فرحة العراقيين بانسحاب القوات الامريكية يشوبها خوف من المستقبل


نادي بابل

بغداد (رويترز)

فرحة العراقيين بانسحاب القوات الامريكية يشوبها كثير من الخوف وكلماتهم وهي تعبر عن فرط سعادتهم بانسحاب هذه القوات تعتمرها الغصة وكثير من التوجس من مستقبل لا يستطيعون ان يعبروا اسواره ليعرفوا ما قد يخبىء لهم القدر.

لكن احلامهم التي طال انتظارها بانسحاب القوات الامريكية بعد اكثر من ثماني سنوات من القتل والدمار والاقتتال تحققت وبقي همهم الاكبر والتحدي القادم وهو الاستقرار الامني.

وفي احد محلات بيع الاجهزة الكهربائية بوسط مدينة بغداد وقف حيدر البهادلي (41 عاما) وسط متجره وقال وهو ينفض الغبار من يديه ” طوال ثماني سنوات كنت احلم بيوم امشي فيه في الشارع ولا ارى دورية امريكية او جندي امريكي. تصورت في يوم من الايام اني لن ارى هذا اليوم. لكنه قد تحقق اخيرا”.

ولبرهة يسرح بنظره بعيدا وكأنه يحاول ان يستشرف ما يخبىء له المستقبل ” لكن كل الخوف ان يستغل المخربون الفرصة.”

ويصمت ثوان معدودة وهو يسرح بنظره بعيدا ثم يستطرد ” الوضع الامني راح يتدهور. هم محقين (الامريكان) الساحة فارغة لا يوجد فيها قوة ردع. كان الامريكان رادع لكل المسلحين والان لا رادع لهم.. نعم سنواجه تحديات.”

ويجمع العراقيون على ان الوضع الامني وما قد تسفر عنه الايام التي ستلي انسحاب القوات الامريكية هو التحدي الاكبر ليس فقط للسلطات العراقية بل للعراقيين جميعا.

ويعترف اغلب العراقيين بهذا التحدي وهم لا يترددون في القول بان قواتهم الامنية لم تزل حتى اللحظة غير قادرة على مسك الملف الامني وهو موقف يختلف كثيرا عن الساسة وخاصة الحكوميون الذين يحاولون بعث صورة وردية للموقف مغايرة لتلك الصورة الاكثر واقعية والتي يتحدث عنها عامة الناس.

ورغم بساطة الاحتفالات والتي لم ترق الى مستوى الحدث فان العديد من المحافظات العراقية شهدت احتفالات بانسحاب القوات الامريكية في اليومين الماضيين.

والى الغرب من بغداد في مدينة الفلوجة وهي المدينة التي ما زالت العديد من بناياتها مدمرة شاهدة على المعارك التي استخدمت فيها القوات الامريكية لسحق المقاتلين الذين كانوا يقاتلون الوجود الامريكي احتفل الاف من سكان المدينة الاربعاء بالانسحاب الامريكي. واحرق المحتفلون اعلاما امريكية ورفع اخرون اعلاما عراقية.

لكن هذه الصور لا تعبر عما يجري ويعتمر داخل النفوس عند اهل الفلوجة.

وقال الشيخ احمد العلواني امام وخطيب جامع الرقيب في الفلوجة في خطبة الجمعة وهو يحذر المصلين “لا تتصوروا ان العراق سينعم بالاستقرار بعد انسحاب الامريكان. لن يتركونا… واحذركم.”

ويعترف اغلبية العراقيين بحقيقة ان قواتهم الامنية لن تتمكن من ملء الفراغ الذي يتوقع ان يخلفه انسحاب القوات الامريكية.

ورغم مرور اكثر من ثماني سنوات على عملية بناء القوات الامنية العراقية الا ان ما يثر العديد من علامات الاستفهام عند غالبية العراقيين هو لماذا لم تصل قواتهم بعد الى مرحلة تستطيع فيها ان تقف بوجه التحديات.

وليس ببعيد عن ما يسمى بنظرية المؤامرة لا يخف العديد من العراقيين شكهم في ان ما يجري من عملية إعداد القوات الامنية العراقية هو خطة امريكية غايتها ان لا تكون هذه القوات جاهزة لكي يبقى الاعتماد على القوات الامريكية.

وكان السفير الامريكي بول بريمر الذي حكم العراق بعد العام 2003 قد امر بحل الجيش العراقي والقوات الامنية انذاك وهو قرار لم يتمكن غالبية العراقيين من نسيانه او غفرانه لبريمر حتى الان ويعتقدون انه كان سببا رئيسيا في اغراق البلاد في دوامة من الفوضى والقتل.

وتساءل البهادلي “لماذا لم يجهزوا (الامريكان) الجيش العراقي (الجديد) بالدبابات والطائرات والاسلحة اللازمة حتى الان…”

واجاب “هذه هي اجندتهم. هم يريدونها ان تكون الامور على هذا المنوال لكي يبقى العراقيون يعتمدون عليهم.”

ويشتكي العراقيون من ساستهم ولا يتردد اغلبهم من توجيه التهم اليهم وتحمليهم مسؤولية عدم تحسن الوضع الامني بسبب خلافاتهم السياسية وعدم تمكنهم من بناء جسور من الثقة قد تكون كفيلة بردم هوة الخلافات بينهم وهو تطور لا يشك احد في انه قد يساعد في حالة تحققه كثيرا على تحقيق تقدم على المسار الامني.

وفي تناقض غريب يعترف رحيم السوداني (47 عاما) الذي كان يقف قرب البهادلي بان الامريكيين عملوا للشعب العراقي ما لا يمكن نسيانه لهم “وهو ازاحة صدام الذي كان جاثما على صدورنا” لكنه يقول ان الانسحاب الامريكي ” هم كبير… انزاح من على صدرونا.”

وقال السوداني ان تحديات المرحلة المقبلة التي يتعين على العراقيين مواجهتها هي ليست وليدة انسحاب القوات الامريكية ” المشكلة بسياسيينا وحب الانا المسيطر عليهم.”

وتحدث السوداني عن الصراع السياسي الحاد الذي تشهده الساحة السياسية العراقية وتقاطع الاهداف السياسية وعدم الاتفاق بين القادة السياسيين العراقيين وقال “هذه الخلافات هي التي ستدمر البلد وتقسم البلد”.

وبمرارة تحدث السوداني عن المطالب الاخيرة لبعض مجالس المحافظات ونيتهم تحويل محافظاتهم الى اقاليم تتمتع بقدر كبير من الاستقلالية والادارة وهو تطور بدأ يثير مخاوف وشكوك الكثير من ان يؤدي الى تقسم البلاد.

وينص الدستور العراقي على انشاء الاقليم. لكن تلك الدعوات التي اثارتها بعض مجالس المحافظات بدأت تخضع للابتزاز السياسي من قبل بعض القادة السياسيين وهو ما أثار ارباكا كبيرا لكثير من الناس.

وكان مجلس محافظة صلاح الدين ذات الاغلبية السنية قد اعلن عن نيته تحويل المحافظة الى اقليم وتبعه في هذا مجلس محافظة ديالى وهي الاخرى ذات اغبية سنية.

وهدد رئيس الوزراء نوري المالكي وهو شيعي في وقت سابق بانه لن يسمح باقامة الاقليم. وهو رد اثار حفيظة المؤيدين الذين هددوا بالمضي قدما بتشكيل الاقليم.

وقال البهادلي ” تاسيس اقليم سني سينتج عنه بالتاكيد رد فعل لانشاء اقليم شيعي. وهكذا راح تتقسم البلد الى مكون شيعي واخر سني”.

وشكك البهادلي بالتوقيت الذي اختارته مجالس المحافظات في اعلان الاقليم وقال “هذه كلها خطة امريكية. يوجد اقليم كردي في الشمال والان المطلوب اقليم سني واقليم شيعي. “

وكانت محافظة ديالى والتي يسكنها خليط من السنة والشيعة والاكراد قد شهدت في اليومين الماضيين تظاهرات ضد قرار المجلس وطالب المتظاهرون من مجلس المحافظة التراجع عن القرار.

وقال طالب حسن ( 35 سنة) ويعمل مدرسا وهو يقف امام مبنى مجلس محافظة ديالى متظاهرا الجمعة ” اعتراضنا على اعلان الاقليم هو بسبب التوقيت الخاطيء الذي اختاره مجلس المحافظة. المحافظة تمر بظروف صعبة بخروج القوات الامريكية من العراق. علينا ان نعمل جميعا من اجل المحافظة على الامن والاستقرار.”

واضاف “اعلان الاقليم في هذا التوقيت هي دعوة لاثارة الفتن.”

وفي مدينة الصدر ذات الاغلبية الشيعية المؤيدة للزعيم الشيعي مقتدى الصدر شكك عماد الخالصي وهو استاذ جامعي يحمل شهادة الدكتوراه بحقيقة انسحاب القوات الامريكية.

وقال الخالصي بعد انتهاء صلاة الجمعة “هذا انسحاب شكلي وليس حقيقي.”

واضاف “الامريكان باقون وما حدث من اعلان للانسحاب لا يغير من هذه الحقيقة.”

واضاف رغم اعلان انسحابهم الا ان خيوط اللعبة كلها ما زالت بايدي الامريكان وهم الذين يحركون الاوضاع كيف يشاؤون.”

( شارك بالتغطية فاضل البدراني من الفلوجة)

من وليد ابراهيم

ara.reuters.com

عن الكاتب

عدد المقالات : 7517

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى