كنيسة سيدة النجاة تؤبن شهدائها بحضور رسمي وكنسي وشعبي كبير


نادي بابل



البطريرك مار بشارة:

جئنا لنشارك الكنيسة في العراق هذه الذبيحة المقدسة…  نحن هنا نحمل جرحاً بليغاً

البطريرك يونان:

لا يمكن ان يكون هناك سلام وعدل اذا لم تحترم حقوق الانسان والحريات الدينية

عنكاوا كوم – بغداد – خلود ال بنيان

رغم آلامهم التي فاقت الوصف، والعنف الوحشي المسلط عليهم، لا زال مسيحييو العراق، يستذكرون شهدائهم الذين دفعوا حياتهم، ثمنا لهويتهم الدينية، بالتأكيد على عراقييتهم التي لا ينازعهم فيها احد وبأنهم لن يرحلوا من العراق مهما خطط اليائسون لذلك، وبان العراق وطن لشعب واحد، لطالما عرفت اطيافه الاخاء والمحبة.

فقد احتشد في كنيسة سيدة النجاة في بغداد، مساء امس، جمع كبير من عوائل ضحايا الكنيسة واقربائهم و اصدقائهم وحضور كبير من كافة انحاء بغداد، ليستذكروا الذكرى الاولى للجريمة الكبرى التي تعرضت لها في الـ 31 من تشرين الثاني 2010، فيما تحدث المطران مار افرام يوسف عبا رئيس اساقفة بغداد للسريان الكاثوليك من ان المسيحيين باقون في العراق، وسيبقون مع اخوانهم المسلمين والايزديين والصابئة المندائيين والاديان الاخرى، صفا واحدا، متحدين في الاخوة والمحبة.

واستقبل جموع المحتشدين الموكب الكنسي الذي دخل الكاتدرائية، تتوسطهم صورة كبيرة للكاهنين الشابين اللذان لقيا حتفهما اثناء المجزرة، تحيط بهما صور بقية الشهداء الذين تجاوز عددهم الـ 45 شخصاً، بالزغاريد والتصفيق.

وحضر القداس وفد قادم من لبنان برئاسة  البطريرك اللبناني الماروني مار بشارة الراعي الذي وصل بغداد، صباح الاثنين، والبطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان، بطريرك السريان الكاثوليك، والكاردينال مارعمانويل الثالث دلي، بطريرك الكلدان في العراق و العالم و البطريرك مار ادي الثاني، بطريرك الكنيسة الشرقية القديمة  والسفير البابوي في بغداد، والمطارنة: مار افرام يوسف عبا ومتي مدوكا من السريان الكاثوليك , والمطران كوركيس صليوا، مطران كنيسة المشرق الاشورية و المطران سويريوس حاوا اسقف بغداد و البصرة للسريان الاثوذكس، والسفير العراقي في بيروت عمر البرزنجي، و النائب يونادم كنا و الوزير الاسبق باسكال ايشو  ورعد عما نؤيل رئيس الوقف المسيحي، وراعي الكنيسة القبطية في العراق البابا كارلوس ورؤساء الوقف السني و الشيعي وممثلين عن المالكي و عمار الحكيم. وحضر ايضا عدد من رجال الدين من كافة كنائس بغداد والشيوخ المسلمين وعدد من المسؤولين الكبار في مجلس الوزراء ونواب مسلمين ومسيحيين, وحشد كبير من المواطنين من مختلف الاديان والطوائف, اضافة الى عوائل الضحايا واقاربهم واصدقائهم. وراهبات ورهبان من كنائس مختلفة وراهبات اخوية قلب يسوع وماسيرات ام تريزا وماسيرات الكلمة المتجسدة.

وبدأ القداس بكلمة للمطران مار افرام يوسف عبا رئيس اساقفة أبرشية بغداد للسريان الكاثوليك، قدم من خلالها الشكر لكل من قدموا من لبنان الى العراق لمساندة اخوتهم المسيحيين في العراق، الذين بوعي من شعورهم الروحي والانساني جاءوا ليعلنوا تضامنهم مع العراق حكومتاً وشعباً، وليعبروا للعراقيين جميعاً مسيحيين ومسلمين استنكارهم للحدث الهمجي الذي يذكرنا بمجزرة اطفال بيت لحم قبل قرن من البيعة، والعنف اللاإنساني والوحشي ضد جماعة كانت تصلي لخالقها من اجل السلام والمحبة

كما شكر المطران عبا سفراء وقساوسة ورؤساء الكنائس في بغداد ومسؤولين في الدولة والمؤسسات الحكومية العراقية وكل من ايطاليا وفرنسا الذين اسعفوا المصابين وتعاطفوا مع ضحايا الكنيسة، من الشعوب والدول ومن استنكر العمل الاجرامي والذين اعلنوا موقفهم ووقفوا بجانب المسيحيين و كل المضطهدين والمهمشين في العالم.

ولم يفته ان يشكر جميع من حضر هذه المناسبة الأليمة ومن ساند المسيحيين بمحنتهم وقال “ما شهدته كنيسة النجاة هو عنف لا انساني ووحشي ضد جماعة كانت تصلي لخالقها من اجل السلام والمحبة، وتاريخنا العراقي ومنذ نزول الوحي على ابراهيم ابي المؤمنين جميعا علمنا التأخي والتألف ين ابناء الديانات الموحدة”، واشار الى الاخوة التي تربط العراقيين وما ينقله لنا التاريخ عن ذلك، اذ قال “نحن المسيحيين والمسلمين عشنا معاً وتعاونا في الضراء والسراء” .

عراقييون حد النخاع ولن نرحل من العراق…

واضاف المطران عبا “نحن المسيحيون في العراق نبقى عراقيون حد النخاع، ولن نرحل من موطن ابونا ابراهيم المؤمن، وسنبقى مع اخواننا المسلمين والأزديين والصابئة المندائين والاديان الاخرى صفاً واحداً، متحدين في الاخوة والمحبة ، نتحدى الخوارج الذين يمارسون كل انواع القتل والارهاب والعنف والدين منهم براء” .

وتابع “وسط هذا التحدي يجب ان لا ننسى المآسي التي يتعرض لها كل العراقيون من مسيحيين ومسلمين ومن مختلف الاديان والطوائف والمكونات الاخرى، على مر السنوات الاخيرة ضد الاحتلال الغاشم، واذا كانت هذه المآسي ظاهرة على اخواننا المسلمي الا ان استهداف المسيحيين كارثة خطيرة وتعد تحدياً سافراً لوحدة العراق، ونسيجه الاجتماعي والديني، وانه مخطط كبير يستهدف مجتمعاتنا الشرق اوسطية، ويترتب على العراق حكومةً وشعباً ان يتصدى له بكل ما يملك من قدرة وطاقة” .

ولفت الى ان مسيحيو العراق منذ سنوات اهداف للخطف والقتل، حيث تعرضت عوائل في بيوتها للقتل، وطلاب في قافلات الجامعة جرى الاعتداء عليهم، وقساوسة يقتلون بوحشية ويخطفون، ليس اخرها حادثة كنيسة النجاة التي اودت بحياة كاهنين شابين الاب ثائر عدال والاب وسيم القطرس و( 45 ) من الابرياء، وجرح حوالي مائة شخص، لذلك نجد الكثير من المسيحيين مضطرين على الرحيل، ليس عن طيب خاطر.

ولفت الى ان مسيحيي العالم تقلقهم هجرة مسحيي العراق، ويجب ان تقلق في ذات الوقت قادتنا وحكومتنا، وليس من شك ان افراغ الشرق الاوسط الشرق الاوسط من مسيحيه ليس من صالح بلداننا العربية، ونحن في العراق لا نتحدث عن اقلية دينية حتى وان كان صحيحاً ان المسيحيين اقلية في الشرق الاوسط، انما نتحدث عن شعب تمتد اصوله في العراق الى عمق تاريخ بلاد النهرين التي كانت وما زالت بمثابة الخميرة التي تعزز التعايش بين المسلمين والمسيحيين ” .

وبين ان هناك من يقول ان استهداف المسيحيين كغيرهم من العراقيين لكننا نقول ان “المسيحيين لا ينتمون الى اي من الفصائل المحاربة، ولا يتدخلون في صراعات البلد الدينية، ولا يملكون السلاح حتى للدفاع عن انفسهم ” .

واشار الى ان مسيحيي العراق يدعون الى استقرار بلدهم، وطن كل العراقيين بكل اديانهم وطوائفهم و ويدعون الى ان تكون هناك مصالحة وطنية حقيقية تهدف الى اعادة بناء الثقة للعيش المشترك ولوضع اسس كفيلة بالحوار لبناء الحضارة العراقية معاً كما كانوا يفعلون في الماضي”.

ودعا المطران عبا الله الى ان “يوطد الامن في العراق ليعيش ابناءه بطمأنينة وليمجدوا خالقهم من دون خوف ، والرحمة والغفران لشهداء العراق كافة ” .

وبينّ ان زيارة مار بشارة الراعي الى العراق جاءت تعاطفاً مع مسيحيي العراق الذين لا زالوا يسبحون في بحر من الدماء، معبراً عن امله بأن تثمر هذه الزيارة بإعادة منهج التوحيد لمحاربة الارهاب، وان تكون كالبلسم لجراح المسيحيين وامل لمسيحيي العراق بغداً افضل. عاش العراق شعباً واحداً موحداً”.

دماء شهداء الكنيسة رمز للمحبة والسلام والاخوة…

وقال مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان، بطريرك السريان الكاثوليك خلال قداس الذكرى السنوية الاولى لمجزرة كنيسة النجاة : سفكت دماء الابرياء المسيحيين لتختلط بدم الحمل الفادي بهذه الكاتدرائية التي اصبحت رمز حي ووحيد للشهادة والمحبة ولنشر السلام والعدالة والاخوة ” .

واضاف “جئنا لحضور قداس الذكرى السنوية لحادثة كنيسة النجاة لنعبر عن عظم اعتزازنا بدماء شهدائنا ودماء الابوين الشابين والاطفال والنساء وكبار السن ممن قتلوا في هذا الحادث، ممن جاءوا ليصلوا ويعبدوا الله المحبة في ليلة عيد جميع القديسين التي تحولت الى مذبحة الحمل السماوي”.

ووصف ما حصل في الكنيسة بـ “الصرخة التي تغلبت على غريزة الانتقام وتذكرنا بجوهر ايماننا وان تذكرنا للشهداء اليوم من قبل ذوي الشهداء والحاضرين لابد وان يتألق في سماء موطننا الجريح المبتلى بالعنف، لذلك يحق لنا ان نفتخر بشهداء هذه الكاتدرائية والجرحى الذين عانوا لساعات ومنهم من عانى طويلاً، ونحن نبقى مع اخوتنا من عرب وكرد وتركمان وازديين وصابئة يداً واحدة، المتعاطفين مع اخوتهم المسيحيين قولاً وفعلاً ليخففوا من وقع تلك الجريمة النكراء على نفوسهم”.

وبين ان  العناية الالهية لها حكمتها ورجاءنا يجعلنا واثقين بأن تضحية شهدائنا وجرحانا في تلك المجزرة لن تمر عبثاً و لا بد من ان تثمر خيراً ونعماً لبلدنا ولشعوب المنطقة ، وان الله سبحانه وتعالى الذي يرعانا لابد وان يصغي لشهداء العراق ويستجيب لتطلعات الشعب العراقي ليمنحهم عراق جديد بديمقراطية حقة تحمي جميع المواطنين دون تمييز”.

واشار الى ان “جميع الشعوب مدعوة للعيش على هذه الارض بالحوار الصالح والانفتاح على الاخر وقبوله كشريك في الانسانية الواحدة ، التي عليها ان تعدل ولا تفرق , وتجمع ولا تشتت، دعا الى ضرورة حماية حقوق الانسان العراقي وتوفير الحريات الدينية والمدنية لجميع المواطنين , مشيراً الى انه لا يمكن ان يكون هناك سلام وعدل اذا لم تحترم حقوق الانسان والحريات الدينية ” .

وتوجه مار اغناطيوس بالدعاء الى الله خالق الكون ان يوحد قلوب العراقيين للعيش والعالم ككل للعيش بتفاعل فيما بينهم على اساس المواطنة الحقيقية , وانه لا شيء يفصلنا عن محبة الرب الذي يدعونا لان نكون منونين لشهدائنا ” .

حان الوقت ليحول الشعب العراقي حزنه الى فرح لانهم بكوا بما فيه الكفاية…

وقال  البطريرك الماروني مار الياس بطرس بشارة الراعي الذي حضر للعراق على رأس وفد من لبنان ليشارك الشعب العراقي كله ومسيحيه فاجعتهم وليصلي على ارواح شهداء كنيسة النجاة في ذكراها السنوية الاولى، مستشهدا بقول يسوع المسيح “الحق الحق اقول لكم ان حبة الحنطة التي تقع في الارض، ان لم تمت تبقى وحدها، واذا ماتت اخرجت ثمراً كبيراً، من احب حياته فقدها، ومن رغب عنها هذا العالم حفظها للحياة الابدية  من اراد ان يخدمني فليتبعني وحث اكون يكون خادمي ومن خدمني اكرمه ابي”.

واضاف “بلغت محبة الله ذروتها عندما كلمة الله يسوع المسيح مات على الصليب، بتأثر كبير وبروح المحبة اتيت مع الوفد المرافق باسم مجلس البطاركة والمساقف الكاثوليك في لبنان بل باسم مجلس البطارك الشرق كاثوليك الذي سيلتئم في لبنان بعد اسبوعين واقول باسم الكنيسة في لبنان :” جئنا لنشارك الكنيسة في العراق هذه الذبيحة المقدسة لأداء الصلاة على ارواح شهداء هذه الكنيسة بمناسبة الذكرى الاولى على استشهادهم”، نحن هنا نحمل جرحاً بليغاً , لكن نحس بأنه ينبعث من سر النبي اليسوع “.

واضاف “نعم، نقول للتطويب وارجو من اهل الشهداء الاحياء الذين شهدوا استشهادهم ونجوا وكانوا اول ثمار دافعوا عنهم في سبيلهم , اتينا لنطوب وندعو كل الجرحى والمشتتين من انباء العراق في كل زمان وتحت كل سماء جئنا لنقول بدمائنا المسيحي المتخذ من ذبيحة الرب وقيامته طوباهم شهداء الكنيسة وطوباهم باهلهم احباء وطوباكم ايها الشهداء الاحياء لان فيكم وفيهم تحققت كلمة الرب اليسوع وذبيحته وفدائه انهم حبة الحنطة الذين من اجل العراق وشعبه كله وليحيى شعب العراق الجديد حياة جديدة ضحوا بأرواحهم ، ان دمائهم الزكية وذكراهم ثمن غالي دفع ليس فقط في هذه الكنيسة بل كل الشهداء الابرار والضحايا التي سقطت على ارض العراق الطيبة التي تلطخت بدمائهم ، هذه الدماء الزكية تستصرخ ضمائرنا جميعاً , وضمائر المسؤولين العراقيين وكل الشعب العراقي ، تستصرخ هم من اجل السلام”.

وتابع “الراعي ان المواطن يبكي عند الحزن ويبكي عند الفرح، وانتم بكيتم بما فيه الكفاية ، دموع حزن ، يا شهداء العراق ويا شعب العراق الحبيب بكيتم كثيراً من دموع الحزن، اما الان وفي ضوء كلمة الانجيل وفي ضوء ما كتبتم هنا وهنالك حولوا هذه الدموع الى دموع الفرح والقيم”.

واضاف “ايها الرب يسوع انت الذي مشيت امامنا نهج حبة الحنطة فكنت انت حبة الحنطة , وخيراً من حب الله للبشر وكنت ذاتك الذبيحة نفسك وتكفي عن خطيئة كل انسان يولد في العالم ، وبقيامتك اعطيت حياة جديدة للبشر و نشكرك ايها الرب على كل الذين يعيشون نهج حبة الحنطة في العائلة في المجتمع ، في الكنيسة ” .

عنكاوة كوم

عن الكاتب

عدد المقالات : 7517

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى