في ذكراها إل 41 شهداء صوريا الكلدان بانتظار دفنهم بكرامة و شرف


سيزار ميخا هرمز
سيزار ميخا هرمز

( في ذكراها إل 41 شهداء صوريا الكلدان بانتظار دفنهم بكرامة و شرف )

ما هي ألا أياماً قليلة و يوم 16 – 9 قادم حاملاً معه الذكرى ال 41  الأليمة التي طالت أبناء المكون الكلداني , يدمع لها القلب قبل العين وتقشعر لها الأبدان ويذهل لها الإنسان , صوت الإبرة يٌسمع من الصمت الذي يخيم على الضجة عندما تسرد أحداث يوم 16 – 09 – 1969  فمكان الحدث هو قرية صوريا الكلدانية  (113 كم شمال الموصل ) في الجنوب الغربي من السهل السليفاني و على ضفاف نهر دجلة . مركزها الإداري هي ناحية العاصي ( باتيل حالياً ) في قضاء زاخو في محافظة دهوك ( إقليم كردستان ) / العراق .
( 1 )* أسباب وقوع هذه المذبحة التي طالت أبناء القومية الكلدانية من المسيحيين  إلى جانب الإخوة الأكراد :  –
كان مقر الفوج العسكري في مركز ناحية السليفاني”عاصي” سابقاً ، وفي صباح كل يوم ثلاثاء كانت هناك مفرزة تخرج من العاصي متوجهة إلى قرية فيشخابور في المثلث الحدودي(العراقي السوري التركي)، وكانت هذه المفرزة تمر بعدة قرى في السهل السليفاني و من ضمنها قرية صوريا الكلدانية .
وفي صباح يوم الثلاثاء 16/9/1969 مرت المفرزة المؤلفة من (أربعة عجلات) ( 2 )* حيث كانت هذه المفرزة بآمرة الملازم ثاني عبد الكريم خليل الجحيشي) كعادتها بهذه القرى و وصلت إلى قرية صوريا و مكثت المفرزة بعض الوقت في القرية و رحب بهم أهالي القرية و قدموا لهم ما وجد لديهم من مأكل و مشرب . و بعد مغادرة المفرزة لقرية صوريا و على بعد حوالي خمسة كيلومترات انفجر لغم تحت إحدى عجلات المفرزة. ولم يحدث الانفجار أية أضرار بشرية بالمفرزة.
أمر الملازم عبد الكريم الجحيشي بالتوجه إلى قرية صوريا ثانية و جمعوا أهالي القرية في حظيرة للحيوانات و قام الجنود بتنفيذ أوامره و تم تطويق القرية من قبل الجنود و كان في نفس اليوم قد وصل القس حنا بيث قاشا من زاخو إلى القرية.
و عن تفاصيل المذبحة يقول احد الناجين من أبنائها واسمه هرمز ( 3 )*: « عندما كان الجنود يجبرون سكان القرية بالعقاب وحراب بنادقهم كان البعض يفكر بالفرار ألا أن الأب حنا قاشا الذي لم يدرك بان وحوشا كهؤلاء و سادتهم في بغداد ليس لهم مثيل على هذه الأرض على الإطلاق، نصح بعدم القيام بهذه المحاولة وطلب من سكان القرية أن يتجملوا بالصبر ويركنوا إلى الهدوء وبعد لحظات حينما أتم الجنود جمع سكان القرية سحب الملازم الجحيشي أقسام رشاشه . في هذه اللحظة أدركت «ليلى» ابنة المختار ما سيحصل فقفزت عليه وأمسكت بماسورة الكلاشينكوف بقوة وحينما أدرك الملازم استحالة انتزاع الغدّارة من قبضتها سحب مسدسه وأطلق النار على رأسها فأرداها قتيلة في الحال، ثم بدأ بإطلاق النار من رشاشه على المدنيين من دون تمييز وكلما نفذت رصاصاته استبدل مخزن الرشاش بمخزن جديد وراح يواصل أطلاق النار حتى إذا ما تأكد بأنه لم يبق إنسان قائما أمامه أصدر أوامره إلى الجنود المحيطين به بأن يقبروا الأجساد المثخنة بالجراح بحراب بنادقهم ويضرموا النار في بيوت القرية والسور المحيط بها لكي يحولوا دون محاولة بعض الناجين من الفرار.
“هرمز” يكبح دموعه ويلوذ بالصمت لثوان عدة ثم يقول: « لقد كنت اشعر بأنني كنت ادفن تحت أكداس من الأجساد التي كانت تسقط تحت وابل الرصاص . والمشكلة الكبرى التي واجهناها بعد هذه المذبحة إنقاذ الجرحى والعثور على بعض منهم ممن هام على وجهه في البراري.
سكان القرية المجاورة الذين هبوا لإنقاذ الجرحى وأوصلوهم إلى المدن القريبة جوبهوا برفض مسئولي المستشفيات تقديم العلاج لهؤلاء الضحايا ولولا تدخل بعض الأطباء والشخصيات المحلية – بعضها طبعا – المتنفذة لما تم إدخالهم الى غرف العمليات وأجنحة هذه المستشفيات والكثير من الأطفال الذين نجو من هذه المجزرة بأعجوبة تشبثوا بجثث ذويهم وإخوتهم لساعات طويلة ولم يفارقوا مكان المجزرة ألا بعد أن فصلوا عن الجثث بقوة، في هذه الإثناء كان الجنود يمنعون الناس من الوصول إلى موقع الجريمة لدفن الموتى وتركوا أجساد الضحايا لمدة ثلاثة أيام وثلاث ليال كاملة ما جعلها فريسة الطيور الكاسرة والكلاب السائبة .
أحداث المذبحة كما يرويها الكاتب السوداني شوقي بدري ( 4 )*
في 16 سبتمبر 1969 حدثت مذبحه صوريا في بداية وصول صدام للسلطة. فلقد انفجر لغم فى سيارة عسكريه بالقرب من قرية صوريا . وبالطريقة النازية التي كان يمارسها الألمان في البلاد المحتلة اتجه الجيش لأقرب قرية وجمعوا كل الناس وطلبوا منهم ان يأتوا بمن وضع اللغم . ولم يشفع لهم قولهم بانهم فلاحون مسيحيون ليس لهم درايه باستعمال السلاح . وتصادف انه كان القس فى زياره من الموصل التي تبعد حوالي 100 كيلو متر فحاول أن يتوسط ويناشد الضابط عبد المجيد الجحيش فقال الضابط لرجاله
( هذا الكلب الأسود ارموه أولا ) . أشارة إلى الرداء الأسود الذي يرتديه القس
وهنا صورة لشاهد القس الكلداني المرحوم حنا يعقوب قاشا
 

ويكمل الأستاذ شوقي قائلاً …
في زيارتي للقرية تحدثت مع العجوز بطرس كوركيس والشاب عماد , ووسط شعور الألم والإحساس بالمرارة تكونت عندي صوره وأعطوني  كتيب مذبحه صوريا وان كان باللغة الكردية . وما عرفته منهم أن ابنه المختار ليلى اندفعت تستجدى الضابط عبد الكريم لكي لا يقتل والدها المختار , ألا أن الضابط أطلق النار على والدها وصرعه فهجمت ليلى عليه وانتزعت رشاشته فقام احد الجنود بقتلها وعقاباً لها أُلقيت في النار بعد أن احرقوا القرية .
صورة العم بطرس كوركيس الذي لا يزال يحمل أحزان وجراحات الماضي
  

ولنستمع إلى ما يقوله البرزانى في مذكرته إلى هيئه الأمم المتحدة . (( في التاسع عشر من شهر آب تم إحراق 29 امرأة و37 طفلاً وطفله ورجل عجوز في قرية دكان التي تقع في الشمال الشرقي من الموصل عندما هاجم الجيش قرية هؤلاء المساكين هربوا ملتجئين إلى كهف مجاور فأدركهم رجال الجيش هناك وسيطروا على المدخل ثم جمعوا حطباً وكدسوه داخل الكهف ثم صبوا عليه البترول وارتكبوا أفظع جريمة وهى إحراقهم إحياء . من بين الضحايا طفلاً يدعى ابشار رمضان يقل عمره عن الشهر الواحد وتجدون هويرى عيسى الذي تربو سنه عن الثمانين .
وأبيد في يوم 16 أيلول 97 مواطناً قتلاً وجرحاً هم كل سكان قرية صوريا غرب زاخو على نهر الخابور . وقذف الجنود بالأطفال منهم وهم في مهودهم إلى الماء فغرقوا في النهر. وكان القس الكلدانى حنا قاشا بين القتلى ايضاً  ))
 
من الذين نجوا من المذبحة الطفل سمير الذي لم يذد عمره عن أربعين يوماً وجدوه حياً بين الجثث في اليوم الآخير وكانت أمه قد حمته بجسمها. أما والده منصور وشقيقته سميره فلقد تصادف أنهم كانوا في بلده زاخو الكبيرة . واخبرني ايشو حنا الذي صار رئيس عرفاء في الجيش العراقي وحصل على ثلاثة أنواط شجاعة . انه كان يقابل والد سمير منصور في بغداد وكان يدفع عربه ويبيع ( اللبلبي ) وهو الحمص المغلي . ثم هاجرت الاسره فيما بعد إلى فرنسا .
من قائمه الأسماء والصور في كتيب مذبحه صوريا يبدو أن أسره صورى قد فقدت كل أعضائها فلقد حسبت عشره صور لهم وهذا طبعاً لا يشمل اللذين لم تتوفر لهم صور . كل هذه الفظائع والجامعة العربية أو الدول العربية لم تحرك ساكناً. والإعلام العربي لم يهتم ولن يهتم  ..  ( انتهى الاقتباس )    
في الذكرى الأربعين لمذبحة صوريا الكلدانية التي صادفت العام الماضي  اخذ الاتحاد العالمي للكتاب والأدباء الكلدان على عاتقه أن يظهر هذه القضية الأليمة المنسية إلى الرأي العام فشهداء صوريا الكلدان هم أناس مدنيين لم يكن لهم ذنب أو طموح انفصالية  وعندما نذكر ذكراهم نستذكر معهم شهدائنا الكلدان  الإبرار عبر التأريخ الذين سقطوا من اجل أهداف وطنية ونضالية أو نتيجة ظلم جائر وقع عليهم .. وما هي ألا سنة واحدة حتى تصاعدت وتيرة القضية فبحضور الجهات القانونية المختصة في إقليم كردستان، جرت يوم ، الأربعاء 14 تموز 2010 ، المراسيم الرسمية لفتح مقبرة صوريا، الجماعية، في قضاء سيميل التابعة لمحافظة دهوك
ووفقاً لوكالات الأنباء فقد أخرجت رفات 11 شخصاً من مجموع رفاة 49 شخصاً ضمتها المقبرة، تعود  39 رفاة  لكلدان مسيحيين ، بضمنهم عدد من الأطفال والشيوخ و10 رفاة تعود للأخوة الأكراد. وبتاريخ 20 – 07 – 2010 تواصلت الجهات المعنية في الإقليم أعمال فتح المقبرة الثانية في قرية صوريا التي احتوت على رفاة 14 شخصاً .. بحيث أن كل رفاة الضحايا تم إرسالها إلى عاصمة إقليم اربيل بهدف أجراء فحوص الحامض النووي DNA  لها لمعرفة أسباب وفاة أصحابها قبل أن يتم إرسال النتائج إلى المحكمة الجنائية العراقية التي تبنت دعوى قضائية بشان مجزرة قرية صوريا ..  
وللأسف الشديد أن قضية شهداء صوريا حاولت وتحاول بعض الأحزاب المحسوبة على شعبنا  أن تجيريها من اجل تحقيق مصالح ومكتسبات حزبية ضيقة وتنسب للقائد الضرورة هذا أو ذاك  لكي تعرض من ضمن السيرة الذاتية لتلك الأحزاب في مناسبات واستحقاقات انتخابية أمام شعبنا فلابد لنا ,  أن نقوم وان نعرض بعض التفاصيل حول هذه القضية .. كما هو معلوم أن الأكراد  كانوا يعرضون الظلم والحيف الذي طال الإقليم بكل مكوناته أمام أنظار الرأي العام  وبعد الحصول على استقلاله وضع نصب عينه بكشف الحقائق التي كان ينادي بها ومنها قام بفتح المقابر الجماعية التي قام بها النظام السابق بحق الأكراد وبقية القوميات في الإقليم ومنها أبناء القومية الكلدانية إلى جانب القوميات المتآخية الأخرى وكذلك هو الحال بالنسبة لبقية مكونات الشعب العراقي بعد سنة 2003 حيث فتحت في العراق العديد من المقابر الجماعية والتي تبنتها المحكمة الجنائية العراقية العليا ويبقى السؤال لماذا تم التأخر بفتح مقبرة صوريا كل هذا الوقت ؟؟؟
فيقول السيد علي بندي مدير مركز الأنفال في محافظة دهوك  لإذاعة العراق الحر ” أن سبب عدم فتح المقبرة طوال هذه السنوات يعود إلى أن القرية كانت مغمورة بمياه سد الموصل وبعد أن انخفض منسوب الماء خلال السنوات الأخيرة ظهرت القرية وعرف موقع المقبرة، وثمة سبب آخر هو “أننا كنا بانتظار أن تقوم محكمة الجنايات العراقية العليا بإصدار قرار يقضي بفتح ملف هذه القضية “. ( انتهى الاقتباس )
مما يعني أن قضية صوريا كانت في ضمير ووجدان مركز الأنفال منذ زمن بعيد ولم تفتح المقبرة بسبب مياه سد الموصل وأنهم كانوا بانتظار قرار قضائي بفتح ملف القضية وألان أصبح الأمر واضحاً بان القضية الإنسانية التي يعمل عليها مركز الأنفال منذ زمن بعيد قد تم تجيريها لصالح قضايا حزبية ومتاجرة بدماء الشهداء الكلدان  لصالح بعض الأحزاب المحسوبة على الشعب ؟؟؟ .
وباستفتاء قام به موقع عنكاوا كوم ضمن حملته التي واكبت فتح المقبرة  طالب المشاركين به من أبناء شعبنا بمعاقبة جميع المتورطين في هذه القضية بالإضافة إلى استفتاء أخر طالب به أبناء شعبنا بما نسبته 88 %  إلى أقامة نصب تذكاري يخلد شهدائنا الإبرار .. فيبقى السؤال متى سيدفن ضحايا  المذبحة مرة ثانية بكرامة وشرف ؟؟
فيقول  لإذاعة صوت العراق الحر السيد عزت محمد المدير العام لمؤسسة الشهداء في محافظة دهوك وكالة ” أن الذين راحوا ضحية هذه المجزرة هم من المسيحيين الكلدان وبعض المسلمين الذين كانوا يعيشون في القرية ، موضحا أن من بين الضحايا نساء وأطفال وشيوخ “
وأوضح عزت محمد انه بعد انتشال الرفات سيتم إجراء فحوصات الحمض النووي “DNA” لمعرفة هويات أصحابها، مشيرا إلى أنهم لن يعيدوا دفن رفات الضحايا ألا بعدما تصدر محكمة الجنايات العراقية العليا أحكامها بشأن مرتكبيها ، وقال أن الذين ارتكبوا هذه الجريمة مازالوا على قيد الحياة.
كما ودعا مدير مركز الأنفال المحكمة الجنائية العراقية العليا إلى ضرورة “عد هذه المجزرة ضمن جرائم الإبادة الجماعية، التي تتخذ أبعادا دولية، كما يجب تعويض ذوي ضحايا المجزرة وإصدار أحكام قاسية بحق مرتكبيها”.

يشار إلى إن غالبية سكان قرية صوريا التابعة لقضاء سميل غرب محافظة دهوك هم من المسيحيين الكلدان ” ( انتهى الاقتباس )
وبذلك تكون قضية صوريا هي الأولى من بين مذابح وقضايا شعبنا الأليمة التي تعدها مؤسسات حكومية عراقية من ضمن جرائم الإبادة الجماعية التي تتخذ إبعاداً دولية .. وبعد كل هذا العمل الجبار التي تقوم به حكومة الإقليم فأننا نتوسم منها إن تـَشمل عوائل الضحايا من ضمن برنامج وزارة الشهداء والمؤنفلين لتعويضهم ..  وان يلقى القبض على المجرمين  بوقت قريب و تصدر المحكمة العراقية الجنائية العليا أحكامها بشأن مرتكبيها  ليتم دفن الرفاة ثانية ولكن هذه المرة بكرامة وشرف وبحضور شعبي من أحزاب ورجال الدين والمؤسسات الحكومية  يتقدمهم الأحزاب الكلدانية الممثل الشرعي لأبناء القومية الكلدانية ورجال الكنيسة الكلدانية  الرؤساء الروحيين للكلدان لإقامة الصلوات على روح  الشهيد القس حنا يعقوب قاشا و ليلى خمو والآخرين .
المجد والخلود لكل الشرفاء الأحرار الشهداء في عراقنا الحبيب والذي كان للكلدان نصيباً  كبيراً بهذا الشرف العظيم  .
سيزار ميخا هرمز – ستوكهولم  في   11- 09 – 2010
cesarhermez@yahoo.com
عضو الهيئة التأسيسية في الاتحاد العالمي للكتاب والأدباء الكلدان .
المصادر : –   ( من مقال للأخ سعد عليبك تحت عنوان مذبحة صوريا ، محطة الشهادة في تاريخ الكلدان الحديث )
1 * – عن مقال صلاح زورو حول مجزرة صوريا ( في مجلة نجم بيث نهرين (
 2 * –  الكاتب حميد المالكي ( مذبحة صوريا    (
 3 * –  نفس المصدر أعلاه .
4 * – الكاتب شوقي بدري( العراق .. المسيحيون و مذابحهم(
 
 

 

عن الكاتب

عدد المقالات : 76

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى