فتح مقبرة صوريا الكلدانية


نزار ملاخا
نزار ملاخا

فتح مقبرة صوريا الكلدانية

 

 

نزار ملاخا / ناشط قومي كلداني

 

يجب أن نُسمّي الأشياء بٍمُسمياتِها، وهذه حقيقة يجب أن تُقال ، وأن يؤمن بها كل إنسان شريف.

قرية صوريا ، قريةٌ كلدانية تقع في شمال العراق في أقليم كردستان، تبعد عن مدينة الموصل بحوالي 113كم إلى الشمال منها، و50 كم إلى الغرب من مدينة دهوك ، تنام وتغفو بأمان وهدوء على ضفاف نهر دجلة الخالد ، وهي تابعة لناحية العاصي / قضاء سميل/ محافظة دهوك .

سكان القرية من المسيحيين الكلدان والمسلمين الكورد.

تعرضت هذه القرية إلى إبادة من قِبَل قوات عسكرية نظامية تابعة للجيش العراقي بإمرة الملازم الأول عبد الكريم الجحيشي، وذلك بتاريخ 16/ أيلول/ 1969 بعد أنفجار لغم أرضي في دورية أمنية قرب القرية، وبالتأكيد لم يكن لأهل القرية المسالمين يد في ذلك ، فكلّهم عزل من السلاح ومزارعين بسطاء، ويمكن لحكومة الأقليم أن تعرف أو تكشف عن تلك الجهة التي زرعت اللغم الأرضي قرب القرية والذي كان سبباً في أن يدفع أهل القرية دمائهم ثمناً لذلك، وعلى تلك الجهة أن تتحمل مسؤولياتها كاملةً أمام هذه التضحية الكبيرة وهذا الثمن الباهض الذي دفعه أهل القرية الكلدان ، ألا يحق أن تعتبرهم حكومة الأقليم شهداء وتسميهم بإسمهم الحقيقي” الشهداء الكلدان في قرية صوريا الجريحة” وتطالب بحقوقهم ؟ حيث قُتل من قُتل، وجرح من جُرح وجُن جنون الآخر بعد أن عاد وعيه إليه ورأى نفسه جريحاً بين الجثث، كما هاله منظر مرعب أن يرى طفلاً رضيعا جريحاً يرضع من ثدي أمه المتوفية، فاختل عقله وما زال يعيش فاقداً نعمة العقل من هول الصدمة والفاجعة.

نيران عبد الكريم الجحيشي قتلت من الكلدان 39 شهيداً ومن الأكراد عشرة شهداء ولم يكن غير هؤلاء، فلا عربي بينهم ولا آثوري ولا غير ذلك ، كما قتل كاهن القرية الكلداني الذي قدم إلى القرية لتقديم الخدمات الدينية للمسيحيين الكلدان هناك، وجرح 27 شخصاً ممن بقوا تحت جثث الشهداء.

بعد القيام بهذه المجزرة الرهيبة تم دفن الشهداء في قبور جماعية بسيطة حيث غطت بالتراب منعاً لعبث الحيوانات المفترسة ، وعلا عليها غبار الزمن ، وأصبحت هذه المجزرة والقرية والمقبرة في خبر كان ، وتبجح أهل ومعارف عبد الكريم الجحيشي ، بالعمل الجبان الذي أقدم عليه، وأعتبروه شجاعةً ورجولة ، وأية رجولة ؟ أن يقدم ضابط على قتل نساء وأطفال وشيوخ ورجال دين عُزّل؟ !!! يا لها من سخرية القدر !!! لا والأدهى والأمّر أن يتم تكريم ذلك المجرم بترقيته رتبةً أعلى ! ربي وإلهي تُمْهِل ولا تُهمل .

نعم أختفى أثر ذلك ، ولكن إلى حين ، شاء الله أن تتغير الأوضاع فأصبح المجرمون شهداء في جنان الخلد، والبطل الذي قام بالعملية الجبانة ، جبان وآثم ويستحق تقديمه للعدالة لا سيما وما زال يعيش داخل العراق وبإمكان حكومة الأقليم استدعاؤه للتحقيق معه لكي ينال جزاءه العادل. هل يُعقل أن تتم محاكمة طارق عزيز لكونه جزء من النظام ولا يُحاكم من قام بقتل الأبرياء من الكلدان ؟

نقول إن الله يمهل ولا يهمل، وإن الدماء التي سالت غدراً لن تذهب سدى،لقد جاء اليوم الذي يتقرر فيه إعادة البحث عن المقبرة لا سيما وقد مضى عليها عدة عشرات من السنين أي ما يقارب الأربعون عاماً ، بحثت الحكومة عن المقبرة وبعد جهودٍ مضنية بسبب عدم دقة المصادر ولكون حدود المقبرة غير مثبتة رسمياً، وكان أثرها قد زال وأختفى نهائياً، ولكن بجهود الطيبين والخيرين في الأقليم ، أقيمت دعوى رسمية رُفعت إلى الجهات المعنية ، بعدها زار القرية بعض المسؤولين ، وبعد بحث أستمر عدة ايام تمكنوا من تحديد موقع المقبرة ، وتم الكشف عنها، وفتحها من قبل وزارة الشهداء والمؤنفلين في أقليم كردستان.

قبل أن يتبنى الأتحاد العالمي للكتاب والأدباء الكلدان فتح ملف قرية صوريا الكلدانية وإعادة الحق لأصحابه الشرعيين، لم يكن هناك كاتباً منصفاً أعطى الحق لأصحابه، فالدماء التي سالت كلدانية نقية مائة بالمائة، ورجل الدين ” الكاهن ” الذي زار القرية كان كلداني الهوية والقومية، وأستشهد معهم، ولكنها بقدرة قادر تحولت إلى آثورية، والقرية الكلدانية بين ليلةٍ وضُحاها تحولت إلى قرية آشورية حتى أن وزير الشهداء والمؤنفلين في حكومة أقليم كردستان الكتور مجيد حمه وقع في هذا الخطأ غير المقصود حيث قال بأن أغلب أهل القرية من الآشوريين ، وفي الحقيقة هم من الكلدان حصراً .

لماذا نطلق أسماً آخر على صوريا؟ ولماذا نلبسها ثوباً غير ثوبها الحقيقي ؟ كيف يمكن أن نسميها آشورية ؟ اليس من الغباء أن لايميز الشخص بين التسميات ؟ أليس من المنصف والمنطقي والعدل أن نسمي الأشياء بمسمياتها ؟

القيادة الكوردية وعلى رأسها الأستاذ مسعود البرزاني مشكورة وبارك الله فيها على تبنيها هذا الموقف الإنساني وذلك بتخصيص مقبرة تليق بشهداء قرية صوريا الكلدانية، علماً بأن الدماء الكلدانية أمتزجت بشكل حقيقي وواقعي مع الدماء الكردية في هذه المجزرة، فنيران الجحيشي لم تميز بين الكوردي والكلداني، حيث حصدت الجميع ، كما حصدت أرواح الأطفال والشيوخ والنساء والرضع ورجل الدين .

القيادة الكوردية من جانبها مطالبة بأن تعطي كل ذي حق حقه، فالكلدان مكون رئيس في الأقليم، لذلك يجب أن يكون الدور الثاني في الأقليم بعد الكورد للكلدان وليس لغيرهم، فكما أن الكورد شركاء في الوطن مع العرب وليسوا قومية ثانية ، كذلك يجب أن يكون الكلدان شركاء في الأقليم وليس قومية ثانية، أو مواطنين من الدرجة الثانية، ويجب معاملتهم على ضوء ذلك ، خاصةً في توزيع المسؤوليات وإبراز دورهم القيادي في الأقليم . لا أعتقد بأن هناك كردياً يقبل تهميش قوميته أو هويته أو أسمه ، فكيف بال المسؤول ، وبهذه المناسبة نطالب قيادة الأقليم بالإيعاز لمراجعة مسودة دستور الأقليم الذي ظلم الكلدان وهمّش دورهم، لا بل أنهى وجودهم كقومية في الأقليم ، وذلك تبعاً لرغبات رجل متسلط في الأقليم تمكن في لحظة واحدة من تغيير الدستور بعد أن تم نشره في كافة الصحف الكردية وتناقلته وسائل الإعلام المحلية والدولية ،

الكلدان مكون حقيقي في الأقليم ، وصوريا قرية كلدانية ولم تكن غير ذلك مطلقاً ، فكما أن حلبجة كردية وسكانها أكراد كذلك هي صوريا، فإن قبلتم بأن يسمون شهداء حلبجة تركماناً أو عرباً حينذاك يكون لكل حادث حديث .

نأمل من القيادة الكوردية أن تتدارس وضع الكلدان وتعيد إليهم حقوقهم المشروعة في الأقليم وتعتبرهم شركاء في الأقليم لا غير.

المجد والخلود لشهداء قرية صوريا

المجد والخلود لشهداء العراق جميعا

 

‏الاربعاء‏، 21‏ تموز‏، 2010

 

عن الكاتب

عدد المقالات : 298

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى