كلود مونيه وبيت الزهر


د. تارا ابراهيم
د. تارا ابراهيم

جنة الأحلام تتلاقى مع الحقيقة في منزل الرسام الفرنسي الشهير (كلود مونيه)، فكثيرة هي بيوت الفنانين والشعراء والكتاب الفرنسيين المفتوحة للعامة، ولكن أياً منها لا يضاهي منزل هذا الفنان الذي يقع في قرية (جيفرني) شمال فرنسا، هذا المنزل الذي جسد فيه الفنان حياته كاملة وبالأخص عبر الحدائق التي تحيط به ليضفي بصماته الشخصية عليها لتلهمه لوحاته الأكثر شهرة في العالم.

المنزل ريفي ذو أبواب ونوافذ خضراء كلون الطبيعة التي يعشقها الفنان المشهور كونه مؤسس المدرسة الإنطباعية التي تعتبر حركة فنية فرنسية ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، يعتمد أسلوب الرسم فيها على نقل الواقع أوالحدث من الطبيعة مباشرة وكما تراه العين المجردة بعيداً عن التخيّل والتزويق.

لدى دخول المنزل، يغمرنا الجو العائلي الذي يخيم عليه ونتخيل صدى الضحكات البريئة لثمانية أطفال عاشوا في هذا المنزل، وذهاب وإياب (مونيه) بين مرسمه وحديقته وروائح الفواكه والخضراوات الطازجة التي تفوح من المطبخ حال وصولها من البستان المجاور للبيت، والأصدقاء القادمين من باريس لزيارته..

نبدأ الزيارة بالطابق الأرضي، حيث توجد في الجناح الأيسر الصالة الزرقاء أو صالون القراءة وورشة عمل الفنان الذي عمل فيها الى عام (1899). أما الجناح الأيمن ففيه غرفة الطعام ذات اللون الأصفر والذي كان لون العصر آنذاك، وبوفيه تحتوي أواني المائدة من تصميم الفنان بلونين أزرق وأصفر، يليه المطبخ ذو الجدار المصنوع من المرمر الأزرق و فيه الطباخ الكبير والأواني النحاسية وكأنها تنتظر عودة أصحابها، فكل التفاصيل تم الإحتفاظ بها لتكون شاهدا حيا على ذلك الوقت، أما الطابق الأول فهو جناح كامل خاص بالفنان من غرف النوم التي تطل على الحديقة بشكل مباشر.

حديقة المنزل تقارب مساحتها الهكتار، أشرف الفنان بنفسه على إختيار الأزهار وألوانها، ففيها أنواع وأشكال مختلفة من الأزهار رائعة الجمال والتي قد لاتخطرعلى بال أي إنسان، فالحديقة هي اشبه بالفردوس ، ويبدو أنه لم يكتف بهذه الحديقة وحسب، وبسبب شغفه بلعبة الضوء وإنعكاسات السحب على الماء إشتري قطعة أرض مجاورة للحديقة تبلغ مساحتها بضع هكتارات ليحولها الى حديقة مائية ويشيد عليها جسرا على الطراز الياباني ولكن بلون أخضر كي يضفي طابعا شرقيا على الحديقة.

اختار( مونيه ) نباتات كالخيزران لإحاطة البركة المائية التي زرع فيها الزنابق المائية، والجنكو الياباني والقبقاب، كان يعشق حديقته وكان فخورا بها و يستقبل ضيوفه فيها بل و يقضي ساعات وساعات في تأملها، و كان يعمل لديه بستاني مسؤول عن إدارة الحديقة كل الوقت. في عام ( 1897 ) قام ( مونيه ) برسم زنابقه لتجسيد إنعكاس الماء على البركة التي تعوم عليها الزنابق بألوان مختلفة، محققا بذلك رائعة من روائعه الفنية المشهورة في جميع أنحاء العالم كونه يبتعد عن حدود التجريد حيث إهتزاز الألوان يستحضر عالما من الأحاسيس والمشاعر الجياشة.

د.تارا ابراهيم

 

 

عن الكاتب

عدد المقالات : 87

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى