في العراق , السنة يهاجمون والشيعة ينسحبون والكرد يدافعون


عبدالغني علي يحيى
عبدالغني علي يحيى

 

    إجمالاً، يمكن تلخيص الموقف العسكري في العراق، بين المكونات الاجتماعية الرئيسية المتناحرة، السنة والشيعة والكرد في العنوان أعلاه، ففي العاشر من حزيران الجاري هاجمت الفصائل السنية المسلحة على اختلاف توجهاتها وعقائدها مدينة الموصل التي تعتبر المدينة الثانية في العراق بعد العاصمة العراقية بغداد من حيث الكثافة السكانية، وتمكنت خلال ساعات من الحاق الهزيمة باكثر من (60) الف جندي عراقي غالبيتهم من الشيعة، والذي تركوا اسلحتهم ومعداتهم ومعسكراتهم للمقاتلين السنة اضافة الى المليارات من الدنانير والدولارات المودعة في المصارف، علماً ان اعداد المهاجمين لم تتجاوز بضعة مئات من المسلحين (وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة). ولقد ذكرنا هذا الانهيار السريع للجيش الشيعي في اليوم المذكور والأيام التي تلته، بانهيارين مماثلين للجيش السني، الأول كان في عام 1991 والذي حصل على أثر هزيمة الجيش العراقي في الكويت، ثم في اجزاء من جنوب العراق امام انتفاضة شيعية سميت بالانتفاضة الشعبانية نسبة الى شهر شعبان الذي وقعت فيه، وفي كردستان العراق ايضاً اندلعت انتفاضة كردية عارمة، وفيها تخلى الجيش عن معسكراته واسلحته والياته للجماهير المنتفضة وقوات البيشمركة الكردية بقيادة الجبهة الكردستانية عامذاك.ولقد دل الأنهيار الأول للجيش العراقي السني في الكويت وجنوب العراق وكردستان، على ان هذا الجيش لم يكن سوى جيشاً عربياً سنياً محتلاً للجنوب الشيعي وكردستان الكردية منذ تأسيس الدولة العراقية في عام 1921 ولحين هروبه وانهياره في كردستان في ذلك العام 1991.

بعد حل الجيش العراقي السني على يد السفير الأمريكي بول بريمر عام 2003 وزوال النظام السني في العراق ، والذي كان الانهيار الثاني من نوعه لذلك الجيش، فقد حل محله جيش شيعي والذي لم يضم في صفوفه سوى نسبة قليلة من السنة والتي لم تتجاوز الـ (5%) ونسبة من الكرد لم تتجاوز الـ (2%) عليه، فأن تواجد الجيش الشيعي لم يعد مقبولاً لدى السنة في المناطق ذات الكثافة السكانية السنية والتي اصطلح على تسميتها بالمثلث السني، كما لم يعد مقبولاً ايضاً في المناطق المتنازع عليها ذات الغالبية الكردية التي طالبت اكثر من مرة بسحب الجيش العراقي منها ومنذ ذلك العام يخوض السنة العرب العراقيون عمليات مسلحة ضد القوات الشيعية في مناطقهم وطالبوا اكثر من مرة بسحب الجيش العراقي الشيعي الى خارج مدنهم وقصباتهم وقراهم ، ولقد كان هذا المطلب من المطالب الرئيسية للمعتصمين السنة،  وبسبب من اصرار الحكومة الشيعية على رفض مطالب السنة، فان حرب السنة ضدهم اخذت بالتطور والاتساع إلى ان ارتقت الى مرتبة الحرب الجبهوية في محافظة الأنبار السنية مع بداية هذا العام 2014 ودخلت مرحلة نوعية في يوم 10 حزيران 2014 عندما استطاعت ان تحرر الموصل وفيما بعد معظم محافظة صلاح الدين والاجراء العربية من محافظة كركوك وديالى كذلك، وبالاستيلاء على الموصل وصلاح الدين، فان السنة حققوا مطلباً جوهرياً لهم والذي يقربهم من الاستقلال ألا وهو اجلاء الجيش من مناطقهم ويصورة أدق انسحاب الجيش الشيعي منها.

لم تكتفي الفصائل السنية المسلحة بالأستيلاء على المساحة الأوسع من الأراضي التي يقطنها العرب السنة، بل راحت تواصل هجماتها وما تزال لأنتزاع المدن والقصبات و الأراضي العربية السنية الاخرى، ويبدو ان المعارك تتواصل مالم تتدخل القوى الدولية لوضع حد لها ، ففي يوم 21-6-2014 نقلت الأخبار سقوط قضائي (القائم) و(راوه) بيد الفصائل السنية المهاجمة وفي اليوم نفسه ذكرت الأنباء انسحاب الجيش العراقي من قضاء (عانه) وبذلك فان الحدود العراقية السورية صارت تحت سيطرة تلك الفصائل. ان الجيش العراقي والذي يسميه السنة بجيش المالكي أو الطائفي لم يعد مرغوباً في كل المنطقة السنية ، وعلى حكام العراق الشيعة أن يدركوا هذه الحقيقة مثلما ادركها حكام البعث عام 1991 من ان المنقطة الكردية بفعل انتفاضة اذار وهزيمة جيشهم في كردستان ، لم تعد منطقة عراقية واصبحت خارج نفوذ حكومة البعث ،لذا فانهم ، أي الحكام البعثيون قاموا بسحب جيشهم واداراتهم المدنية الحكومية من مدن وأراضي كردستان، وقام المجتمع الدولي وعلى رأسه ثلاث قوى عظمى: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، و معهما تركيا بفرض منطقة الحظر الجوي عند خط العرض ال 36 لحماية السكان الكرد من الحكومة العراقية، وسمح هذا الاجراء للكرد باجراء انتخابات تشريعية ديمقراطية اسفرت عن ظهور برلمان وحكومة ومؤسسات مختلفة، وكان ذلك في عام 1992 وبفضل تلك الحماية تقدمت كردستان وازدهرت وراح شعبها ينعم بالسلم والاستقرار.

إن شعب المثلث السني بحاجة الى استنساخ التجربة؟ الكردية وعلى المجتمع الدولي نقلها ( التجربة) الى هذا المثلث مع مد يد المساعدة الى سكانه وحثهم على اجراء انتخابات تشريعية فحكومة ديمقراطية تعددية تقوم على ادارة شؤونهم، فتحويل فصائلهم المسلحة الى جيش نظامي خال من العناصر الارهابية يأخذ على عاتقه الدفاع عن العرب السنة. نعم، يصعب تخيل حياة مشتركة للسنة والشيعة، وعلى الطرفين استيعار ذلك، ويتوقفاً عن التوسع كل منهما على حساب الاخر والكرد كذلك، وعلى ذكر التوسع، فان احلاماً تراود الفصائل السنية بضم اجزاء من الوطن الكردستاني الى المناطق الخاضعة انفوذهم، نفوذ السنة، الامر الذي اضطر معه الكرد، الى التحرك في الايام الاولى لسقوط الموصل الى ضم المدن الكردية كركوك وغيرها الى كردستان وتطبيق المادة (140) من جانب واحد ان جاز القول بعد ان كانت الحكومة العراقية تتهرب من تطبيقها غير انه يبدو ان الامر لا يروق للفصائل السنة المسلحة فها هي تهاجم قوات البيشمركة الكردية في المناطق الكردية فلقد شهد اليومان 19 و 20 من شهر حزيران الحالي (11) هجوماً مسلحاً لتلك الفصائل على قوات البيشمركة الكرديةفي مناطق كردية بمحافظة كركوك وفي محافظة فان القتال سجال بين تلك الفصائل والبيشمركة في ناحية السعدية واجزاء من جلولاء تقدر ب(10%) من مساحة الاخيرة، على الفصائل السنية وضع حد لاطماعها في اراضي الكرد و بعكسه فانها ستخسر معركتها مع الشيعة أيضاً، دع  جانباً القول الفشل الذي ينتظرها في المناطق الكردية في حال احتلالها، وذلك بالنظر للقدرات المالية للمثلث السني والضئيلة الى درجة مخيفة، كون المثلث يقوم اصلاً على مناطق صحراوية وشبه صحراوية خالية من الثروات المعدنية بالأخص.

ان الفصل بين المكونات الاجتماعية: الشيعة والكرد والسنة بات ملحاً لتحقيق الامن والاستقرار في اوطان هذه المكونات ولن يتم ذلك إلا بقيام (3) دول شيعية وكردية وسنية محل العراق الايل الى السقوط والانهيار. على ان يساعد المجتمع الدولي في انجاز ذلك ونبذ ماعداه من الحلول العسكرية التي لن تجدي نفعاً وسوف تزيد الطين بلةوتطيل من المأساة العراقية وتدفع بالمكونات الاجتماعية المذكورة الى حرب أهلية رهيبة.

     عبدالغني علي يحيى

 al_botani2008@yahoo.com

 

عن الكاتب

عبدالغني علي يحيى
عدد المقالات : 161

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى