كتاب ” تاريخ بلاد الرافدين”، قراءة و ملاحظات


سعد توما عليبك
سعد توما عليبك

صدر موخراً في الولايات المتحدة الأمريكية و من تأليف الزميل الدكتور كوركيس داود مردو المجلد الأول من تاريخ بلاد الرافدين و الذي جاء بـ 442 صفحة.
يتناول الكتاب بشكل مفصل و متسلسل المراحل التي مرت ببلاد الرافدين و الممالك التي نشأت فيه و عواصمها و مدنها و شعوبها و آلهتها و أعيادها، معتمداُ على المصادر الأكاديمية الأجنبية و العربية.
كما تطرق الكاتب بتركيز على السكان الأصليين لبلاد الرافدين من السومريين و الآشوريين و الكلدان ، و السلالات التي حكمت البلاد و ملوكها و طريقة حكمها و انجازاتها العمرانية، وتابع ظل سنين بزوغ عظمة الكلدان و آثار أقدام ملوكهم في الأمصار و السهول المجاورة و البعيدة عن قلب العالم …عن عاصمة الكلدان بابل ذات الجنائن المعلقة العجيبة.
و قد تصدى الكاتب في هذا المجلد و بأسلوب علمي رصين  للمحاولات البائسة التي قام بها النظام العنصري البائت و كذلك من هم على شاكلته من الاحزاب القومية الشوفينية الحالية في تشويه التاريخ و التلاعب بصفحاته بما يتلائم و آيدولوجيتها العنصرية، و منها محاولة الغاء و مسخ القومية الكلدانية الرافدينية الأصيلة.
كما ان الكتاب فيه مبحث كامل عن تاريخ كنيسة المشرق منذ تأسيسها و الى اليوم ، حيث يتطرق الى تفاصيل غاية في الأهمية عن الموضوع.

و بعد قرائتي لهذا الكتاب المتميز  أود في أن اسجل بعض الملاحظات المتواضعة حوله و أختصرها بالنقاط التالية:

1- اسلوب الكاتب الرائع و امكانياته اللغوية و جزالة العبارات المستخدمة في سرد الأحداث التاريخية ، هذه العوامل تجذب و تشوق القاريء و تعطي ميزة و نكهة خاصة للكتاب عند مطالعته.

2- حرِصَ المؤلف على أن تكون الأحداث التاريخية متسلسلة دون إغفال اية مرحلة منه حتى ولو كانت قصيرة أو قد يراها البعض بأنها غير ذات أهمية . كما طبق نفس الطريقة في ذكره لجميع الملوك و ممالكهم و مدنهم و طريقة حكمهم.

3- تفادى المؤلف الحاشيات و الهوامش في اسفل الصفحات عند الإشارة الى مصدر ما ، حيث اتبع اسلوباً عملياً ناجحاً في مؤلفه وهو ذكر المصدر مباشرة بعد العبارة ، لكي لا يشتت أفكار القاري و لتبقى عيونه مشدودة على السطور. و هذا الإسلوب يعطي فرصة للقاريء لكي يسترسل في القراءة لمدة أطول و بطريقة أسرع.

4- لكون المؤلف كلداني القومية، وهي القومية التي تمتد جذورها الى أكثر من 7000 عام في عمق تاريخ بلاد الرافدين ، و لإهتماماته في اللغات القديمة و اللغة الكلدانية الآرامية تحديداُ والتي يجيدها بطلاقة و يعرف كل اسرارها، و اصراره على توثيق الحقائق كما هي بدون تحريف، و حبه الكبير لبلده و تاريخه ، و دوره المتميز كشماس في كنيسته، ربما هذه الميزات ساعدته في الوصول الى بعض الوثائق القديمة و المهمة من رسائل و مخاطبات تخص الشعب الكلداني منذ مئات السنين، و التي قد تكون غائبة عن الكثير من الأكادميين و الباحثين ، وقد جاء ذكرها و شرحها في هذا الكتاب.

5- استناداً الى الوقائع و الى المصادر العلمية و الأكاديمية المتوفرة ، و من خلال الأحداث التاريخية المتعاقبة على بلاد الرافدين،  يؤكد الكتاب استمرارية الوجود القومي الكلداني (القومية الأصيلة لسكان بلادالنهرين) الى اليوم بالرغم مما شهده بلادهم من حروب و غزوات متتالية ، و بالرغم مما عانى أبناء هذه القومية من قتل وتشريد و تهجيرعلى مر العهود.

هذا الكتاب ” تاريخ بلاد الرافدين” المجلد الأول  هو إنجاز رائع  بمحتوياته العلمية و التاريخية القيمة يضعها المؤلف في متناول أيدي الباحثين و الأكادميين و المهتمين بتاريخ بلاد الرافدين ليكون رافداً مهماً يستمدون منه الأجوبة الشافية لأسئلتهم و استفساراتهم في هذا المجال.

وفي الختام لا يسعني الاّ ان أحيي و أبارك زميلي و استاذي الدكتور كوركيس مردو على الوقت و المجهود الكبيرين الذين  بذلهما من أجل اصدار هذا الكتاب القيم. كما أحيي من خلاله الإتحاد العالمي للكتاب و الأدباء الكلدان بهذه المناسبة ، والى المزيد من الإبداعات.

سعد توما عليبك
saad_touma@hotmail.com
1/7/2011

عن الكاتب

عدد المقالات : 27

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى