ذكـرياتي في رحاب الكـنيـسة ــ الحـلقة الـثانية ــ


مايكل سيبي
مايكل سيبي

 

في ألقـوش

أول مشاركة في فـعّـاليات الكـنيسة :

في سنة 1958 إنـتقـلتُ إلى مدرسة العـزة الإبتدائية في ألقـوش موطـن الوالـدَين والأجـداد وأجـوائها المتميّـزة . فالدروس الدينية موجـودة ضمن الحـصص الدراسية والمرحـوم ( الأب هـرمز صنا ) معـلـّمنا ، وشاء الحـظ في السنة التالية أن أنـتقـل إلى مدرسة القـوش الأولى ( حـيث كان والدي قـد درَسَ فـيها ) في بناية مار ميخا القـريبة من الكـنيسة لـذا فإن بعـضاً من دروسنا الدينية كـنا نطـبـّـقها في هـيكـلها المقـدّس إنْ كان لتعـلـّم التراتيل أو للإعـتراف وحـتى للإستماع إلى المحاضرة نفـسها أحـياناً ، وكان حـضورنا القـداس صباح كـل يوم من بين واجـباتـنا اليومية المُـلزِمة مع تـثبـيت أسماء الغائبـين من قِـبَـل مراقـبٍ هـو أحـد زملاء صفـّـنا ، والكاهـن يتابع المخالفـين منا . وفي العـطلة الصيفـية نذهـب لتعـلـّم الصلوات والألحان الكـنسية في فـناء دار من أملاك الكـنيسة يقـع بين بناية الكـنيسة وبناية مار ميخا ، وأعـتقـد أنها إتـّخِـذتْ ﮔـراجاً لسيارة المطرانخانة لاحـقاً ، ومعـلـّمنا فـيها الشماس والساعـور المرحـوم هـرمز كادو يشجّـعـنا بهـداياه البسيطة ( صٌوَرٌ صغـيرة للقـديسين ) لمَن يحـفـظ الصلوات بسرعة . وفي المدرسة كـنتُ أنشد أناشيد وطنية داخـل الصف بمرافـقة موسيقى الأوكـورديون من عـزف معـلـّمنا الموسيقار حـكـمت زيـباري لِما كـنتُ أتمتـّع به مِن صوت صبـياني رخـيم ، ونظراً لذلك فـقـد إخـتارني الأب المرحـوم هـرمز صنا في إحـدى جُـمَع درب الصليـب في عام 1959 للإشتراك بطقـوسه الكـنسية التراثـية الأصـيلة وكان دَوْري فـيه قـراءة صلاة السلام الملائـكي باللغة الكـلدانية الفـصحى ( ﮔـوشـْما ) بأسلوب فـرديّ مألوف في حـينها لم يكـن ترديداً جافاً بل ترنيماً مطلقاً ، وقـد أبدعـتُ فـيه بفـضل صَوتي في المرحـلة تلك ونلتُ المدح من سامعـيه وأتذكـّر تشجـيعه لي أستاذي المرحـوم جـرجـيس زرا ، حـين مـدحـني فـكانت بمثابة دفـعة زوّدتـْـني بزخـم لأنطلق إلى مرحـلة جـديدة من حـياتي الروحـية لتكـون نواة لمستـقـبلي الفـكـري .

خـطوطي العـريضة للمستقـبل :

وكانت تلك المناسبة مهـمّة بالنسبة لي لأنها زرعـتْ عـندي بذرة نـَمَتْ بعـد سنين وحـفـزتـني لأرسم الخـطوط العـريضة لنهجي في الحـياة مستقـبلاً وأتـجـنـّب الأزقة الضيقة وسالكـيها البعـيدين عـن الكـنيسة وأكـون قـريباً من أصوات النواقـيس وساعـورها حـتى اليوم . وقـد خـدمني إخـتياري ذلك ، طيلة فـترة حـياتي الجامعـية والعـسكرية والوظيفـية وأنا معاصِـر لأنظمة حكـومية متـنوعة وقاسية فـلـَم يلاحـقـني أحـد ولم يتـشكـّـك بي آخـرٌ في أمرٍ ، رغـم إستقـلاليّـتي السياسية ( التي إستصعَـبها الكـثيرون عـلى أنفـسهـم بأعـذار واهـية وغـير صحـيحة ) ورغـم مصاحـبتي لزملائي الألقـوشـيّـين في الجامعة ذوي القــُـبّـعة الحـمراء عـلى هامتهم . بل يمكـنـني القـول بأنـني كـنتُ أكـثر شجاعة من غـيري في مواقـف عـديدة مستـنداً إلى تشـبّـثي بإنـتمائي الكـنسي ونقاشاتي الدينية أينما أصادف وحـتى مع مَن لا يستسيغـها ، وإعـتـزازي بالمقامات الكـنائسية التي أرتـّـلها حـيثما أكـون بالإضافة إلى ثـقـتي بنفـسي وبـياض صحـيفـتي الأمنية الواقـية من الملاحـقات المخابراتيّة .

قـيثارة كـنيسة المشرق :

في صبـيحـة أحـد أيام الأحاد من عام 1959 أو 1960 كـنتُ في ساحة كـنيستـنا / ألقـوش حـين سمعـتُ صوتاً لشماس يخـدم القـداس مع المرحـوم القس هـرمز صـنا في الهـيكل الأيمن ( هـيكل مريم العـذراء ) ، ألقـَيتُ نظرة خاطـفة عـليه من الباب فـرأيتُ شاباً ذي ملابس سوداء شبـيهة بملابس الكاهـن الجـبّة أو السوتانة ، كان صوتـَه جـبلياً ملائكـياً ينقـل سامعـيه إلى أجـواء بهـيجـة ويسرح معهـم في خـيالات روحـية في الفـضاءات السامية ممتزجـة بالرومانسية ، مقامات ومناورات لأوتار حـنجـرة تأسرهـم وينسَـون دنياهـم هـيماناً بها ، ولو كـنتُ أدرك وعـندي شـجاعة اليوم لكـنتُ أصيح : أين أنتِ أيتها الملائكة ؟ أتركي عـلياكِ فأنتِ مدعـوّة إلى وليمة فاخـرة من خادم ربّـكِ ، تعالي ورفـرفي في هـياكـلنا بأجـنحـتِـكِ ، تعالي فها هُـنا مشربكِ فـوق مـذبحـكِ ، ينابيع لا تـنضب ولا يرتوي أحـدٌ من مائها العـذب . كل ذلك أحـْسَـسْـتـُه وأنا صغـير العـمر في المرحـلة الإبتـدائية ، تلك كانت أذني الموسيقـية مرهـفة الحس للألحان ، ولم أعـرف مَنْ كان ذلك الشماس إلا بعـد أن كـبرتُ فـعـلمتُ أنه المرحـوم القس يوحـنان چـولاغ قـبل رسامته كاهـناً .

أنا الأشـبـين :

وفي صيف عام 1961 بـتـنا في دير الربان هـرمز 42 يوماً وفي أثـناء الأيام تلك جاءتْ عائلة آثورية لتعـمّـذ طـفـلها الذي طلبَـتــْه – إيماناً – من ربان هـرمزد ، فـكـنت أنا الأشبـين ( القـريب ) وعـمّـذه رئيس الدير الأب منصور وسُمّيَ هـرمز . وكـنا نشارك الرهـبان في الصلوات الطخـسية والقـداس .

أصدقائي الأوائل في الكـنيسة :

إنّ من بـين أصدقائي القـليلين في مرحـلة الإبتـدائية ، الطالب ميخائيل ﭘـولا مقــْدسّي زميلي منذ الصف الرابع الإبتدائي ولكـنـنا لم نـترافـق سوية كأصدقاء إلا في الصف الخامس الإبتدائي بعـد لقاءاتـنا المتكـرّرة في الكـنيسة والـدار وتوافـق صفاتـنا الخـُلـُـقـية . ولما تمَّ تـنصيب المطران عـبـد الأحـد صنا أسقـفاً لأبرشية ألقـوش ، إستـقـبلناه بحـفاوة فائقة وبنشيد لسيادته بهـذه المناسبة في 25/3/1961 . وكان صديقي ميخائيل مقــْدسّي معي عـضواً في فـرقة الإنشاد ( إنْ لم تخـُـنـّي ذاكـرتي ) ، وكـثيراً ما إلتقـينا كـِلانا في دردشات الصّبا أو ترنيمات القـداس فـوق سطح دارنا أو في دارهـم ، وبعـد مرحـلة الدراسة الإبتـدائية إخـتار طريق الكـهـنوت أما أنا فإخـترتُ مواصلة الدراسة في المدارس الحـكـومية وقـد إلتـقـيتــُه مرة أو مرتـين في مطلع الستينات وهـو بزيّ السيمينير الرسمي للمبتـدئين وكان يكـلـّمني بعـض الشيء عـن الضوابط في المعـهـد الكـهـنوتي / الموصل ، ولم أحـضَ برؤيته منـذ ذلك التاريخ حـتى قـدومه إلى سـدني في شهر آيار 2013 بمعـية غـبطة الـﭘاطريرك مار لـويس روفائيل الأول ساكـو . وهـكـذا واصلتُ مسيرتي الإيمانية لا عـن عـمق تفـكـير في مرحـلتــَي الصّبا والمراهـقة تلك وإنما تقـليداً لآبائـنا أولاً وربما لإنجـذابنا إلى صوت شماس مثلاً أو وعـظ كاهـن أو إعـجابنا بأعـمدة كـنيسة أو أقـواس هـيكل ، إنّ لهـذه العـوامل تأثيراً روحـيّاً كـبيراً ونفـسيّاً عـميقاً عـلى جـذب المؤمنين إلى الكـنيسة ( ولكـن مع كـل الأسف فإن أكـثر رعاة الكـنيسة اليوم مُـنشغـلين بمظاهـر الحـياة ، ولا يُعـيرون أهـمية لهـذه المقايـيس الروحـية بل عـندهـم مكايـيل أخـرى غـيرها ، فـنراهـم سطحـيّـين حـيناً ، وروتينيّـين فـرديّي القـرار أحـياناً أخـرى ) . وكان مَن سبقـني في هـذه الشجـون مقـترباً إلى المذبح المقـدّس قـبْـلي ، زميلي في صفـِّي الدراسي عام 1962 وجـيراني من المحلة ويعـرف هـيامي بالكـنيسة وفـضاءاتها هـو: عـزيز ﮔـوريال أودو ( ﮔــُدّا ) ، وقـد سألني مرة : هـل ترافـقـني إلى الكـنيسة يوم الأحـد المقـبل الساعة الرابعة عـصراً ؟ قـلتُ له : هـل توجـد مناسبة ؟ قال : نجـتمع سوية للصلاة ونبحـث في تـفـسير الإنجـيل والشؤون الدينية ؟ قـلتُ : نعـم ، فـذهـبنا سوية إلى ساحة الكـنيسة ( والإجـتماع المزمع سيكـون في الغـرفة العـليا ) . لاحـظـتُ أنّ دردشات ثـنائية بدأتْ عـند البعـض وحـركات غامضة غـير ضرورية لدى آخـرين ، فـتارة يُـسـتـدعى صاحـبي لعـدّة دقائق ثم يأتيني ، وتارة أخـرى يقـول لي إنـتظر سآتيك ، وآخـرون يتشاورون بصوت خافـت ثم يذهـبون عـند مجـموعة أخـرى فـرأيتُ نفـسي غـريـباً وأنا إبن الكـنيسة ولي أصدقاء كـثيرون من بين الحاضرين هـناك بحـكـم قـربي الروحي من هـذه البناية . وإقـتربتْ الساعة من الخامسة وليس هـناك أيّ إجـتماع ! سألتُ صديقي : متى يـبدأ الحاضرون بالصلاة والوعـظ … قال : بعـد قـليل . وأخـيراً إستـدعاني قائلاً : لقـد تأجّـل إجـتماع ( الأخـوية ) إلى الأسبوع القادم وهـلمّ نخـرج . خـرجـنا سوية وحـدسي يقـول أنّ هـناك شيئاً أجهـله . ومن بعـد أسبوع حـضرتُ معه إجـتماعهم وأصبحـتُ من الناشطـين بـينهم . أما لماذا كان ذلك المشهـد في ساحة الكـنيسة حـين تواجَـدْتُ معهـم للمرة الأولى حـيث الإرتباك والقـلق والنظرات وكأنّ هـناك عـتاب ؟ لقـد عـلمْتُ السبب لاحـقاً وهـو: إنّ صاحـبي لم يُـبَـلـّغ رئيس الأخـوية أو الكاهـن أو أيّ مسؤول هـناك عـن قـدومي ، فـكان المطلوب منه أن يطرح إسمي أمامهم في إجـتماعـهم أولاً ، وإذا لم يعـترض عـليّ أحـد عـندئـذ يمكـنه أن يأخـذني لحـضور لقاءاتهم فـيرحّـبون بي ويقـبَـلوني بينهـم عـضواً في أخـويّـتهم وهـكـذا حـصل (( سأذكـر حادثة مناقـضة لهـذه حـصلتْ في عام 1965 )) .

دروس التربية الدينية في المدرسة الثانوية :

في الصف الأول المتوسط كان معـلمنا للتربية الدينية المرحـوم الأب أبلحـد عـوديش ، أما في الصف الثاني فـصار المرحـوم الأب يوحـنان چـولاغ يُـلقي محاضراته الدينية في ثانوية ألقـوش ( بناية شـيشا ) وأتذكـّره في محاضرته الأولى حـين فـسّر لنا وعـلى قـدر مستوانا وبصورة مبسّطة نشوء الأرض وكـيف كانـت بهـيئة كـتلة سديمية موضحاً ذلك برسوم عـلى السبّورة ( ولم أكن أفـهم معـنى السديم في حـينها ) ، أما في الصف الثالث وإلى نهاية مرحـلة الدراسة الثانوية فـقـد مُـنع الكاهـن من ممارسة مهـنة تدريس مادة الدين في المدارس الحـكومية ، فـكان المعـلـّم الأستاذ حـنا شـدّا منسّباً إلى مدرستـنا كـمُحاضر في دروس الدين ، والسبب في منع الكاهـن من إلقائه محاضراته الدينية جاء بقـرار من حـكومة عـبد السلام عارف بحـجّة أن زي الكاهـن نشاز وغـير لائق أمام الطلاب – حـتى في مدارس القـرى المسيحـية – وقـد قال لي الأب يوحـنان : إن تلك حـجّة فـقـط ومبرّر فارغ ، وإلاّ لماذا يُسمح لإمام الجامع بجُـبّـته وعـمامته الغـير اللائـقـتــَين بممارسة هـذا العـمل وتدريسه مادة الدين الإسلامي لا بل اللغة العـربـية في بعـض الأحـيان ، وفي كل المدارس الحـكـومية حـتى إذا كان فـيها بضعة طلاب مسلمين ؟ .

 مايكل سيبي

عن الكاتب

مايكل سيبي
عدد المقالات : 470

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى