“كل شبر ٍ في الناصرية كوبا “…/ خلدون جاويد


نادي بابل

  كنا نتندر ، وشر المصيبة مايضحك ، بقصائد وثوريّات ايام زمان . قصائد تبدو انها ماتت من حيث مفعولها لكن في تقديري ان تفعيل القصيدة كامن في أعماق الشعب وفي الأحداث الجسام اللآحقة أيضاً.  الجواهري مثلا ، لو اعدنا قصائده الآن ومنتجنا حرقتها مع عذابات شعبنا المظلوم لحصلنا على وشيجة متناغمة ومنطقية مابين الحدث الجديد وخلفياته الشعرية، ومن وراء الجواهري طبعا ارث ثوري ادبي ومن بعده أيضا امتداد متفاعل مع الأحداث متغلغل في كافة المصنفات الابداعية . وكما للسلاح كدْس فللشعر كدْس أخطر .

 كنا نتندر قبل اشهر وعبر التلفون ، انا وصديقان لي هما الشاعر رحيم الغالبي والقاص محمود يعقوب . وكان الحديث اللآذع  يدور حول الواقع الديني ـ السياسي الحالي والذي سحب البساط  قندهاريا !، كما يبدو ، من تحت آمالنا وقصائدنا الحالمة بالحرية . جرى اتصال هذين المبدعين بي فيما بعد عام 2003 وبفضل الانترنيت ” ابتداءا ” ثم تعززت رفقتنا عبر الأثير .. وكانت القصيدة “كل شبرٍ” ، في ممالحاتنا وممازحاتنا ، تشبه مومياءا محنطة او غرفة مهملة في متحف . ولسان حالنا يقول : ” راح ذاك الزمان ” . وكان رحيم ومحمود من جمهور قاعة الحصري ببغداد السبعينات من القرن الماضي ، يوم قرأتُ القصيدة . ولا ادري هل يتفقان معي في فكرتي حول امكانية تفعيل ادواتنا الماضية ام لا . هل أكلنا الصدأ أم ان بذارنا مايزال قادرنا على الإنبات والإيراق  ؟ .

 نعم لقد ذهب زمان الثورات او الملخيّات ” بالدارجة العراقية ”  واتفق مع كلمة ملخيات في حالة عدم تطبيق الأهداف او استحالتها وان تتحول الأماني الى أحلام جوفاء  . لكن بفضل نيران بوعزيزي الذي قلب الدنيا رأسا على عقب وسيمتد بنيران جسده الى الصين ! ، عاد الجواهري ورفاق مسيرته من العراقيين والعرب  للتفعيل عاد الفكر اليساري التقدمي للتفعيل عاد شرف المواطن الذي يكمن باسهامه الغيور في التظاهر بالمناداة على الخصم ان يرعوي،ان يتوقف فسادا وإفسادا ، عادت قصيدة ” كل شبر في الناصرية كوبا” تتناسب مع الصور الرائعة للمتظاهرين في مدينة الناصرية مهد الفكر الثوري العراقي وينبوعه الشاهق .

 انه الفداء البوعزيزي الكامن في كل بلد عربي وفي العراق يقينا ، الفداء لاغيره وطرائق الفداء متنوعة  … قال الجواهري الخالد في تحية للنضالات الجبارة للشعب الفلسطيني  :

 

“جُل الفداءُ وجُلّ الخلدُ صاحبُهُ

ضاق الفضاء وماضاقت مذاهبُهُ “

 

 ان بوعزيزي هو تعبير تونسي عربي شامل واعني يمثل هموم اي فرد في المنطقة العربية وغيرها وبضمنها العراقيين الذين طفح الكيل بهم . والذين عانوا ويعانون شطط السياسات العميلة  والديكتاتورية والظلامية .

 

 

مدن الشرق لا تخافي فوجهي

نصبوه للعاشقين صليبا

عربات النزيف تلهث في رأسي

زهورا من الدخان  لهيبا

واذا يحرقون كل حديد الأرض

نارا في جثتي لن اذوبا

يعلم القصر ان ديك انتصاري

فوق كوخي وان يكن مصلوبا

انا فيتنام كالفرات بلادي

كل شبر ٍ في الناصرية كوبا

 

هاهي الناصرية عادت محمّلة بلون زنابق الأحلام والرايات المرصعة بذكرى الشهداء بالبطولة بالصراخ بوجه الظلم ، بالهجوم على قلاع اللصوص .

مرحى للناصرية صاعدة متون الثورة براية الفقراء والمظلومين .

 ان تأسيس النواة الاولى للرفض العراقي العمالي الفلاحي انطلق من الناصرية عام 1934 وهو مستمر بأشكال مختلفة تخطئ او تصيب لكن العداء للفاشية والظلامية هي البوصلة الخالدة ، والزمن مهما طال وبدا مملا الا ان الكلال والملال لايثني عزم  الكادحين وحزبهم . ان كدس عقود سبعة من النضال سيـُنفخ به جمرا ونارا لاهبة .

 اليوم والتظاهرات امواج شعبية تتدفق في شوارع الناصرية وسواها من المدن وهي  تعني فيما تعنيه ان الفكر التقدمي طبقات راسخة في اعماق الشعب الوفي للمعاني السامية بضرورة مقارعة الظالمين وخادعي الشعب بالشعارات الديني ـ سياسية المقيتة . الشعب يثور ضد الفساد وذاكرته معرشة بحب من ينتصر للفقراء والضعفاء والمظلومين ، للعمال والفلاحين ، والطلبة الثوريين والنساء المسحوقات المحرومات من العلم والفكر وحتى من نسيم الحياة . الشعب العراقي وفيٌ لمن أحبه بصدق وتفان ٍ .

 الشعر يحرك الشارع والعكس صحيح . التظاهرة تعود الى مطارق ومناجل التاريخ القريب والبعيد للوقفات البطولية للشعب ، وبذات الوقت ،  للقصائد الثورية وملاحنها وملاحمها . كل شيء سيفعّل بعد بوعزيزي ، الماركسية ستُعاد قراءتها كونيا ً!

طوبى للناصرية وللمدن العراقية الثائرة .

 

********

 

ـ كتبت القصيدة اعلاه كمقدمة لقصيدة لمشمسة العينين بإسم خلدون الموالي ـ والتي قرأت في قاعة ساطع الحصري عام 1973  في كلية التربية ببغداد ـ العراق .

 وللقصيدة ، لمن لم يطلع عليها حكاية صغيرة :

كانت قاعة ساطع الحصري عام 1973- كلية التربية ببغداد – تغص بالطلبة من متذوقي الشعر والذين استحسنوا بعض الاسهامات الشعرية وبالمقابل فانهم يمازجون جانبا من الأستحسان ذلك بالسخرية من بعض شعراء السلطة . سادت السخرية لفترة طويلة !. اما بالنسبة لي فقد كنت اقف في نهاية القاعة ممسكا بقصيدتي والتردد يعمني اذ في نيتي ترك القاعة خاصة بعد ان زادني يأسا صديقي عدنان المولى ، الشاعر الجميل الذي خاب في تقديم قصيدته بشكل جيد .
اثنان شجعاني ، احدهما من أبناء الجنوب ( اتذكر وجهه بحب ولا أعرف اسمه ) قال لي بالحرف الواحد : اعضاء اتحاد الطلبة (جماعتنا ) هم المسيطرون في القاعة تقدم ! قالت لي الحبيبة هيام : اذهب الى المنصة .. اقرأ ولا تكترث لأحد – اقرأ لي وحدي ! وهي لم تكن اول حبيبة أو أُم ٍ أو خنساء تدفع بصخر ٍ للدفاع عن الأرض أو الإنسان .
عندما جاء دوري وكان الأخير … كنت متوهجا …متوجسا ًومتحديا في آن . سرت باتجاه المايكرفون وانا اتمتم باجمل سطر في حياتي بل أكاد أقول ارتجلته عندما وقفت امام المايكرفون : ” اذا كانت قصيدتي سببا في شتمي فاني سأحتضن كل شتائمكم في قلبي وذلك لأني أُغني قصيدتي الى تربة الناصرية التي أول مانبتت عليها وفي بلادي وردة الأشتراكية الحمراء !”
حسبي ان اشير الى ان المقطع “لن أذوبا ” قد كان مقدمة للقصيدة النونية ” لمشمسة العينين ” اعترف اني لم اقدم القصيدة كاملة الى اللجنة المشرفة على قصائد المهرجان وايضا قدمت اغلب ابياتها لا كلها الى الدكتور عناد غزوان ونوهت له بما اخبئ وما اداور واناور .. اخذ الدكتور قصيدتي للأطلاع والأقرار -مبتسما- لسان حاله يقول ذنبك على جنبك …
قرأت المقطع الأول في القاعة فاهتزت هزا واذ هممت بقراءة الأبيات الاولى صعد احد اعضاء المنظمة السلطوية الطلابية باتجاهي وبدلا من ان يدفعني جانبا كما تصوّرت ، وضع ورقة امامي مما اثار استغراب الجمهور ” ليس هكذا ياصديقي ” جملة لا تزال امام ناظري باعتباري شاعرا عاقا على اعدائي وعلى المتزمتين من اصدقائي .. انني من صداقة هؤلاء براء ! واذا كان للمقام هذا من قول او تتمة فان القصيدة استنسخت وعوقب احد مستنسخيها ولم يبق مقهى في مدينة الناصرية لم تتداول القصيدة على حد مبالغات ؟ احد التلاميذ … الا انها وانا شاهد الحدث ، اسوقه كما هو حفاظا على شرف الحقيقة واحترام الذات ، انها قصيدة واسعة الأنتشار عراقيا ، لكنها منعت من النشر في الجريدة العلنية للحزب الشيوعي العراقي الذي كان باتجاه الانخراط في الجبهة الوطنية مع حزب السلطة واذا لايهمني ذلك كثيرا اظل اتذكر وجهين احدهما الذي طلب مني ان احترس ولا اسير لوحدي بعد الآن حسب ما اوصاه خيراً بي اتحاد الطلبة الديموقراطي ! ووجها آخر كان قد مر بالقرب مني مع اصدقائه واذ ابتعد قليلا ( وكنت سائرا مع – هيام – ) حتى نادى بصوت شجيٍّ وحنون مرددا احد ابيات قصيدتي ” :
” ساذبح مهرا للحفاة حبيبتي … وفي الساحة الحمراء احرق جثماني ” ان ذلك الثغر الصادح بكلامي هو سر قضيتي ولامتناهي الجمال عندي ! انه القريب البعيد ، الحبيب الحاضر الغائب انه الجمهور !
لا أنسى ان اقول أنني تقدمت للقراءة باسمي الحقيقي خلدون الموالي ، والذي غيرته بعد سنوات تيمننا بإسم الشهيد فكرت جاويد . وكتوطئة للقصيدة اشير ان ثورة محجوب قد اجهضت للتو ،وانها قرأت قبل اعلان الجبهة الوطنية بأشهر .

المقدمة والقصيدة معا ً :

مقدمة القصيدة ” لن أذوبا ” :

مدن الشرق لا تخافي
فوجهي
نصبوه ُ للعاشقين صليبا
عربات النزيف
تلهث في رأسي
زهورا من الدخان لهيبا
واذا يحرقون
كل حديد الأرض
نارا
في جثتي لن أذوبا
يعلم القصر ان ديك انتصاري
فوق كوخي
وإن يكن مصلوبا
أنا فيتنام
كالفرات بلادي
كل شبر ٍ في الناصرية ِ كوبا

القصيدة

لمُشمِسة العينين
تخضرّ ُ شطآني
وينزفُ من جرح السماوات
شرياني
وإن صاح ظهري فاجلديه
وعذبي
كما يجلد السلطانُ أبناءَ أوطاني
لئِنْ ماتتْ السودان يوما
تعشْ على
يدَي ْ ألف ِ محجوب ٍ غدا ً
ألفُ سودان ِ
وشعبي ومهْما دوّسَت ْ
عجلاته ُ
على جثتي
يُمْطرْه ُ
بالقمح خذلاني
وعينيك ما أرخصت ُ أرضي
محبة ً
فأ ُركعَ شعبي
أو أدوّس َ تيجاني
بلال ٌ أنا وحلُ الفراتين ” كعبتي “
وبعض ُ تراب الناصرية ِ
قرآني
رغيفا ً خذي وجهي وغصنا ً
وجرة ً
بها نثنثي ماء ً
على كل ّ ِ عطشان ِ
وخدّاك ِ منديلان شدّي عليهما
ذراع أخي المكسور
شدّي حزيراني
ونهداك ِ رهن ٌ لليتامى
ارضعيهما
حليبا ً لتاريخي
لأرضي ، لإنساني
أنا مريمُ الباكين قلبي كنيسة ٌ
وحزني حمامات ٌ
وشعبي شمعداني
سأذبح مهرا ً للحفاة حبيبتي
وفي الساحة الحمراء
أحرقُ جثماني
أنا الدجلة ُالعطشى الى الماء
يُبّسَت ْ
على شفتي شمسي
وصبحي
وأغصاني
وحقك لا محجوب قد شدّ صهوتي
ولا نهضتْ خيلي
ولا هب ّ فرساني
ولا فهد الجبار هدّم َ نقرة ً
يسمونها بالأمس
نقرة ُ سلمان ِ
فردد صوت ٌ رُغم خوفِ رماحنا
سأمضي أدك الموت
أدفن دفاني
أنا جرح ُ آنجيلا
يفجّر صوتها
اذا انتفض السودان
إكتوبرا ً ثاني

*************

تقع القصيدة بحدود 40 بيتا وفقد ت بقيتها .

عن الكاتب

عدد المقالات : 7481

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى