الموصل ونتوجه الى المناطق المتنازع عليها المشمولة في المادة 140 من الدستور نلاحظ ان هذه المناطق هي اخطر المناطق في العراق إذ يقول المحللون ودبلوماسيون بأن مشكلة هذه المناطق هي من اخطر التهديدات لأستقرار العراق على الأمد البعيد ومن الناحية الدينية وفي مجال التطهير الديني نلاحظ ان الأنظار توجهت الى نحو مدينة مسيحية كبيرة وهي مدينة قرقوش الآمنة حيث استهدفت بالقصف المدفعي العشوائي  من قبل مسلحي الدولة الإسلامية في العراق والشام ( داعش ) وتصدت لهذه الهجمة قوات البيشمركة ، لكن ذلك لم يمنع الألاف من سكان المدينة بالرحيل منها والتوجه الى اربيل حيث خصصت حكومة الإقليم بالتعاون مع الكنيسة الكاثوليكية الكلدانية مركزا لإيواء هذه العوائل في منطقة عينكاوا التي تسكنها غالبية مسيحية .

نحن مع دولة مدنية ديمقراطية عراقية تراعي مصالح ومصائر الجميع دون تفرقة ، وبنفس الوقت إذا فرضت دولة دينية فنحن لسنا مع او ضد تأسيس دولة إسلامية معاصرة على ان لا تكون على حساب المكون المسيحي وبقية المكونات الدينية غير الإسلامية .

 

د. حبيب تومي / اوسلو في 29 / 06 / 2014

عن الكاتب

حبيب تومي
عدد المقالات : 252

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى