عندما يفقد الشيب وقارهُ


سعد توما عليبك
سعد توما عليبك


من المعروف بأن عمر الإنسان يقاس بالسنين، و هذه السنين

هي التي تقسم مراحل حياة الإنسان التي تجمع بين صفحات

أيامها مشاعر السعادة والحب والفرح والمتعة ونشوة النجاح،

كذلك فيها الجانب السلبي كالشقاء والألم والمعاناة والمرض،

فهي (اي الحياة) يومان كما يقال، يوم لك و يوم عليك، وهذه

الأيام المتعاقبة من عمر الإنسان بحلوها وبمرها والتي لا يمكن

ايقافها او استرجاعها، هي تسجيل كامل لكل تفاصيل حياته منذ

ساعة ميلاده الى ساعة مماته.

هناك أمر شائع لدى عامة الناس وهو ربط عمر الإنسان بعلاقة

طردية مع خبرته في الحياة، أي بمعنى آخر كلما قطع الانسان

شوطاً من حياته كلما زادت تجاربه عن الحياة وألبسته رداء

الحكمة وزادت عنده المعرفة وتنكشف له اسرار هذه الدنيا

وخباياها، ولهذا ما زال البعض متمسكاً بالمعادلة التي تقول:

“اكبرنا عمراُ اكثرنا تجارباً في الحياة”. وهذه المعادلة ليست

دائماً صحيحة ولا تعني ضرورة تطابقها مع الواقع الحياتي،

وذلك لوجود سببين مهمين على الأقل يتحكمان فيها:

اولهما – ان تفاصيل الحياة وكثافة وصخب وتشابك أحداثها

واماكن وقوعها تختلف من شخصٍ الى آخر، وبالتالي ستختلف

معها حتماً الخبرات المتراكمة والحِكمْ والتجارب المكتسبة من

خلالها من شخص الى آخر أيضاً.

والسبب الثاني – هو بٌنية الانسان الفسيولوجية نفسها، فهي

تختلف من شخص الى آخر في ما تحمله هذه البنية من حواس

وطاقة وعقل وادراك وقوة التحمل وغيرها من الإمكانبات

والقدرات الذاتية، ومدى قابلية الشخص في توضيفه لبنيته في

فهم الحياة والتعامل مع أحداثها.

وبالرغم من ان عمر الانسان ليس مقياساً في نجاح أعماله

وصواب آرائه، و لكن يبقى للشيب وقاره وخاصة عند الشرقيين

امثالنا، لما تفرضه علينا عاداتنا وتقاليدنا المتوارثة، وبحكم

التزامنا الديني والاخلاقي في احترام الكبير والأخذ بتوصياته

وأرائه.

فكلما مُدِّ العمر مع الإنسان وغزا الشيب مفرقه، برزت معه

هيبته وزاد وقاره وتحلى أكثر بالهدوء والرزانة، هذه هي

الصفات العامة في الحالات الإعتيادية المتعارف عليها، لكن

الأمر قد يبدو مختلفاً حين يشذ عن هذه القاعدة ويزيغ عنها

بعض النفر، حيث نجد أحدهم وهو قد دخل المحطة الأخيرة من

حياته ولكنه يتصرف تصرفات صبيانية غير لائقة، وكأنه قد

عبر مرحلة الإتزان العقلي فأصبح لا يسيطر على مشاعره،

بالإضافة الى نواياه المغلفة بالخبث والحقد الواضحين تجاه

الآخرين دون سبب أو بأسباب من صنع خياله، ويبدو جلياً بأن

الحقد والحسد والكراهية هي كل ما اكتسبه من سنين عمره،

وهي كل انجازاته ورصيده في الحياة، لأن الطبع السيء يغلب

التطبع، كما و من المحتمل أن يصبح وسيلة سهلة للأشرار في

اقتياده كما يبغون جاعلين منه مطية لتنفيذ نواياهم الخبيثة.

عندما يوغل الإنسان في خريف العمر وتقترب ساعة وداعه

لهذه الدنيا، يفترض ان يستغل أيامه الأخيرة من الحياة لعقد

لسانه والتنبه عن الزلاّت والإنفعالات التي تقلل من هيبته

وتسيء الى شخصيته والتي قد تسبب أيضاً في كسر الأواصر

الإجتماعية والإنسانية، ومن ثم عليه أن يفكر في كيفية التكفير

عن ذنوبه واخطائه التي عملها في مستهل أيام شبابه، لا أن

يفعل العكس ويقع في مستنقع الشر و الرذيلة، و يقوم بايذاء

الطيبين حوله.

يسعى العجوز في الأيام الأخيرة من حياته الى التعامل ببشاشة

وطيب المعشر مع من حوله للتقترب من قلوبهم وكسب ودهم

واحترامهم. وهذه الأيام المتبقية من الحياة يمكن أن تصبح

فرصة لتجميل صورته وتأطيرها بذكريات مشرفة، وليست

لجعلها صورة معتمة وقبيحة يشمئز منها من عرفه.

كما يجب على هذا العجوز ان يطول رقبته كثيراُ (كما تقول

الحكمة)، لكي يتسنى له ترتيب وتنقيح الكلمات ليمنع لسانه عن

النطق بكل ما هو قبيح وبذيء، ليترك انطباعاً جميلاً عنه لدى

الآخرين، وليقرأ من يعرفه على روحه الرحمة بعد مماته، لا ان

يجعلهم يلعنوه حتى وهو في لحده.

والمتوقع أيضاً من المُسن المحترم لذاته بأن يلتزم بالكرم

وبطيب الأخلاق وحب الآخرين، لكي يتهافت عليه الجميع بفرح

وبإلقاء التحيات والسلام عليه عند رؤيتهم له، لا ان تسبب له

تصرفاته الى جعله منبوذاً ومهاناً وغير مرغوب حتى في رؤيته

أو الرد على تحيته، وهذا ما سيدفعه الى الإنزواء التدريجي

وإقتصار علاقاته مع من هم على شاكلته.

وأخيراً قد ينسي هذا المخلوق بأن هناك من يرثه بعد مماته،

وهم لن يكونوا ورثة أمواله وممتلكاته فقط، بل ايضاً سيرثون

ذكراه عند الآخرين، فما أثقلها من تركة.

واذا كان مثل هذا الإنسان لم يتعض من سنين الحياة كلها، فهل

سيتعض في قليل من الأيام وبقليل من الكلام ياترى؟؟. ..انه أمر

صعب جداً.. لمن يكون مجبولاً بالحقد والكراهية، حيث يقول

المثل الشعبي ” طبع بالبدن ما يغيرة غير الكفن”.

فالوقور يبقى وقوراً طالما احتفظ بوقاره لنفسه وعند الآخرين،

والذليل يبقى ذليلا طالما طبع الذل يسري في عروقه.

والويل للإنسان الذي لا يتعض حتى عندما يجلده الزمن بأذرع

الساعات القاسية!!.

سعد توما عليبك

saad_touma@hotmail.com

عن الكاتب

عدد المقالات : 27

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى