غباوة هذا الجيل


الشماس د. كوركيس مردو
الشماس د. كوركيس مردو

” بِمَن أُشبِّهُ هذا الجيل ؟ يُشبِهُ أولاداً قاعدين في الساحات يَصيحون بأصحابِهم: زَمَّرنا لكم فلم تَرقُصوا نَدَبْنا لكم فلم تَضرِبوا صُدوركم. جاءَ يوحنا لا يأكلُ ولا يشرب فقالوا: لقد جُنَّ. جاء ابن الإنسان يأكُلُ ويشرب فقالوا: هُوَذا رَجُلٌ أكولٌ شرِّيبٌ للخمر صديقٌ للعشارين والخاطئين. إلا أنَّ الحِكمة زَكَّتْها أعمالُها ” (متَّى11: 16 – 19)

” أقول لكم: ليس في أولاد النساء أعظمُ من يوحنا، ولكنَّ الأصغرَ في ملكوت الله أعظمُ منه. فجميع الشعب الذي سَمِعَه حتى العشارون أنفسُهم بَرُّوا الله، فاعتمذوا عن يد يوحنا. وأما الفريسيون وعلماءُ الشريعة فلم يعتمذوا عن يده فأعرضوا عن تدبير اللهِ في أمرهم. فبِمَنْ أُشَبِّه هذا الجيل؟ ومَنْ يُشبهون؟ يُشبهون أولاداً قاعدين في الساحة يَصيحُ بعضُهم ببعضٍ فيقولون: زَمَّرنا لكم فلم تَرقُصوا نَدَبْنا فلم تبكوا. جاء يوحنا المعمذان لا يأكلُ خبزاً ولا يَشرَبُ خَمراً، فقلتم: لقد جُنَّ. وجاءَ ابن الإنسان يأكُلُ ويشرَب، فقلتم: هُوَذا رَجُلٌ أكولٌ شريبٌ للخمر صديقٌ للعشارين والخاطئين. ولكنَّ الحكمةَ قد بَرَّها جميعُ بنيها ” (لوقا7: 28 – 35).

هنالك تحليلٌ لموقفين لسامعي دعوةِ يوحنا المعمذان أشارَ إليهما البشيرُ لوقا في أعلاه:

أ – الطبقة البسيطة من الشعب اليهودي بما فيهم العشارون برَّروا الله باعتماذِهم عن يد يوحنا، أي أنَّهم اعترفوا بأنَّ الله بارٌّ وحاشاه أن يُخطيء! إنَّما هم الخاطئون المحتاجون للتوبة والمعموذية. والذين يُبرِّرون الله يُقِرّون بأفضاله عليهم، وإنَّ كُلَّ أفعاله وهباته تنبع من وفرة كرمه، ويعلمون أنَّ الشرورَالتي تُصيبُهم هي بمثابة عقابٍ لهم بسبب خطاياهم، وإن ثقتهم بالله مطلقة بأنَّ أحكامَه معصومة عن الخطأ. أمثال هؤلاء البشر ينظرون الى الله بأنَّه مصدرُ كُلِّ الخيرات والنِعم، أما الشرور فيعزونها كنتيجةٍ حتمية لذواتهم التي تميلُ الى السوءِ أحياناً. إنَّ أفرادَ هذه الفئةِ من الناس شعروا بخطاياهم واحتاجوا الى بِرِّ الله، فأسرعوا لنيل المعموذيةِ إعلاناً لتوبتهم، وبقبولِهم للمُرسَل الإلهي يوحنا المعمذان والإصغاءِ الى دعوتِه قدَّموا بِرّاً لله.

ب –  الكتبة والفريسيون ورجال الدين اليهود تستحكم بهم مُشكلة كبيرة هي الكبرياء التي تُشعرهم بالبِرِّ الذاتي، ويعني ذلك أنَّهم ليسوا بحاجة الى الله، فباتوا عديمي الرؤية والسمع وبدون فهم وإدراك. استغنوا عن مشورة الله مُعتزين بأنفسهم. أغمضوا عيونهم لكي لا يروا عيوبهم وخطاياهم، مُصِرّين بعدم حاجتهم للتوبة ولذلك رفضوا معموذية يوحنا، بل قالوا عنه كلاماً كاذباً أشار إليها الربُّ يسوع المسيح: المتكبرون في كُلِّ جيل يرفضون الإعتراف بخطاياهم، ينظرون الى أنفسهم بأنَّهم أبرارٌ دائماً، لا يفكِّرون بالتوبة، لا يُبرِّرون الله إذا أراد أن يؤدبهم، ومن ناحيتهم يرفضون مشورة الله ولا يقبلون بتأديبه “فإذا لم يَنَلكم شيءٌ من التأديب، وهو نصيب جميع الناس، كنتم أولاد زِنيةٍ لا بنين ” (عب12: 8). فهل لأمثال هؤلاء رغبة على تمييز مُرسلي الله مثل يوحنا المعمذان؟ وهل يسعون الى معرفة الله أو المسيح؟ رفضوا المعمذان لإختياره حياة الزهد، رفضوا المسيح لعيشه البسيط، ليس هذا فقط، بل سيستمرون كعادتهم على رفض كُلِّ مَن له علاقة بالله، كيف لا وهم يرفضون الله ذاتَه!.

وحسنا شبَّههم المسيح بالصبيان الجالسين بالساحة يصيحون بعضهم ببعضٍ … وهم يلعبون دوري الفرح والحزن، وكان الربُّ يسوع بهذا التشبيه يُشير الى الفريسيين ورجال الدين اليهود، فقد جاءهم يوحنا المعمذان الزاهد ليدعوهم الى التوبة فقالوا فيه شيطان ورفضوا التوبة. جاءهم يسوع يَكُنُّ لهم المحبة شافياً أمراضهم وأسقامهم داعياً إياهم للعودة الى محبة الله ومصالحته ولكنَّهم رفضوه أيضاً واصفين إياه بأكول وشريب للخمر. إنَّ الأمر ليس غريباً فعندما ينتاب العمى بصيرة المرء الداخلية يفقد توازنه النفسي، ويسعى الى ايجاد تبريرات مُلتوية لرفض التدبير الإلهي. يبتعد عن الحب الإلهي ولا يحتمل تأديبَه، لا ينجذب الى الكلام الإلهي الحنون المُحيي، ولا يرتدع بالتهديد.

” الحِكمة قد بَرَّها جميعُ بنيها ” ليس هناك شكٌّ بأنَّ الله يعلمُ مَن هُم مُحبيه،  وهُم مَن يشهدون له، فإن اختار الفريسيون عدم قبول مشورة الله مِن تلقاء ذواتهم، فإنَّ الحكمة لن تَعدمَ أبناءَها. لأنَّ لله أبناءً يؤدّون البِرَّ له، وأكبر مثال لذلك الذين تقبَّلوا العماذ مِن يوحنا!. فإذا سُفِّهَت الحكمة مِن مُعاديها، نالت البِرَّ مِن أبنائها كما تحققنا من ذلك من الذين اعتمذوا عن يد يوحنا! وما الحكمة هنا إلا ما دبَّره الله بإرساله يوحنا المعمذان ليُنادي بمجيء المسيح المُتجسِّد مِن أجل خلاص أبناء البشر، وهذا التدبير الحكيم صار أمراً باراً في نظر جمهور كبير مِن شعب الله الذي فرح بظهور يوحنا المعمذان مُنادياً بالتوبة أولاً ومُمَهِّداً الطريق وِليكون شاهداً على ظهور المسيح المُنتظر! وعِبرَ كُلِّ الأجيال لم يتوقَّف أبناءُ الله عن تقديم الشكر والتسبيح له لكُلِّ تدابيره وأفعاله، قابلين بجميع أحكامِه، نادمين على أيِّ شَرٍّ أو ضرَرٍ حيث يعزونه الى النواقص التي تبدُر منهم! وعلى العكس منهم فإنَّ أولئك الحاسبون أنفسهم أبراراً لا يكتفون برفض أحكام الله وتدابيره فحسبْ، وإنَّما يتذمَّرون عليه قائلين: لماذا يا ربُّ نتعرَّض لكذا وكذا ..: أي يتظلَّمون على تأديبات الرب التي كثيراً ما يسمح بها كجزءِ مِن خِطَّتِه الخلاصية بخِلاف أبناء الله الحقيقيين القابلين بأحكامه ويروا البِرَّ فيها!

تعنيف يسوع لمُدُن البحيرة

إنَّ مُعجزات كبيرة أجراها يسوع في مدينتي كورزين وبيتَ صيدا، ولكنَّ ساكنيهما لم يجنحوا للتوبة، فاستحقتا التعنيف من الربِّ يسوع حيث قال: الويلُ لكِ يا كورَزين! الويلُ لكِ يا بيتَ صَيدا! فلو جرى في صورَ وصَيدا ما جرى فيكما من المُعجزات، لَتابتا توبةً بالمِسح والرَّماد مِن زمن بعيد (متى11: 20-22) ” على أنّي أقولُ لكما: إنَّ صورَ وصيدا سيكون مصيرُهما يومَ الدَينونة أخَفَّ وطأةً مِن مصيركما ” (متَّى11: 22) مدينة كورَزين تقع في منطقة الجليل بجوار بيتَ صَيدا وكفرناحوم. بيتَ صَيدا تقع على بُحَيرة طبَرية. ويعني إسمُها “بيت صيد السمك”. أما صور وصَيدا فهما مدينتان فينيقيتان وثنيتان تقعان على البحر المتوسط.

وعلى مثال كورَزين وبيتَ صيدا تلقَّت كفرناحوم من يسوع نظيرَ ذلك التعنيف الذي وجَّهه لهما حيث قال: وأنتِ يا كفرناحوم، أتُراكِ تُرفعين الى السماء؟ سيُبَطُ بِكِ الى مَثْوى الأموات. فلو جرى في سَدومَ ما جرى فيكِ من المُعجزات، لَبقيَت الى اليوم.” على أنّي أقولُ لكم: إنَّ أرضَ سدومَ سيكونُ مصيرُها يوم الدينونة أخفَّ وطأةً من مصيركِ ” (متَّى11: 24). إنَّ ما يُحزن قلب الله الآب السماوي، هو الجحود الذي يلقاه من أبنائه بالرغم مِن كُلِّ ما يُقَدِّمه لهم. 

لو قارنّا الآيات التي وردت في (متَّى11: 20-24) مع نظيرتِها لدى البشير لوقا (لوقا10: 13-15)، قالها يسوع بعد إرساله تلاميذه الإثنَين والسبعين لتبشير مدن بني اسرائيل. ” وأية مدينةٍ دخلتم ولم يقبلوكم فاخرجوا الى ساحاتها وقولوا: حتى الغبار العالق بأقدامِنا من مدينتكم ننفضه لكم. ولكن اعلموا بأنَّ ملكوت الله قد اقترب. أقول لكم: إنَّ سَدومَ سيكون مصيرُها في ذلك اليوم أخفَّ وطأةً من مصير تلك المدينة (لوقا10: 10-11). ويُلخص البشير لوقا مغزى هذه التعنيفات على لسان يسوع ” مَن سمِعَ إليكم سَمِعَ إليَّ. ومَن أعرضَ عنكم أعرضَ عنّي، ومَن أعرضَ عَنّي أعرضَ عن الذي أرسلني ” (لوقا10: 16). إنَّ عبارة “في ذلك اليوم” الواردة أعلاه تُشير الى يومين الأول يوم خراب اورشليم على يدي القائد الروماني طيتُس عام 70م إذ في هذه الحرب كانت مدينتا كورزين وكفرناحوم قد تعرَّضتا لضربات شديدة، حيث غصَّت الشوارع بجثَث قتلاها ولم يكن هناك مَن يدفنها. والثاني هو يوم الدينونة العظمى. ومدينة كفرناحوم كانت مبنية فوق هضبةٍ عالية ويُعتقد أنَّ الربَّ يسوع أشار الى ارتفاعها بقوله: وأنتِ يا كفرناحوم سيُهبَط بكِ الى مثوى الأموات. ولعلَّ هذا القول يدلُّنا أنَّ في العذاب الأبدي درجات كما في في المجد الأبدي درجات كما يقول رسول الأمم بولس (1قورنتس15: 41 —-).

الشماس د. كوركيس مردو

عن الكاتب

عدد المقالات : 193

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى