شعوب ….وشعوب 2 /2 بقلم هــرمــز كــوهــــاري


نادي بابل

 

إنها   الآيـــات  وليســـت   الجيــــنات  !

ذكرنا في المقال السابق ، كيف أن الشيخ محمد عبدو   مدح الشعب الفرنسي على أخلاقه   الطيبة  وفي الوقت نفسه  ذم أخلاق وسلوك أمته الإسلامية في مصر   دون أن يتطرق  الى السبب  في هذا التباين والإختلاف  هل هو من الجينات أم من  الآيات ؟؟ وقلنا  أننا لا نتفق معه على مبدأ التعميم   فهناك مسلمون طيبون يتمتعون بأخلاق وسلوك  إنسانية راقية  وهناك غير مسلمين ذوي أخلاق سيئة !!

وللنأكيد الى قولنا  بأن كل هذا  التباين  و الإختلاف  قطعا هو من فعل الآيات وليس من أثر  الجينات ، لأن الجينات  ،   كما هو معروف   لدى القراء   الكرام  ، تحمل   للإنسان   حواسه  الخمسة أو الستة  ومنهم يقولون  السبعة .. بدءا من الدفاع عن النفس أو حماية الوجود والنظر والسمع والذوق  والشم   والجنس وغيرها من صفات الكائن  الحي  والتي  يشترك   فيها الحيوان  مع الإنسان    عدا  النبات   بل هناك نباتات لها صفات تدافع  عن نفسها مثل  الأشواك  أو الروائح  الكريهة  أو تحتوي على السموم   تقتل من  يقتلها   أي  يأكلها  !!

، أما اللغة   والدين   والعادات   والأخلاق   والسلوك   تأتي من التربية والمحيط  الذي يعيش  فيه  الإنسان  منذ   ولادته   وما يتلقاه  من محيطه  وما يسمعه وما يقرأه  ، ويكون   الطفل  كالصفحة البيضاء  يكتب عليها أية لغة وبأي   قلم وأي  لون  وخارطة  أو رسم  أو  أو .. الخ

ولو رجع شيخنا وبقية   شيوخ   الإسلام  الى التاريخ  ويقراؤه  قراءة موضوعية  حيادية  ،  وعرجوا ولو عن طريق الصدفة   الى   أصل  وفصل الجيش الإنكشاري   في الدولة العثمانية  ، الجيش  الآكثر شراسة   وإندفاعا   في القتال ، هو الجيش   الذي شكلته  الخلافة الإسلامية  التي أقامها  العثمانيون ، كان مكونا   من أطفال  شعوب أوروبا  الذين كانت  تختطفهم عصابات الدولة العثمانية  أو تأسرهم  أثناء الغزوات  وتدخلهم في  مدارس  إسلامية خاصة  ، ( د. علي الوردي )
نعم  في  مدارس إسلامية   خاصة  ! ويلقوننهم   آيات   من سورة التوبة   بل كل أية  تحرض المسلمون على قتال  ” الكفار ” والمشركين    وأيات  السيف   والقتل  وكل ما  يحرضهم   على  الحقد   والكراهية   ضد  كل  من ليس مسلما  مع الإستيلاء  على أموالهم  وحلالهم  ونساوهم   بل أن    قتل الكفار  ليس فقط  حلال   بل ثوابا  يكتب  لهم  في  الآخرة    وإن إنتصروا   فلهم الغنائم   بما فيها   النساء   وإن قتلوا   أي “أستشهدوا
في سبيل الله  ”  فلهم  الحوريات والغلمان    والعسل والعنب   والرمان …طول الزمان  وملذات لا يحلم بها  الإنسان  !!    كما يصفها   الداعية عمرو   خالد  ! .دون أن يعرف  أولئك  الأطفال سيئوا   الحظ   أن الكفار المقصود   بهم  كانوا  أباءهم   وأجدادهم الأوروبيين  .

ومن هنا  نقول  للشيخ  عبدو  وبقية شيوخ الإسلام  :  لو قدر  لإولئك  الأطفال  أن ينشأوا  ويتربوا  في أحضان عوائلهم   وعاشوا في  مجتمعهم  لتخلقوا  باخلاق    سكان   باريس  ومرسيليا   ونيس …  الآخلاق  والسلوك التي  أعجب   بها   شيخنا الجليل  ومدحها . وتعجب لماذا  لا يتخلق  سكان   امته  الإسلامية   بتلك  الأخلاق الحميدة  …!!
ونسوا   أن تلك  الآيات   كفيلة  أن  تحول   الطفل الذي  يسمعها ويقرأها ليل   نهار أن  ينشا   منه  رجلا  مقاتلا   شرسا  ضد  أخيه   الإنسان
طمعا  بالجواري  في الآخرة  أو الغنائم  والنساء إذا سلم في المعركة .
فعندما  يتكلم  السيف  البتار بيد  الأشرار   تنسحب الأخلاق  ويختفي كلام الأحرار .. .

ولهذا يبدأ   الغربيون بتلقين  النشئ  الجديد  الصدق والصراحة والصداقة والأمانة   لكي  يتربى    على  الطريقة التي أرادوها لهم  ، أرادوها أن ينشأ   جيلا   حرا متحررا جريئا    في فكره وطروحاته وأفكاره  لينظر ويسير الى الأمام ، بعكس  أمة  شيخنا الإسلامية   تحفر   في دماغ   نشأهم   بطولات   وإنجازات سلفهم ” الصالح ”  أي يقلدون   من بطولات   أجدادهم   في   غزو  الشعوب الآمنة  ويسموها الفتوحات ، وينهبوا ويغتصبوا بما فيها النساء   !! يأكلوها حلالا مريئا .وذلك وفق  الأيات .

والغرب  سلك  هذا السلوك  بعد   أن ظهر  أناس  يملكون الجرأة والإخلاص  وضحوا في حياتهم   لتخليص شعوبهم   من سيطرة الدين على  النشئ الجديد   ، وأسسوا لهم مقدسات   علمانية  الى جانب مقدسات الدين   وهي حقوق  الإنسان  : بدءا  من  (   الحرية  العدالة   المساواة   )   وتوصلوا  الى  ما  يشبه عقدا أجتماعيا  بعيدا عن الدين  والطائفية  والقومية   ليصبح عندهم   مبدأ  مقدسا   يخضع  له  الجميع   دون أستثناء ، وأبعدوا   المحرمات  والعادات   البالية    والتقاليد   عن السياسة  وشؤون الدولة  جانبا  كي  لا  تخلق   خلافات  أو صراعات فيما بينهم  .

وحلت   كلمات   الحرية والجراة في  التفكير والشك في كل شيئ بما فيها  المقدسات  ، محل الطاعة العمياء   لرجال  الدين  ،  وخلقوا فيهم الجرأة للبحث والإستقصاء  والسؤال والإستفسار  عن كل شيئ  ، و حرر   النشيئ  من سيطرة العادات والتقاليد  وجرأة  التمرد عليها  ، والإلتزام  حد العبادة     بالصالح العام والوطن  والمواطنة  وحقوق الإنسان  وإحترام  الغير وحتى بمعاملة  الحيوانات  برفق  وبدون قسوة  .
ومنعوا أستغلال الدين  لثلم مبدأ  القواعد العامة  للنظام العام .

الشعب الأمريكي  يعتبر أكثر الشعوب الديمقراطية  تدينا ، ومع هذا لم يشر دستورهم من قريب أو بعيد  عن  دين   خاص   للدولة ، لأن الدين شأن شخصي لا علاقة له بالدولة والسياسة و  قد جاء التعديل الأول للدستور الأمريكي  تأكيدا  على هذا المبدأ :

نص التعديل  الأول :
” لا يصدر  الكونغرس  أي  قانون  خاص  بإقامة دين من الأديان  أو يمنع حرية  ممارسته ، أو يحدد  من حرية الكلام  والصحافة ، أو من حق الناس في الإجتماع سلميا ، وفي مطالبة الحكومة  بإنصافهم من الإجحاف  “

وما يهمنا من هذا التعديل هنا هو ما يتعلق بالدين ، وجاء في التسبيب  :
” قامت دول عديدة بإعلان أحد  الأديان دينا ( رسميا ) معتمدا للبلاد  ودعمته بأموال الحكومة ،  لكن هذا التعديل يمنع الكونغرس  من اقامة دين ما  او اعتماده رسميا  في الولايات المتحدة…كما لا يحق  للكونغرس  اقرار قوانين  تحد من العبادة  وحرية الكلام والصحافة ”   ثم  يؤكد في نفس التسبيب على حماية النظام العام  من تجاوز الدين عليها ويقول المشرع :
”  .. لا   يعني  أن على الحكومة السماح   بجميع الممارسات  الدينية  ، ففي السنوات الأولى من قرن  التاسع عشر  كان بعض اعضاء  من  طائفة ( المورون )  يعتقدون   انه من واجبات الرجل   الدينية   ان يكون له أكثر  من زوجة واحدة  !  وقد قضت  المحكمة العليا  بأن على  اعضاء  هذه  الطائفة   ان ينصاعوا   للقوانين التي  تحرم هذه الممارسة  .”

وفي السويد  يمنع رسميا  ختان الذكور والإناث ، أو ذبح  الحيوانات وإن كانت عملا  بالتقليد الديني ، ففي السويد لا يذبح  الحيوان  الا في جهة  رسمية مخصصة  وبعد تخديره .

ولكن حتى اليوم  ليس   لأمة  شيخنا  الإسلامية  الجرأة  في  تخطي الدين وملاليه   وفتاويهم   والمحرمات والمحلالات  والتقاليد البالية  والعادات التي  لا تتفق والعصر بل لا يزالون   يهوسون  نحن خيرة أمة أخرجت الى الناس .

ولهذا  يؤسفني أن  أكون  متشائما من  تمكن   هذه الشعوب  من   التمتع  بالنظام   الديمقراطي   حتى  الى  أجل غير مسمى . لأن ليس هناك أجل مسمى  لتبدأ هذه الشعوب  كما بدأ الغرب    من النشئ  الجديد  ، التربية  الصحيحة  تتفق ومبادئ  الديمقراطية وحقوق الإنسان والوطن والمواطنة  قولا وعملا .

وينطبق عليهم   المثل القائل :
كيف  يستقيم الظل  والعود أعوج !!
و نقول :
ستبقى  الديمقراطية في العراق والدول  الإسلامية ، وهمُ وسرابْ إذا لم يبدأوا  كما بدا   الأغراب .

هــرمــز  كــوهــــاري

=======================================

عن الكاتب

عدد المقالات : 7494

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى