رسالة مثيرة من أنقاض اليابان


الاستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس
الاستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس

ترجمة بتصرف: أ. د. دنحا طوبيا كوركيس

 

مرحبا عزيزي القارىء

أرسل هذه الرسالة صديق على الفيس بوك. إنها رسالة من القلب إلى القلب، تجعلك تندهش وترى العالم بمنظور آخر. أريد أن أشارككم الشعور الإنساني الخلاق الذي عطـّر ثنايا سطورها، هذا الشعور الذي قد لا يصدقه من كان بعيدا عن الدمار الذي طال اليابان مؤخرا.

محبتي.

 

رسالة من منطقة سينداي اليابانية

سأرسم لكم لوحة أشبه ما تكون بالسريالية من سينداي. أشعر بأن بركة السماء قد حلت علينا جميعا لأنها أتاحت لنا أن نعقد صداقات عفوية رائعة بكافة المقاييس لأول مرة في حياتنا. هو كوخ ريفي بغرفة واحدة يضم بين جدرانه مجموعة من الناس تفترش أرضيته ليلا وتلتصق الأجساد ببعضها طلبا للدفء والأمان والطمأنينة. نشكل دائرة ضيقة حول موقد يعمل بالكيروسين ونحكي القصص الجميلة ونتناول الطعام على ضوء الشموع ونقتسم المياه.

 

وخلال النهار، نساعد بعضنا البعض في إعادة الأمور إلى نصابها في بيوتنا التي دمرها الزلزال. هناك من  يجلس في سيارته ويتابع ما استجد من أخبار على شاشات الملاحة، أو من يقف في طابور لغرف حاجته من مياه الشرب متى ما تيسر الضخ من المصدر الرئيسي. والطريف في تقريري هذا هو إذا ما تدفق الماء من دار ما، يهرع صاحب الدار إلى كتابة لافتة خارج داره ليدل المارة على صنبور المياه المتاحة من منزله لقضاء احتياجاتهم.

 

إنها صورة رائعة للإنسان الياباني، إذ ليس هنالك نهب أو سلب أو تدافع في الطوابير، بل والأجمل في هذه الصورة هو أن الناس تترك أبواب منازلها الأمامية مفتوحة على مصاريعها لشعورها بأمان أكثر بكثير مما كان الحال قبل الزلزال، الأمر الذي يجعلهم يستذكرون الأيام الخوالي التي كان الناس فيها يساعدون بعضهم البعض دون منـّة أو حرج.

 

هزتنا الزلازل ليلة أمس كل خمسة عشر دقيقة بشكل متواصل بينما راحت صفارات الإنذار تطلق صفيرها والطائرات المروحية تطوف الأجواء جيئة وذهابا. الشوارع خالية تماما من المارة أو العجلات، والسكون يلف منطقة سينداي الجبلية المنيعة. ننعم بالتيار الكهربائي لبضع ساعات ليلا وبالمياه لنصف يوم ونحرم من الغاز إلى أجل غير مسمى. السماء التي تعودنا ألا نرى فيها سوى نجمتين سابحتين في غيومها تتلألأ الليلة بجمهرة كثيفة من النجوم. يا لجمالها! إمتلكنا الذعر، لكننا تشبثنا بالبقاء. يتجول رجال بقبعات خضراء بين البيوت ويسألون قاطنيها، وكل غريب مرّ بها، عن احتياجاتهم رغم الفوضى العارمة في كل زاوية من زوايا المنطقة. إنهم هناك أيضا ليبددوا الخوف عنهم ويشاطروهم محنتهم. يقولون للناس بأن هنالك هزات أرضية ارتدادية محتملة، ربما تدوم شهرا أو أكثر، لكني أشعر بأن سينداي الصامدة مباركة لارتفاعها عن مستوى سطح البحر كثيرا. شعرت بأني ولدت مجددا لأن ما يحدث حوالي في هذا الكون الكبير أكبر مما أستطيع استيعابه.

ويدوم الحب بيننا،

آنا

 

سان دييـﮕو/ كاليفورنيا

في 25/3/2010

gorgis_3@yahoo.co.uk

عن الكاتب

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى